العدد 1006 - الثلثاء 07 يونيو 2005م الموافق 29 ربيع الثاني 1426هـ

يا أسرى الذهب والفضة والجدران العازلة

المولوي يكشف فضيحة «الموالاة»

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

يذكر التاريخ قصة شمس الدين التبريزي، أحد شيوخ الصوفية في القرن السابع الهجري، الذي كان يتنقل في البلدان مرتديا زي الدراويش، حتى انتهى به المطاف إلى مدينة قونية التركية، فاتصل به جلال الدين الرومي ودعاه إلى داره ليقيم فيها، وقامت بين الرجلين علاقة روحية قوية، لما يتمتع به من تأثير في مستمعيه، فأصبح مرشده وملهم أشعاره الصوفية، حتى سمى ديوانه الشهير "شمس تبريز"، خلد فيه ذكرى مرشده الروحي.

هذه القصة والعلاقة الروحية التي ربطت بين الرجلين، كانت مصدرا لإلهام كثيرين، كما كانت أشعار جلال الدين الرومي محط اهتمام الكثيرين فتناولوها بالدرس والتدقيق. ولكن قبل أربعة عقود، وفي موجة الإقبال الغربي على دراسة و"نبش" التراث الشرقي، درس أحدهم قصة الرجلين فظهر للعالم بـ "مسج" عظيم! ولأنه قادم من بيئة أباحت العلاقات الجنسية الشاذة تحت قبة البرلمان، فانه توصل إلى استنتاج تفوح منه رائحة المواخير، فنشر كتابا أهم ما فيه نظرية الشذوذ، إذ تخيل العبقري ان هذين القطبين الصوفيين في عالم الشرق، ما هما إلا شاذين جنسيا!

الشرق، خزان الروحانيات، ومهد الديانات، غني بمثل هذه القصص والحكايات والتجارب الروحية الكثيرة، ولكن القادم من بيئة موبوءة بالجنس يتصور جميع الناس مصابين بالايدز! والقادم من بيئة تشرع برلماناتها الشذوذ يتصور الآخرين كلهم شاذين جنسيا. وهكذا من اعتاد السرقة وأكل المال العام والتستر على التجاوزات والاعتداء على القوانين، يتهم الآخرين ممن لا يوافقونه على توجهاته "الحكومية أكثر من الحكومة"، بافتقاد "روح المسئولية، وتكريس النظرة الاحادية والمصالح الضيقة".

والرأي العام اليوم في هذا البلد يتابع فضيحة "الجدار العازل" في المالكية، إذ تم الاستيلاء على ساحل قرية تعتمد مئة عائلة من أبنائها في رزقها على ما تصطاده منه، في تحد سافر للقانون والدولة والرأي العام، ومع ذلك تعتبر هذه الجهات "الإعلامية" النزيهة الحديث عن هذه القضية "مصالح خاصة، وإدارة بعض الملفات بصورة سيئة تفتقد إلى روح المسئولية "! لا هي ترحم الفقراء ولا تريد أحدا يحرك ملفاتهم ويدافع عن أرزاقهم وأقوات عيالهم!

مثل هذه الفضيحة لو حدثت في بلد غربي لأسقطت الحكومة، ولو حدثت في بلد خليجي لتم تسويتها فيظرف يومين ومن دون تأخير حفاظا على سمعة البلد وهيبة القانون، بينما نحن نماطل في حلها، حتى البرلمان أجل بحثها لمدة أسبوعين، حتى يكتمل السور العازل وتلفلف القضية كما لفلفت غيرها من القضايا "التي تكرس المصالح الخاصة والتوجهات الطائفية" عن حق وحقيق!

على ان هذه "الهبة" المبدئية والغضبة الغضنفرية، لحماية "الصدقية" والحفاظ على الدرجة العالية من المهنية الصحافية، نجد مقابلها انكفاء عن قول الحق، والدفاع عن المصالح العامة للشعب، وخصوصا الطبقات الفقيرة والمسحوقة في قاع المجتمع، لسبب بسيط تدركه صحف الموالاة جيدا: "النظرة الضيقة الاحادية والتوجهات المصلحية الخاصة" التي يتهمون بها غيرهم.

وليت هذه الأطراف "العالية الصدقية" جدا، الموجودة دهرا في السوق، التفتت يوما إلى أحد الجدران العازلة الكثيرة في هذا البلد، فما جدار المالكية إلا مثالا فاقعا لما يجري من وضع اليد على الأراضي العامة وقضم السواحل، حتى باتت الطبقة الوسطى، التي تمثل أبرز وأصدق مؤشر للقوة الاقتصادية في المجتمع الحديث، عاجزة عن امتلاك بيت أو شراء أرض.

إن الحديث عن هذه الانتهاكات انما هو سعي لإيجاد الحلول، أملا في التوصل إلى نهاية للأزمات التي باتت تحيط بأعناق الجميع. والتي لا تقتصر على فئة أو طائفة أو قرية، انما هي مشكلات وهموم عامة وملحة، تمتد من قلالي إلى المالكية، ومن البديع إلى دمستان وسترة والنبيه صالح. هذه هي الحقيقة الفاقعة مهما حاول البعض التقليل من شأنها والتعتيم عليها، ظنا بأن طريقة النعامة هي أفضل الحلول!

شمس التبريزي كان من أئمة الصوفية، كان يعرف في تاريخ الشرق بـ "سلطان العاشقين"، لكن ذلك المراهق الغربي القادم من المجتمع الموبوء بالجنس، لم يتحمل عقله الضيق وجود تجارب انسانية أخرى في هذا العالم أرقى من شهوات الجسد، فاتهمه بالشذوذ! ونحن واثقون ان هذا الأحمق لم يقرأ قط بيت المولوي الجميل الذي قاله في وصف أمثال هؤلاء الضائعين:

"لا يستطيع غر أن يدرك حال من أنضجتهم التجارب

أيها الولد الغر... إلام تظل أسير الذهب والفضة.. حطم قيودك وتحرر".

فمتى يتحرر أصحاب المصالح الضيقة، والصحف الداجنة، وأصحاب الجدران العازلة على امتداد سواحل البحرين؟

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 1006 - الثلثاء 07 يونيو 2005م الموافق 29 ربيع الثاني 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً