العدد 2908 - الأحد 22 أغسطس 2010م الموافق 12 رمضان 1431هـ

الولايات المتحدة الأميركية والعراق... قراءة في «المأسَاتَيْن»

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

لاحِظوا هذه المعادلة الصّعبة. إن بَقِيَ الجيش الأميركي في العراق أصبح البلدُ محتلاً من دولة أخرى يُجَاز فيه وعليه ما يجوز أن تُعْمِلُه الدولة المُحتَلَّة بمن تحتلها من أرض. وإن انسحب الجيش الأميركي أصبح البلد مُحتلاً أيضاً ولكن من الفوضى الأمنية وسوء الإدارة السياسية والاقتصادية، وطريقة إدارة الموزاييك الطائفي الهَش. وهنا تُصبح المأساة مأساتَيْن.

الأولى أن يُفاضِل الناس بين شرَّيْن لا يقلّ أحدهما عن الآخر في السّوء، والثانية أن يتحوّل أحد هذين الشَّرَّيْن إلى قيمة تُزايِد على غيرها في عنصر التوازن وحفظ الاستقرار في البلد. وهما مأساتان بدأتا تُؤسّسان لجدل محتدم بين المنتصرين للمشروع الأميركي في العراق وبين معارضيه. لكن الحقيقة هي ليست في ذلك «الانحشار» البائس «والجَبْر الصارم» في الاختيار. فالأصل هو أن الثاني «سِفَاحٌ» طبيعي للأول. وهذا الأخير ما هو إلاّ نتيجة طبيعية لقرار الحرب الخاطئ.

وعليه، فإنه وحين يقول البعض إن انسحاب الجيش الأميركي من العراق سينتج عنه مخاطر كثيرة، فليس المعنى أن ذلك البقاء هو في سياقه الطبيعي الذي من خلاله يمكن التسليم للاحتلال، وإنما يعني أن الولايات المتحدة فَعَلَت فعلتها في العراق منذ أبريل/ نيسان من العام 2003 فتردّت أوضاعه وساءت أحواله، وبالتالي فهي مطالبة اليوم (وقبل انسحابها) بأن تُصحّح أوضاعاً كانت مُستقرّة وساهمت هي في تأزيمها، وبالتالي فإنها مُلزَمة ألا تخرج وتترك البلاد والعباد في مهبّ الريح.

إن لم تستطع واشنطن أن تبني نظاماً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً غير مأزوم، فعليها في أضعف التقديرات، أن تُرجع الأمور إلى سابق عهدها في الاستقرار؛ لأنها مسئولة طبقاً لاتفاقية لاهاي للعام 1907 بأن تقوم بتأمين الصحة العامة، وحظر أخذ الرهائن ومصادرة الممتلكات الخاصة من جانب المحتل، واحترام الممتلكات الثقافية وتوفير الضمانات القضائية للمتهمين وغيرها من الالتزامات التي قرّرتها العهود الدولية.

أقول هذا الحديث وأنا أتابع ومنذ أيام بداية انسحاب قطاعات من الجيش الأميركي من العراق تمهيداً لانسحاب عسكري شبه شامل مع نهاية العام 2011. وحَسَب الخطّة الموضوعة فإن وزارة الخارجية الأميركية (التي سيعمل في سفارتها بالعراق 2400 شخص) ستُجنّد سبعة آلاف متعهّد (من الشركات الأمنية الخاصة) لحماية المُجمّعات الأميركية العسكرية الخمسة في العراق وتدريب الشرطة العراقية، يسبقه خطّة مدنية مُوسّعة لملء الفراغ الذي سيُخلّفه الانسحاب، من حيث التمويل وتسليم المهام.

وبسبب عدم حسم المادة رقم 140 من الدستور والمتعلّقة بمنطقة كركوك في الشمال العراقي وتطبيع الأوضاع فيها ديمغرافياً (عرب/ أكراد) فإن واشنطن ستُنشئ في الشمال قاعدتين عسكريتين بقيمة مئة مليون دولار للتدخل السريع لفضّ أي إشكال عسكري قد يقع بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة الكردية. وهو احتمال وارد بقوّة بعد الانسحاب الأميركي.

صحيح أن قواعد الاشتباك بين الطرفين هادئة، إلاّ أن هدوءها مردّه إلى ظروف تقاسم السلطة بين الأحزاب الحاكِمة والتي جمعتها المعارضة لنظام صدام حسين في السابق، ولم تجمعها اليوم المصالح ولا حتى الهويات.

فجزء كبير من قوات البيشمركة منتسبة إلى الجيش العراقي. ولأن هذا الجيش متعدد الولاءات، ولا يخضع للسيطرة المدنية الحقيقية فإن احتمالية انفراط عقد ذلك الاندماج واردة. فظروف اليوم لم تدفع الأكراد إلى اختبار حقيقي يمسّ هويتهم القومية، بسبب مراوحة مسألة كركوك في مكانها، مع تسيّدهم (أي الأكراد) على رئاسة هيئة الأركان العامة للجيش العراقي، إضافة إلى لفيف واسع من قيادات الجيش والأمن.

اليوم يتمّ الحديث عن تسليم 1200 مهمّة عسكرية من الجيش الأميركي إلى قوات عراقية. لكن الجميع يعلم بأن هذه المهمّات لا تساوي أكثر من 44 مهمّة لفرقة فيهر ماخت في بداية الحرب العالمية الثانية. بمعنى أن المهام توسّعت لأكثر من 27 ضعفاً، وهو ما يُؤكّد أن إحالة المهمّات ليس هو الضرورة، بقدر ما يعتمد على قيم الاتصال البيني (Inter Face) للقوات العراقية، والأهم القدرة السياسية والمدنية للدولة في لجم الولاءات الفرعية لهذه القوات.

إذا أراد الأميركي أن ينسحب فعليه أن يقسِّم (قليلاً) ما بين نظراته النَّهِمة على حقول النفط وبين إعادة النظام العسكري للجيش العراقي بالطريقة التي تمنحه القدرة على ضبط الفلتان الأمني. وحين نسمع أن السيطرات الثلاث التي كانت تحيط بمنزل نائب رئيس الوزراء العراقي رافع العيساوي قد تمّت مُرَاشاتها بالمال بغرض اغتيال الرجل، فهذا يعني أن الجيش العراقي سيتورّط في صراع القامات بين السياسيين عاجلاً أم آجلاً.

ولو كانت الولايات المتحدة مقتنعة حقاً بقوّة هذا الجيش في حماية الأفراد، لما باشرت في شراء أكثر من 60 مركبة مدرعة «مقاومة للألغام ومحصنة ضد الكمائن» وزيادة مخزونها من السيارات المصفحة إلى 1320 وإنشاء أسطول جوي صغير يتكوّن من 29 طائرة، وبناء مكتبيْن لها في كركوك والموصل وإقامة قنصليتين في البصرة وأربيل بقيمة مليار ونصف المليار دولار لتأمين حياة مواطنيها في العراق ومصالحها الحيوية. (راجع ما كتبه مايكل غوردن في نيويورك تايمز).

في كلّ الأحوال فإن الدولة العراقية التي بدأت حياتها مع بداية القرن العشرين قد تمّ التآمر عليها وإسقاطها. وإلى اليوم لم تفلح المحاولات المتكررة لإنهاضها. وإذا كانت السنوات العجاف السبع لم تستطع أن تُغيّر حتى قانوناً مدنياً هنا أو هناك فماذا عساها أن تفعل بمؤسسات سياسية وعسكرية منهارة؟!

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 2908 - الأحد 22 أغسطس 2010م الموافق 12 رمضان 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 1:23 ص

      الخلاصة

      ((وإنما يعني أن الولايات المتحدة فَعَلَت فعلتها في العراق منذ أبريل/ نيسان من العام 2003 فتردّت أوضاعه وساءت أحواله، وبالتالي فهي مطالبة اليوم (وقبل انسحابها) بأن تُصحّح أوضاعاً كانت مُستقرّة وساهمت هي في تأزيمها))
      هذا خلاصة الامر
      تحية خالصة لك

    • زائر 1 | 1:21 ص

      لا تحكم على الامور

      شكرا للكاتب على مقاله ولي تعليق عليه
      اعتقد بان بقاء قوات التحالف في العراق امر ضروري للغاية . انظر الى اليابان والمانيا بعد الحرب العالمية الثانية عندما بقت قوات الحلفاء كيف اصبحت بلدانهم راقية ومتطورة
      ارجو ان تحكموا على الامور بهده السرعة

اقرأ ايضاً