العدد 2925 - الأربعاء 08 سبتمبر 2010م الموافق 29 رمضان 1431هـ

النِّفيسي وتوابعه

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

عندما تبحث فإنك تكتشف. في كلّ العلوم يُصبح الكَشْف نتيجة طبيعية للبحث. الأهم هو أنه وعندما تكتشف فإن واقعك الجديد يَجُبُّ ما سَلَفَ من أفكار وانطباعات. لكنّ كِلا الكَشْفَين (السابق واللاحق) يظلاّن جُهداً واجتهاداً بشرياً محضاً. لذا فإن بلوغهما ونيلهما يظل أمراً نسبياً وغير نهائي، بل ويظلّ ينتظر ما ينسخه من كشف إن كان عاجلاً أم آجلاً.

في الغالِب، فإن البحث مرتبط بالحدث. فحين تجري الأحداث وتعتَمِل فإن سَبْرَها يكون عبر البحث في شئونها. هذه قاعدة. المشكلة تكمن في بداية الطريق. فالمُنطلقات عادة ما تحكم صحّة النتائج أو الجنوح نحو الزَّلل. ما يحكم ذلك أمور كثيرة وخصوصاً في المجتمعات المتورّطة في الطوائف وطريقة اتّصالها بتاريخها ومُكوّنها الثقافي.

إنني أؤمن بأن الأحداث الكبيرة عادة ما تترك أثراً على دالَّة التفكير والبحث لدينا. فهي تدفع باتجاهات نفسية حادة يميناً وشمالاً، وتخلط الأوراق ما بين الأعلى والأسفل مرة بعد مرّة. لذا فإن هزَّة في التفكير عادة ما تحدث إبَّان ذلك. عديد من الأفراد تبدّلت أفكارهم ومعتقداتهم. الفرق هو في منسوب ذلك التبدّل. فأحياناً يصبح راديكالياً، وأحياناً أخرى يبقى ناعِماً.

بعضهم نشأ مُلحِداً وانتهى به الأمر إلى الإيمان (مصطفى محمود مثالاً). وبعضهم نشأ شيوعياً ثم بعثياً ثم إسلامياً (عادل عبدالمهدي مثالاً). وبعضهم نشأ شيوعياً ثم تعمّد قومياً ناصرياً (شفيق الحوت مثالاً). بالتأكيد فإن دواعي التبدّل متعددة. بعضها فطري كما هو الحال بالنسبة للأول، وبعضها شخصي كما هو الحال بالنسبة للثالث، لكنها تبقى ظروفاً مختلفة يحكمها أمر واحد هو الحدث.

أصِلُ الحديثَ بالعنوان. ففي تجربة عبدالله النفيسي مثالٌ حي، لكنه قابلٌ للجدل. تجربة النفيسي مع تغيير الأفكار والمواقف بدأت «عملياً» مع الاحتلال الأميركي للعراق. ولأن الحدث كبير، فإن تأثيراته كانت حادة على الرجل. وربما أفقده ذلك القدرة على التحكّم في أحاديثه ومواقفه. ليس ذلك تبريراً للرجل، وإنما هو توصيف لحالة بدأت تبرز لديه ولدى غيره.

فَحَدَثٌ دراماتيكي بحجم التغيير في العراق خَلَطَ الأوراق بالنسبة للنفيسي ولغيره. لننظر إلى ما جَرَى بغير رتوش. فبغداد التي كانت تُمْهَرُ على أنها عاصمة الرَّشيد، باتت مدينة أخرى بعد سيطرة الأحزاب الشيعية عليها، الأمر الذي أدّى إلى اصطفاف طائفي حاد، ألقَى بظلاله ليس على الداخل العراقي فقط، وإنما على عموم المنطقة التي انزلقت نحو ذلك المستنقع.

مَنْ كانوا على خطّ اليسار، انقسموا ما بين شيوعيين وشيوعيي الكادر. ومَنْ كانوا في خطّ القومية حَارُوا ما بين دَعْم إيراني لفصائل المقاومة الفلسطينية وآخر للحُكم الجديد في العراق، فانقسموا ما بين قوميّة «نقيّة» وأخرى «براغماتيّة للضرورة». حتى البعث الذي هَدَّ حكمة الاحتلال، انقسم ما بين بعث «دُوْرِي» وآخر «أحْمَدِي». هكذا فعل الاحتلال فِعلته بنا.

نقطة النظام هنا هي التالي: التغيير والتغيّر هو ديْدَنُ الحياة. وحين تتبدّل الأفكار والمواقف فهي طبقاً لمدار الحدث. إذ لا يُمكن أن تبقى الأفكار والمواقف هي ذاتها مع تبدّل الأحداث التي تبقى المُؤشّر على إبداء ردّات الفعل. نعم... يُختَلَف في ذلك على المقدار والثوابت. مقدار الانعطاف وعدم المسّ بالثوابت. أما دون ذلك فهو مُجَاز ومشروع؛ وضمن الحقوق الطبيعية.

شخصياً، أرى أن مثل هذه الانعطافات (حتى في حالة النفيسي) ربما تكون تنفيساً للفرد لا أكثر. فالصّدمة ربما تتجاوز قدرته على التّماسك فيلجأ إلى القول والفعل كيما اتّفق. ما يهمّ في أمرها هي ألا تجنح صوب التطرّف كخلاص وحيد لأزمتها، وألا تتحوّل إلى معول يهدم السقف على الجميع، وثالثاً ألا ترمي الثوابت وكأنها واحدٌ زائدٌ على الوزن.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 2925 - الأربعاء 08 سبتمبر 2010م الموافق 29 رمضان 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 5 | 9:27 ص

      زائر 4 اين دور العقل والفكر لو كالانعام ؟

      الله سبحانه وتعالى دائما وابدا يدعو بتفعيل الفكر والعقل ويخاطب البشر يا اولو الالباب فيجب على الانسان ان يبحث بعقله ولبه ويختار بعقله لا بعاطفة ولا دواعي انانية ومادية لان قلبك وعقلك وفكرك هو دليلك ، فأنت يا اخي اذا وجدت افظل من الله سبحانه وتعالى رب فاتبعه واذا وجدت افضل من الاسلام دين فأعتنقه واذا وجدت افضل من الرسول محمد (ص) واذا وجدت افضل من علي (ع ) امام فأتبعه ؟؟ هل يوجد في الكون ذلك ؟واذا وجدت فدلني على ذلك وانا اول المتبعين وشكرا جزيلا للجميع

    • زائر 4 | 5:12 ص

      ودور الفضائيات المشبوهة

      الا ترى يا اخي الكاتب ان دور الفضائيات وبهذا الجنون الطائفي المقصود منها وخاصة في منطقتنا التي ابتلت بفضائيات شيعية دينية واخرى سنية سلفية والنوعين من هذه الفضائيات تبين انها مشبوه الى درجة والا ما الفائدة ترجى منها ومالنا وعلي ومالنا ومعاوية اليس هذا من التاريخ المحزن فاذا انا من ولدت وانا شيعي فما دنبي وهذا اخي في الاسلام وقد ولد في عائلة سنية محافظة فما دنبه ايضا اليس هذه مهزلة وقد اسميها مهزلة التاريخ ورغم ارتباطها بحدث معين فهي لها الدور الكبير في تشويه الافكار والانقسام الحاصل اليوم

    • زائر 3 | 4:09 ص

      بعض مثقفينا كالحرباء

      يتلونون مع كل ظرف وكل يوم على شكل

    • زائر 2 | 3:30 ص

      سؤال واقعي

      سؤال واقعي : هل النفيسي على حق ام خطأ ؟؟

    • زائر 1 | 2:33 ص

      ماده ام الضمير

      لماذا تناسيت مصالح الشخصيه و خصوصاً الماديه مثال على ذلك نفسكم الكريم و التغيير 180 درجه فى اتجاهاتكم !!!

اقرأ ايضاً