العدد 1036 - الخميس 07 يوليو 2005م الموافق 30 جمادى الأولى 1426هـ

مرحلة التأسيس

تاريخ الفكر الاقتصادي في الإسلام "1"

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

يدور السجال، في أيامنا، على طبيعة النظام الاقتصادي في الاسلام، ويتركز النقاش على السؤال: هل في الإسلام نظرية اقتصادية؟ الإجابة معقدة لأسباب عدة منها: أولا، لم تولد النظرية الاقتصادية دفعة واحدة.

ثانيا، اختلفت النظم الاقتصادية باختلاف الظروف والحاجات.

ثالثا، استندت معظم الاجتهادات في الحقل الاقتصادي على الكتاب والسنة فاتفق العلماء والفقهاء على المسائل عند وجود نص قطعي، واختلفوا في حال عدم وجود نص، فتعددت الآراء وتم ترجيح مسألة على أخرى من طريق القياس.

انطلقت النظرية الاقتصادية في دول الإسلام إذا من الكتاب والسنة وقامت على السياسة التجريبية وتطورت زمنيا وتأقلمت بحسب الحاجات والظروف البيئية الزمنية.

ومع الأيام تشكلت تصورات فقهية عامة تبلورت لاحقا في معالم واضحة الحدود "كتب الأموال والخراج والزكاة والبيوع" استندت في مجملها إلى التجربة وسير الخلفاء، وخصوصا في العهد الراشدي، وتطبيقاته الشرعية للنظم الاقتصادية.

أدت الاختلافات إلى نشوء اجتهادات وآراء تلبي حاجات الدولة في فترة زمنية معينة كان يعاد النظر فيها في حالات غير متشابهة مع الحقبات الأولى. وهكذا تدرج النظام الاقتصادي الإسلامي تاريخيا من حقبة إلى أخرى حتى اكتملت معالمه في اطار عام يمكن الاتفاق على تسميته بالنظرية العامة للاقتصاد الإسلامي.

وتقوم تلك النظرية على فكرة بسيطة، لاتزال حتى أيامنا هي أساس مختلف المدارس الاقتصادية المعاصرة، وهي مالية الدولة، أو مصادر ثروة الدولة، وكيف يتم تجميعها وإعادة توزيعها؟

ومن مالية الدولة "موازنتها" يمكن قراءة تطور النظرية الاقتصادية الإسلامية بالتركيز على أبرز محطاتها الزمنية، لأن مجموع تلك المحطات يعطي فكرة تاريخية عن المعالم العامة لتلك النظرية.

اختلفت مصادر دخل الدولة الإسلامية وقسمتها باختلاف الحاجات والظروف ومرت بحقبات يمكن رصد أربع محطات رئيسية منها، وهي: حقبة الدعوة ودولة المدينة "1 - 10 هـ/ 622 - 631م" في عهد الرسول "ص". حقبة الدولة الراشدة "11 - 14 هـ/ 632 - 635م" وخصوصا في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب "رض". وحقبة الدولة الأموية "خصوصا الفترة الأولى من تأسيسها وتمتد من 40 - 101 هـ/ 660 - 719م" وتنقسم إلى مرحلتين: عبدالملك بن مروان "توفي 86 هـ/ 705م"، وعمر بن عبدالعزيز "توفي 101 هـ/ 719م".

اختصارا يمكن ترتيب الحقبات إلى ثلاثة عصور:

في الأولى كان الإسلام مازال في داخل الجزيرة العربية فاقتصرت مالية الدولة على الغنيمة وقسمتها، اضافة إلى اتفاقات على العشر للأراضي العربية، أو مناصفة على الخراج، أو فيئا للمسلمين "خيبر"، أو خالصة للرسول "قرية فدك"، أو مصالحة على الجزية "أهل نجران".

في العصر الثاني بدأ الإسلام بالانتشار خارج الجزيرة إلى بلاد الشام في عهد الخليفة الراشد الأول "أبوبكر الصديق" فأجرى بعض التعديلات على قسمة الغنيمة، خصوصا خمس الرسول "ص" وخراج فدك. واتسعت الفتوحات في عهد الخليفة الراشد الثاني "عمر بن الخطاب" فامتد الإسلام إلى أرض الشام كلها والجزيرة "أعالي الفرات ودجلة" وكانت موزعة بين الفرس والروم، والعراق كله ومصر وبعض فارس. فأجرى تعديلات تنظيمية كبرى على الفيء "الخراج" والأعطيات والصوافي والقطائع واجراءات الجوالي "جاليات". واتبع الخليفة الراشد الثالث "عثمان بن عفان" نهج سلفه حين اتسعت الفتوحات وامتد الإسلام إلى شمال إفريقيا غربا واذربيجان والسند شرقا. كذلك فعل الخليفة الراشد الرابع "علي بن أبي طالب" فلم يعدل من نهج سلفه إلا قليلا في فترة توقفت فيها الفتوحات وبدأت الفتنة بين المسلمين.

وفي العصر الثالث انتقلت الدولة في العهد الأموي من النظام الاقتصادي البسيط إلى النظام المركب بسبب اتساع وظائف الدولة وتنوع مهماتها فأدخل الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان ضرائب جديدة منها ضريبة الدخل وأخضع الخراج إلى ضريبة تصاعدية بحسب الغلال وبعد المسافة. فالأقرب جغرافيا يدفع ضريبة أعلى من الأبعد. ثم جاء الخليفة الزاهد عمر بن عبدالعزيز فحاول قدر الإمكان إعادة تنظيم مصادر دخل الدولة وتعديل قسمة الثروة وتوزيعها لرد المظالم بين الناس.

ومن مجموع المحطات الأربع يمكن تركيز عناصر السياسة الاقتصادية الإسلامية في بابين: دخل الدولة أولا وانفاق الثروة ثانيا. وهي عموما تستند إلى الغنائم وقسمتها قبل الفتوحات، ثم الخراج وقسمته بعد الفتوحات.

كانت قسمة الغنائم، إذا أصيبت من العدو، في عصر الدعوة توزع كالآتي: الخمس لله والرسول وأربعة أخماس توزع بين الجند الذين أصابوا ذلك. وكان الخمس في عهد الدعوة يقسم على خمسة اسهم: لله والرسول سهم، ولذي القربى "بني هاشم وبني عبدالمطلب" سهم، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة اسهم. وهناك من يقسم الخمس الأول على أربعة اسهم. فربع لله ورسوله ولذي القربى، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل. فسهم الرسول "ص" ربع الخمس. وتوزع الاخماس الاربعة لمن قاتل على الغنيمة.

وكان يضرب للجند: سهمان للفارس "سهم له وسهم لفرسه" وللراجل سهم. وفرض الرسول "ص" على الأراضي العربية التي افتتحت في عهده العشر ولم يفرض عليها الخراج. كذلك لم يفرض الجزية على عرب الجزيرة لأن حكمهم القتل أو الاسلام بينما اختلف الحكم على العجم والأعاجم فلهم الاختيار بين الاسلام وغيره بشرط دفع الجزية إذا اختاروا غير الإسلام.

بعد رحيل الرسول "ص" اختلف الناس في سهمي النبي وذي القربى في مطلع عهد الخليفة الأول. فقال قوم سهم الرسول يكون للخليفة من بعده، وآخرون سهم ذي القربى لقرابة الرسول، وقالت طائفة سهم ذي القربى لقرابة الخليفة من بعده. ثم أجمعوا على جعل السهمين في الكراع والسلاح. وهكذا تغيرت قسمة الغنائم، واختلف حكم الخمس وحكم الصدقة في عهد الخلفاء الراشدين "أبوبكر، عمر، عثمان وعلي" إذا قسموا الخمس ثلاثة أسهم بإسقاط سهم الرسول وسهم ذي القربى وقسم على الثلاثة الباقين "اليتامى، والمساكين، وابن السبيل". ولما كثر المال جعل أيضا في اليتامى والمساكين وابن السبيل.

لم يعدل الخلفاء من أنظمة الرسول وأحكامه سوى مسألة السهمين وإلغاء المناصفة مع أهل خيبر وفيء فدك وإجلاء أهل نجران من اليمن إلى العراق. وتركوا الأمور كما هي في أرض الجزيرة "أرض العرب" فاستثنيت من النظام الضرائبي التصاعدي أراضي الحجاز ومكة والمدينة والطائف واليمن والبحرين لأنها افتتحت في زمنه فلا يزاد عليها ولا ينقص منها. فهو مثلا وضع على كل ما افتتح من الأرض العربية العشر ولم يجعل على شيء منها خراجا، فاستمر الأمر كما هو في العهد الراشدي الذي شهد أهم التعديلات التنظيمية واستحدثت فيه ابرز القوانين الاقتصادية التي تشكل الأساس التاريخي للنظرية الإسلامية في بناء "اقتصاد الدولة" كما يسمى في أيامنا

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1036 - الخميس 07 يوليو 2005م الموافق 30 جمادى الأولى 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً