العدد 1159 - الإثنين 07 نوفمبر 2005م الموافق 05 شوال 1426هـ

أميركتان... شمالية وجنوبية

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

انتهت "قمة الأميركتين" التي عقدت في الأرجنتين على وقع الاضرابات والتظاهرات إلى الفشل. فبعد مفاوضات عقدها زعماء دول القارتين دامت قرابة يومين لم يحالف القمة الحظ بسبب الخلافات في وجهات النظر وعدم توافق القادة على تفسير مشترك لمسألة إقامة منطقة للتبادل التجاري الحر. تمسك كل فريق بوجهة نظره انقسم جغرافيا. فدول الشمال وهي كندا والولايات المتحدة "اضافة إلى المكسيك" وجدت في الاتفاق فرصة لدول الجنوب "القارة اللاتينية" لدخول عالم "الحداثة" و"التنمية" و"الديمقراطية" و"اقتصاد السوق" ورأت أيضا ان التوقيع على دفتر الشروط يوفر مجالات واسعة لفقراء العالم اللاتيني للعمل والاستفادة من تطور الإنتاج وازدهار الحياة الاجتماعية واستقرارها الوظيفي والصحي. دول الجنوب تخوفت من هذه المحبة وتوجست من خفايا هذا الاعجاب الذي لم تعهده أميركا اللاتينية في تاربخها المعاصر. وبسبب المخاوف والتجارب المرة تردد زعماء البلدان اللاتينية من التورط في توقيع اتفاقات قد تجلب في المستقبل كوارث اجتماعية للطبقات الوسطى والفقيرة. وربما تهدد أيضا الثروات الوطنية "الطبيعية" والخامات وتستنزف الرساميل وتعرض المؤسسات الأهلية "المحلية" إلى الإقفال بسبب عدم قدرتها على المنافسة. الاختلاف على وجهات النظر لم يقتصر على الجغرافيا "شمال/ جنوب" وانما اشتمل على مجموعة زوايا سياسية تتصل بالتاريخ السلبي بين الطرفين ودور واشنطن في تمويل الانقلابات وزعزعة استقرار المنطقة وتشجيع الرساميل المحلية على الهرب إلى الولايات المتحدة من خلال تقديم اغراءات وضمانات للاستثمار في مناطق بعيدة عن الاضطرابات وحوادث القتل والتعذيب والاغتيالات. الشكوك إذا لها أسبابها المختلفة وكلها تتصل بالسوابق الأميركية وعدم ثقة الشعوب اللاتينية بمشاعر المحبة التي أخذت تبديها واشنطن في الفترات الأخيرة. فالتودد وإبداء الشفقة والإطراء كلها عواطف مردودة نظرا لتجارب مرة سابقة كشفت عن نفاق سياسي زاد من ثروات أميركا الشمالية ووسع رقعة الفقر والتخلف في أميركا الجنوبية. برأي أهل الجنوب ان الشمال "اليانكي" لم يتغير في الجوهر وان حاول ان يبدل جلده "لونه" في الشكل. فالمنطق الذي استحكم بتلك المعادلات السابقة وسبب الكوارث والمشكلات لاقتصادات أميركا اللاتينية لم يتغير في جوهره. كذلك محاولة اقناع المظلوم بأن الاخطاء التي ارتكبت سابقا تتحملها أنظمة أميركا اللاتينية وليست تلك السياسة التي دعمت تلك الأنظمة وشجعتها على التجاوزات وارتكاب حماقات ضد حقوق الإنسان... باتت أيضا مكشوفة. وبسبب التخوف من هذا "الاحتيال الجديد" رفض زعماء العالم اللاتيني السير مجددا في الأوهام والانخداع بتلك الشعارات التي تريد واشنطن إقناع فقراء القارة أنها تنشط من أجل تحسين مستواهم المعيشي. فالشعوب اللاتينية لم تجد في تلك التوجهات البراقة أي سبب مقنع يعطيها ذريعة لتغيير رؤيتها أو تبديل وجهة نظر تعززت تاريخيا بالتجارب الإنسانية المرة والكوارث الاقتصادية والإفلاسات المالية وانتقال الرساميل من بلدانها في الجنوب للاستثمار في الشمال. كل هذه العوامل اجتمعت دفعة واحدة ونجحت للمرة الأولى في توحيد وجهات النظر الرسمية "مخاوف الحكومات والدول" مع الناس والهيئات الشعبية والحزبية لرفض تلك الاغراءات التي ذاق الناس سمومها في مرات سابقة. انتهت "قمة الأميركتين" إلى الفشل. وهذه المسألة ليست بسيطة في الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة. فعدم الاتفاق أو الفشل في التوصل إلى تفاهم يعني ان واشنطن لم تعد تلك الدولة / النموذج وبالتالي فهي ليست قدوة في "الاخلاق" و"احترام حقوق الإنسان"... وهذا يفسح المجال لنهوض بدائل تؤسس لأنماط مختلفة من العلاقات تعيد إنتاج نماذج مغايرة لنظام العولمة "الهيمنة" الأميركية. هذا ليس مهما لواشنطن إذا حدث الأمر في مناطق بعيدة إلا أنه حين يقع في دول كانت تعتبر مجرد حوض "حديقة خلفية" للولايات المتحدة... فإن للأمر انعكاسات واحتمالات كثيرة

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1159 - الإثنين 07 نوفمبر 2005م الموافق 05 شوال 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً