العدد 1188 - الثلثاء 06 ديسمبر 2005م الموافق 05 ذي القعدة 1426هـ

الفراشات والأقدام

سيد ضياء الموسوي comments [at] alwasatnews.com

كيف نفرح لفراشة نسحقها بالأقدام؟ كيف نبسم لغزالة طعنتها سكاكين القبيلة؟ كيف نرضى لاطلاق رصاص على حمائم حب وسلام؟ كيف نمزق بأيدينا أدمغة ذهبية لانها لونت السماء بألوان الصدق؟ لماذا تضيع ريشة فنان موهوب في مجتمعنا، كي يرسم لوحته الحبلى بالحب والاعصار والغضب لابد ان يتقاسم هو واللوحة والأطفال الصغار سعر اللوحة والرغيف؟ هذا مجتمع لا يقدر العظماء ويهزأ بالفن وكل شيء جميل. أسائل نفسي لماذا يتكدس الآلاف للتأبين في مقبرة الموت لكننا لانرى احدا يعبأ بالاحياء الكبارفي حدائق الحياة؟ وكم من مبدع رأيناه وحيدا ينظرالى لوحاته في معرض بلا جمهور؟ ومن منا أقام مأتم عزاء للعقاد؟ نحن أمة تكره الابداع وتتفنن في قطع أصابع المبدعين. وعباقرتنا في الفن والشعر والموسيقى والأدب والفكر هم أكثر الناس فقراً. بين مبدع لايعرف لون الفرح يشاهد تكدس لوحاته في منزل يتساقط عليها المطر وبين عازف يسمع نفسه نوتة جنائزية مختبئا يخاف من وحوش القبيلة تقتله بتهمة الزنى بالفن. ويصبح الأغبياء أعداء النجاح وأعداء الابداع يتحينون الفرص لقتل المواهب تماما كالجنود المرتزقة يطلقون الرصاص من دون ان تكون لهم قضية معينة سوى هواية القتل. ولن تحل الازمة. يقول نزار قباني عميد الشعر العربي. هذا الشاعر العملاق الذي جعل من الشعر خبزا شعبيا ولباسا شعبيا يأكله ويلبسه الجميع في نرجسية جميلة ­ واجمل ما في نزار نرجسيته ­ كلما اتسعت قاعدتي الشعرية زاد خصومي وكلما زاد نقادي شراسة زاد التفاف الجماهير حولى. حاول الناقد جهاد فاضل ان يشنق نزار في حياته ومماته فزاده انتشارا. ويقول نزار: انا كأستاذي المتنبي: انام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم. الذين يحبونني اشكرهم مرة والذين يكرهونني اشكرهم خمسين مرة. والسبب أن الذين أشبعوني ضرباً ولكماً وعضاً إنما فعلوا ذلك، لانني كسرت شيئا ما في ضمائرهم واضرمت النار في ثيابهم وأفكارهم وعاداتهم المكتسبة، ولانني اضأت شمعة في ليل جاهليتهم وحين فاجأهم النور خافوا لان نور الحقيقة فضاح. انا لا استطيع ان احبس نفسي في أنبوبة معقمة من الجراثيم في بيئة ملوثة. ان أهميتي تكمن في قدرتي على زراعة شجرة ورد في غابة من المتفجرات. والمبدع المسئول رجل حكمت عليه الاقدار ان يبقى مبحرا ملايين السنين، من دون ان يكون له الحق في ان يشيخ أو يتعب او يموت او يستقر في مرفأ من المرافئ. هذا هو نزار. اليوم خرج علينا باحث سعودي تهجم على 250 شخصية أدبية في رسالة دكتوراه نال فيها درجة الامتياز مع مرتبة الشرف إذ قام بتكفير هؤلاء الادباء والمبدعين. دعوني أناغي بعضهم بلحن الحب والاكبار وأقول: ان هؤلاء الانكشاريين لن يطفئوا الشمس ولن يكسروا القمر والتكفير لن يزيدنا الا ثباتا لترسيخ الابداع. لماذا يكفر صلاح عبدالصبور يا أمة التخلف والجهل؟ اننسى قصائده (الشهيد، الحرية والموت، اغلى من العيون)؟ ان نقبل قطع رأس مظفر النواب وهو القائل: ما لبعض الناس يرميني بسكري في هواك وهو سكران عمارات يسميها رضاك وقصيدة وتريات ليلية وعروس السفائن؟وننسى عبدالرحمن منيف في روائعه (مدن الملح) او حسن حنفي في (من العقيدة الى الثورة) اوالشرقاوي في مسرحيته (الحسين ثائرا شهيدا). هذا الباحث كفر هؤلاء وغيرهم مثل عبدالله الغذامي هذا المبدع الجميل الذي الف (ثقافة الوهم وثقافة الاسئلة) وغيرهما من المؤلفات الابداعية وايضا رجاء النقاش ويوسف ادريس والسياب والبياتي والطيب صالح ورياض الريس وغادة السمان والفيتوري وشرابي وادونيس والريحاني الخ. الم اقل لكم أننا أمة تفنن في قتل مبدعيها؟الانكشاريون لن يوقفوا الارض وسيبقى النهر يجري والبحر يموج والزهرة تتضوع اريجا والسياف لن يقطع بفأسه زهور الامل مادام في الغابة عصفور جميل. وعصفور واحد يغرد في الصباح ولو كان غريبا كفيل بعودة الربيع. نزار، منيف، الريحاني والآخرون وحدكم الباقون والأمل.

إقرأ أيضا لـ "سيد ضياء الموسوي"

العدد 1188 - الثلثاء 06 ديسمبر 2005م الموافق 05 ذي القعدة 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً