العدد 1205 - الجمعة 23 ديسمبر 2005م الموافق 22 ذي القعدة 1426هـ

طهران «الفلسطينية»... واستراتيجية «الردع الشامل»

محمد صادق الحسيني comments [at] alwasatnews.com

ثمة تحولات متسارعة تحيط بالإقليم الذي نعيش فيه. إيران تبدو أنها تهدف فيما تهدف إليه إلى تشديد الخناق على السلوك الإيراني بعدما بدا في الآونة الأخيرة وكأنه بات «يغرد خارج السرب» العالمي تماماً. ولأن الرئيس أحمدي نجاد والقيادة العليا من ورائه قرأت ذلك مبكراً ولديها القناعة بأن عالماً متغيراً ومضطرباً يسوده التقلب يجعلها قادرة على «انتزاع» تنازلات مهمة من المجتمع الدولي لصالح ملفها القومي الأهم ألا وهو الملف النووي، فقد أخذت على عاتقها الرمي بكرة النار الملتهبة المحيطة بالإقليم وبها في وجه خصمها المركزي، ألا وهو الكيان الإسرائيلي الذي لا تعترف به من الأساس، وتعتبره كياناً يفتقر إلى المشروعية القانونية، فضلاً عن المقبولية الجماهيرية في الإقليم الذي تعيش. أحمدي نجاد الذي يغرف من «اناء» الثورة أكثر مما يغرف مما يعرف بإناء الدولة الإيرانية، يسعى جاهداً في هذه الأيام ليوصل رسائل حازمة وقوية وصارمة إلى خصم الثورة الإيرانية اللدود والمركزي ألا وهو الدولة العبرية. وفي هذا الإطار تأتي خطوة «الجبهة الاستراتيجية» الجديدة التي أعلن عنها خالد مشعل من طهران أثناء زيارته لها حديثاً ليعلن منها «أن حماس سترد على أي عدوان تتعرض له إيران مادامت الأخيرة تدافع عن الخطوط الفلسطينية وتحميها...». وتحت سقف هذه الجبهة أيضاً يمكن متابعة مهمة المبعوث الإيراني الرفيع المستوى إلى كل من دمشق وبيروت، حاملاً معه رسالة واضحة وشفافة إلى الأسد وإلى حلفاء طهران في بيروت «بأن الدفاع عن أسوار العاصمتين انما هو دفاع عن أسوار طهران والأمن القومي الإيراني في الواقع...». ثمة من يرى في دبلوماسية أحمدي نجاد الجديدة أنها عودة إلى «المربع الأول» للثورة الإيرانية وكأن كل ذلك العالم المتغير خلال العقدين الماضيين لا يراه صانع القرار الإيراني أو لا يريد أن يراه، المتابعون لحركة التحولات الإيرانية الداخلية منذ صعود هذا «الشاب الثوري المتحمس» إلى سدة الرئاسة، إذ يؤكدون أنه لا تحول أساسياً حصل أو في طريقه للحصول في السياسات الإيرانية المهمة إلا أنهم يؤكدون في الوقت نفسه أن «هذا النوع الجديد من الأداء»مطلوب بوعي وإلحاح من القيادة الإيرانية العليا لأنها تستشعر منذ مدة أن شيئاً ما يتم التحضير له بخصوص الملف القومي الإيراني الأساس، وبالتالي لابد من استنفار كل الوسائل والآليات و«الوجوه» القادرة على التصدي لأي نوع من المواجهات المحتملة، فضلاً عن مناكفتها وحشرها في الزاوية والضرب على الوتر الحساس من «جبهة الخصم المترامية» لإرباك مشروعها الصدامي المحتمل ضد طهران. المعلومات المتوافرة التي تتسرب عن فريق التفاوض النووي الإيراني الجديد تجمع على أن بنداً واحداً في أجندة هذا الفريق مسموح له التفاوض بشأنه وهو الجدول الزمني المناسب واللائق لبدء التخصيب والانطلاق مجدداً في الدورة النووية المخطط لها بعد توقف طويل طال أمده ولا يقبل التمديد في أية مفاوضات مستقبلية. ولما كانت طهران تعتقد بأن الحليف الرئيسي لخصمها المركزي، أي الولايات المتحدة الأميركية بات «رهينة» في أكثر من موقع إقليمي بيدها أو بيد حلفائها، فإنها ترى أن اللحظة التاريخية باتت مناسبة تماماً لاشهار استراتيجية «الردع الشامل» من أجل ترسيخ إنجازاتها القومية وإنجازات حلفائها في المواقع الممتدة في الإقليم مهما كانت «جزئية» أو تبدو «متضاربة» أحياناً. لقد أثبتت الأيام أن كل الرهانات الأميركية باتجاه دفع إيران للتخلى عن برنامجها النووي تحت ضغط الابتزاز الإسرائيلي أو التهديد الأميركي بنقل ملفها إلى مجلس الأمن الدولي لم تؤت أُكلها، والسبب في ذلك كما يعتقد الإيرانيون هو صلابة الموقف الإيراني واستراتيجية الردع الشامل المتبعة من قبل طهران في مواجهة الضغوط قبل أن تكون بسبب شفافية برنامجها والتزامها بمعايير النشاط النووي المسموح والملتزمة به علناً. المصادر الوثيقة الصلة بمطبخ صناعة القرار الإيراني في طهران من خلال متابعاتها اليومية للسلوك الإيراني العام تجاه حركة الخارج المحيط بها وبالإقليم، تؤكد بما لا يقبل الشك والتردد أن طهران ليست بصدد تقديم أية تنازلات تذكر في مجال ملفها القومي الرئيسي، كما أنها ليست بصدد التخلي عن أي من حلفائها الأساسيين والاستراتيجيين في المنطقة، بمن فيهم سورية ونظامها الراهن. لا، بل إن العارفين ببعض بواطن الأمور يعتقدون بأن طهران في طريقها إلى التشدد في الدفاع عن حلفائها كافة في العراق وسورية ولبنان وأفغانستان، معتبرة أن الدفاع عن أصدقائها وحلفائها جزء لا يتجزأ من استراتيجية «الردع الشامل» التي باتت مطلوبة بإلحاح، ليس فقط من أجل تثبيت الإنجازات المكتسبة الإيرانية والحليفة كما تم ذكره، بل ومن أجل إيقاع المزيد من الخسائر والإرباك في جبهة الخصم. وفي هذا السياق تستعد طهران في الأشهر القليلة المقبلة لاطلاق مبادرة عمل جديدة بشأن الملف الأكثر أهمية وخطورة في المنطقة، وهو الملف الفلسطيني، إذ تجري جهات إيرانية معنية بهذا الخصوص مشاورات مكثفة مع أصدقائها وحلفائها لبلورة مثل هذه المبادرة. وكلام خالد مشعل لم يكن سوى خطوة على الطريق... خطوة يضعها المراقبون والمحللون السياسيون «سلة» خطوات محتملة ومرتقبة قد يتم إطلاقها في أكثر من عاصمة إقليمية لإعاقة مشروع الشرق الأوسط الكبير المعطوف على رعاية إسرائيلية. ثمة من يتوقع في هذا السياق تسارعاً في سياسة استراتيجية الخروج الأميركي من العراق عقب تبلور المجلس الوطني الجديد والحكومة التي ستنبثق عنه، والذي قد ينبئ بتطورات دراماتيكية تجعل الأميركي الغارق في المستنفع العراقي غير قادر على ملاحقة فصول السيناريو الذي أعده لسورية، فضلاً عن بدء الخط العكسي لخروجه من دائرة النفوذ اللبناني

إقرأ أيضا لـ "محمد صادق الحسيني"

العدد 1205 - الجمعة 23 ديسمبر 2005م الموافق 22 ذي القعدة 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً