العدد 2995 - الأربعاء 17 نوفمبر 2010م الموافق 11 ذي الحجة 1431هـ

التقنية الخضراء... الصديقة الحميمة للبيئة

أحمد العنيسي comments [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

بعد الاطلاع على تقارير متخصصة عن أخطار المواد الكيميائية السامة، وملوثات البيئة بشتى أنواعها حول العالم، تحركت العقول واستعدت إلى ما هو أسوأ وقامت بالتخطيط إلى ما هو أفضل، لتجنيب جميع الكائنات الأخطار المحدقة بهم، وبالكرة الأرضية والتبعات الخطيرة على سكان هذا الكوكب نتيجة مشاريع التكنولوجيات المختلفة والصناعات، والشركات المستثمرة في المواد الكيميائية والطاقة، والمشاريع العملاقة وسباق التسلح وغيرها.

بسبب ذلك دفع علماء التكنولوجيا والبيئة وخبراءها بالتفكير في التكنولوجيا الخضراء والتحول إليها فوراً لدرء أخطار مستقبلية لم تكن في الحسبان.

التقنية الخضراء التي تتصف بصداقتها الحميمة للبيئة، تهدف إلى إحداث تنمية مستدامة في البلدان عن طريق تصاميم وإبداعات تقنيات حديثة تحافظ على البيئة ومصادرها الطبيعية، فلهذا السبب لجأ الخبراء إلى تكنولوجيات تقلل من استخدام الطاقة التي تتولد عنها طاقات حرارية ضائعة، أو إشعاعات كهرومغناطيسية مضرة وانبعاث لغازات سامة هائلة كأكاسيد الكربون والنتروجين والكبريت والعناصر الثقيلة المعروفة بقوة السمية، كما أنهم انتقلوا إلى استخدام مواد غير خطرة في التصنيع ويمكن إعادة تصنيعها أو قابلة للتحلل، لتقليل نسبة النفايات المتراكمة بشكل كبير في بيئتنا.

بدأت هذه التقنية تتغلغل وتتزايد في معظم مشاريع الدول المتقدمة، لتقليل نسب التلوث على البيئة واستنزاف مصادرها.

مفهوم التكنولوجيا الخضراء كتطبيق تقني قد برز لحماية البيئة، بالإضافة إلى وضع الحلول التقنية المناسبة للحد من انبعاثات الكربون والغازات الدفيئة الأخرى والعناصر السامة.

وقد أكدت بعض الدراسات العلمية أن التقنية الخضراء مجال استثماري مهم وواعد، وله إسهامات في خفض استهلاك الطاقة. لذا أقيمت المؤتمرات والمعارض وورش العمل لهذا الغرض، وقامت مجموعة من الشركات العالمية الكبيرة في مجال تقنية المعلومات بتقديم حلول ومنتجات تقنية تراعي البعد البيئي من خلال خفض التكاليف وتقليل موارد الطاقة وطريقة الاستخدام الأمثل لها، كخطوة لتفعيل مفهوم التكنولوجيا الخضراء، ومن أمثلة التقنية الخضراء ما يعرف بتكنولوجيا المحركات الخضراء التي تطورت من تقنية الحرقِ التقليدية إلى الحقنِ المباشر؛ ما يقلل نسبة التلوث نتيجة حرق الوقود إلى الجو من جهة ورفع كفاءة المحرك من جهة أخرى، حيث أثبتت إحدى الشركات العالمية أن المحرك بتقنية «الحقن المباشر» يَستهلكُ 20 إلى 35 في المئة أقل وقود، ويُولّدُ 20 في المئة أقل من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون وله 10 في المئة قوَّة أكثر مِنْ المحرّكات التقليدية؛ ما يطور من عمر المحرك.

وفي مثال آخر للتقنية ما تعرف «المباني الخضراء» المعروفة والمطبقة لدى كثير من دول العالم - غير معروفة وغير مطبقة لدى كثير من دول العالم العربي والخليج ما عدا دبي التي بدأت في تطبيقها - بيد أن معظم الدول الأوروبية وأميركا، فمدن الأخيرة مثل بوسطن، وسياتل، ونيويورك، وشيكاغو أضحت ملزمة الحصول على موافقة مسبقة قبل تشييد أية مبان متعددة الأدوار، وذلك طبقاً لمقاييس ومعايير ومواصفات معينة تمس أكثر من 60 عنصراً، ومادة بناء، وتبدأ من أنظمة التخلص من النفايات أو تخفيضها، إلى عمر المبنى وجودة المواد المستخدمة في المباني وتأثيره على البيئة - عكس دولنا التي يتكون مبناها من طوب يسخن المبنى ويستهلك طاقة هائلة لتبريده (طاقة مهدرة) - إلى نوع عوازل الأسقف العازلة لحرارة الشمس أو امتصاصها واستخدامها بعد حفظها لإنارة المبنى وتشغيل الأجهزة، ومواد العزل الأخرى كالزجاج المستخدم للنوافذ، وتقديم منتجات إضاءة لا تساعد في رفع درجة الحرارة مثل «السبوت لايت»، للحصول على جو مريح وهادئ وبأقل التكاليف، ومواصفات تخص التهوية، وكلنا أمل أن تطبق هذه الإجراءات التي نحن بحاجة إليها أكثر من غيرنا بسبب طقسنا الملتهب في جميع الفصول ما عدا الشتاء لأنه قد يخفض الاستهلاك في الطاقة من جهة ويحافظ على البيئة - جودة الجو - من جهة ثانية.

ولنا في مملكة البحرين أسوة حسنة، حيث بدأت ببعض مشاريع المباني الصديقة للبيئة - مركز البحرين التجاري العالمي- الذي تجدر الإشارة لذكره لاعتباره، من أهم المشاريع العملاقة الذي تُستخدم فيه طاقة الرياح للحصول على الكهرباء، وذات رونق جميل وتحفة معمارية نادرة من نوعها، الذي يتقدم على ما سواه في استخدام طاقة الرياح كطاقة متجددة، وأحد المنافسين في مسابقة التميز البيئي.

من جانب آخر، لدينا طاقة هائلة مهدورة كالطاقة الشمسية «solar energy» التي تحرقنا من غير توظيفها - لو توافرت في الدول الغربية لاستغنوا عن نفطنا - كطاقة غنية متجددة وصديقة للبيئة.

المطبقون والمؤيدون للعمارة المستدامة الخضراء يراهنون على منافع هذا الاتجاه وفوائده الكثيرة. في حالة المباني الكبيرة المتعددة الطوابق يعتبر إدماج شروط أساليب التصميم الخضراء (Green Design Techniques) والتقنيات الذكية في المبنى، بأنه يعمل على خفض استهلاك الطاقة وتقليل الأثر البيئي وأيضاً يقلل من تكاليف الإنشاء والصيانة، ويخلق بيئة عمل مريحة، ويبعث على الهدوء؛ ما يؤثر على صحة المستخدمين ويرفع من إنتاجيتهم، كما انه يرفع من قيمة ملكية المبنى.

لذا، بدأت بعض الدول تضمين هذا المفهوم في خططها المستقبلية، وإعداد دراسات واستراتيجيات وموازنات لهذا الغرض، وذلك بطرح فكرة إنتاج واستخدام مواد تقنية قليلة السمية والمخاطر.

كما أن هناك توجهاً آخر لدى شركات المقاولات في العمل على إنشاء أبنية خضراء - تبديل الطوب المستخدم في مبانينا الذي يستهلك طاقة هائلة لتبريده - وذلك بهدف توفير هذه الطاقة المهدورة في تلك المباني من جهة وتقليل سخونة الجو الملتهب أصلاً من جهة أخرى، وذلك بإعداد تصاميم عمرانية صديقة للبيئة.

وفي شأن ذي صلة بهذا التوجه، فقد أطلقت منظمة الوايبو (WIPO) منظمة حقوق الملكية الفكرية، موقعاً على الإنترنت مرتبطاً بنظام التصنيف الدولي للاختراعات لتسهيل البحث عن المعلومات المتعلقة ببراءات الاختراع في مجال التكنولوجيا الخضراء، ويفيد الباحث في الاطلاع على تطبيقات التكنولوجيا الخضراء الموجودة حالياً والتطبيقات الناشئة، والشركات الداعمة لهذا التوجه ومساعدة الباحثين في هذا المجال. وجاءت هذه الخطوة من الوايبو (WIPO) لتشجيع البحث والاختراعات في مجال التكنولوجيا الخضراء.

هذا التوجه لدى الشركات العالمية بمختلف أنشطتها سوف يخفض التكاليف العالية في الطاقة والتشغيل لتلك الشركات وسوف يزيد من ربحيتها، وليس هذا فحسب بل سينعكس إيجاباً على المستهلك وحصوله على منتجات ذات تكاليف منخفضة سواءً في القيمة أو الطاقة؛ ما يوفر عليه المال والوقت والجهد، والأهم من هذا وذاك المحافظة على بيئة نقية وسليمة لصحة وسلامة البشر والكوكب الذي يعيشون عليه.

إقرأ أيضا لـ " أحمد العنيسي"

العدد 2995 - الأربعاء 17 نوفمبر 2010م الموافق 11 ذي الحجة 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 4:15 ص

      دكتور "لا تعليق"

      الناس الظاهر ما تحب مواضيع البيئة ، الناس تبي سياسة ثم سياسة ثم سياسة لانها لا تستوعب اهمية البية في الحياة. أحسن لك اكتب في السياسة

    • زائر 1 | 4:11 ص

      مقال رائع جدا دكتور

      لازم نغير نوع طوب البناء المصنوع من الاسمنت وندخل فيه مواد تساعد على التبريد كالطوب الجيري لترشيد استهلاك الطاقة من المكيفات .

اقرأ ايضاً