العدد 3087 - الخميس 17 فبراير 2011م الموافق 14 ربيع الاول 1432هـ

غرق السفينة وخسارة الموجود والمولود

رحلة ابن خلدون إلى مصر (2)

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

قعد ابن خلدون في القاهرة ينتظر قرار سلطان تونس السماح لاهله وولده الالتحاق به. في تلك الاثناء توفي بعض المدرسين في مدرسة القمحية (من وقف صلاح الدين الايوبي) فشغرت فقام السلطان الظاهر بكفالة وقفها على «المالكية يتدارسون بها الفقه. ووقف عليها أراضي من الفيوم تغل القمح، فسميت لذلك القمحية» واوقف مدرسة أخرى هنالك للشافعية إثر وفاة مدرسها أيضاً. فولاه السلطان التدريس فيها إلى جانب تدريسه في المالكية. فاجتمعت عند صاحب المقدمة المدرستين واحدة مالكية وأخرى شافعية.

كانت مصر آنذاك تعتمد المذاهب السنية الأربعة وكان لكل مذهب قضاته ومدارسه وهو أمر ساهم، كما ذكرنا، في اطلاق حركة فكرية – فقهية قل نظيرها في العصور الإسلامية. ويرى ابن خلدون ان الأمر كان ضرورياً نظراً «لاتساع خطة هذا المعمور وكثرة عوالمه وما يرتفع من الخصومات في جوانبه» (التعريف، ص 562). إلا أن التعدد المذهبي كان يجلب أحياناً الكثير من المشاحنات بين القضاة يؤثر قليلاً على الفضاء الثقافي وحرية الاختيار. وحصل ان غضب سلطان مصر من قاضي المالكية فعزله سنة 786 هجرية (1384م) وكلف ابن خلدون القيام بالمهمة و»بعث من كبار الخاصة من اقعدني بمجلس الحكم بالمدرسة الصالحية بين القصرين فقمت بما دفع الي من ذلك المقام المحمود» (التعريف، ص 563). وما كاد يتحمل المسئولية (قاضي المالكية في القاهرة) حتى بدأت مشاكله حين حاول، كما يقول، محاربة المفاسد والتزوير والتدليس، وفرض نظام العقاب والقصاص، ومنع إعطاء الشهادات لمن لا يستحق، ورفض تدخل الوجهاء في شئون القضاء وخصوصاً في مسائل كتابة العقود، كذلك منع اصدار الفتاوى جزافاً منعاً لتعارضها وتناقضها. وجلبت محاولة إصلاح القضاء المشاكل لابن خلدون إذ اصطدم بأصحاب المصالح وضعاف الخبرة و»أهل الهوى والجهل» و»انطلقوا يراطنون السفهاء في النيل من عرضي (...) وقول الزور، يبثونه بين الناس، ويدسون إلى السلطان التظلم مني فلا يصغي إليهم». (التعريف، ص 564).

آنذلك كانت علاقه السلطان بابن خلدون قوية. وساعدته الثقة السلطانية في تنفيذ خطته الاصلاحية غير آبه بالاعتراضات والمشاحنات. وبسبب قربه من صاحب مصر فاتحه بموضوع اسرته في تونس وطلب منه مساعدته في الأمر بعد أن أصابه اليأس وهو ينتظر وصولهم منذ سنتين. وشفع له السلطان الظاهر وبعث بخطاب في سنة 786 هجرية إلى سلطان تونس أبو العباس يشرح له احوال ابن خلدون وانه «آثر الاقامة عندنا بالديار المصرية لا رغبة من بلاده بل تحبباً الينا وتقربا إلى خواطرنا». وطلب منه السماح لأهله أن يحضروا إليه و»يقيموا عنده ويجتمع شمله بهم مدة اقامته عندنا» (التعريف، ص 562).

بعث ابن خلدون بخطاب إلى سلطان تونس يتوسل إليه ارسال اسرته وحضه «على اتحاف الملك الظاهر بما ينتقيه من الجياد الرائعة» هدية منه للسلطان. ويبدو أن رسالة السلطان الظاهر لقيت استجابة من السلطان ابو العباس «فبعث له خمسة (من الجياد) انتقاها من مراكبه (فرسانه) وحملها في البحر في السفين الواصل بأهلي وولدي، فغرقت بمرسى الاسكندرية، ونفقت تلك الجياد مع ما ضاع في ذلك السفين» (التعريف، ص 605).

يصف صاحب المقدمة الكارثة التي حلَّت به في وقت كثر عليه الشغب من كل جانب واخذت تتوتر علاقاته مع أهل الدولة إذ وافق «ذلك مصابي بالأهل والولد، وصلوا من المغرب في السفين فأصابها قاصف من الريح فغرقت، وذهب الموجود والسكن والمولود، فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد، واعتزمت على الخروج عن المنصب» (التعريف، ص 565).

تلقى ابن خلدون ضربة قاسية رجحت عنده الزهد وعزم على الاستقالة من منصب قاضي المالكية، لكنه تردد بعد ان نصحه «ممن استشرته خشية من نكير السلطان وسخطه، فوقفت بين الورد والصدر وعلى صراط الرجاء واليأس». (التعريف، ص 565). ولاحظ السلطان الجديد الحال المأسوية التي بدأ يعيشها قاضي المالكية إذ اختلفت حياته واختفت البهجة وبات يميل إلى الانزواء والانقطاع والانطواء على نفسه فأقدم على «تخلية سبيلي من هذه العهدة التي لم أطق حملها (...) فردها إلى صاحبها الأول، وانشطني من عقالها فانطلقت حميد الأثر (...) عاكفاً على تدريس علم أو قراءة كتاب أو أعمال قلم في تدوين أو تأليف» (التعريف، ص 565).

انعزل ابن خلدون ثلاث سنوات بعد عزله من القضاء اثر غرق السفينة التي حملت أهله وولده فقرر قضاء فريضة الحج وهي الذريعة التي غادر بسببها تونس إلى مصر ومضى على وجوده في القاهرة خمس سنوات لم يقم بها حسب ما كان العهد.

اعتزم بعد فترة من الزهد (التصوف) القيام بالفريضة في العام 789 هجرية (1387م) فودعه السلطان والأمراء. وانطلق من القاهرة «إلى مرسى الطور بالجانب الشرقي من بحر السويس (...) ووصلنا إلى الينبع لشهر (...) ورافقتهم من هنالك إلى مكة (...) فقضيت الفريضة في هذه السنة».

عاد الحاج ابن خلدون إلى مصر في سنة 790 هجرية (1388م) و»قضيت حق السلطان في لقائه (...) وأقمت فيما عهدت من رعايته وظل إحسانه» (التعريف، ص 566). وأبرز حدث خاص لقيه كان في ينبع، في طريقه إلى مكة، حين التقى شيخ الجماعة وفارس الادباء ابو اسحق إبراهيم الساحلي وفي «صحبته كتاب رسالة من صاحبنا الوزير» أبو عبدالله بن زمرك كاتب سر السلطان صاحب غرناطة ابن الاحمر. والخطاب عبارة عن قصيدة موجهة لابن خلدون ينظم فيها اشواقه ويذكره بعهود الصحبة. وكتب في نهاية القصيدة بعض الأخبار منها أنه أرسل إليه «جملة من الكتب والقصائد» وطلب منه ان يرسل إليه «ما صدر في مقابله منكم». واشتمل كتاب الوزير الغرناطي قصيدة مدح لصاحب مصر السلطان الظاهر طلب فيها من ابن خلدون ان يرفعها إليه ففعل بعد ان نسخها «بالخط المشرقي لتسهل قراءتها» (التعريف، ص 571).

يظهر هنا ان الحاج ابن خلدون بدأ يخرج من مصابه وحياة العزلة والزهد التي عاشها. فقيامه بالفريضة أراحه نفسياً وساعده على كسر حلقة الانزواء والانطواء والانطلاق مجدداً إلى العمل والاتصالات.

على رغم المحاولات لنسيان الحادث الأليم بقيت تلك المسألة تحز في نفسه وسترافقه طوال حياته وهو أمر ترك بصماته وأثر على انتاجه الفكري وتراجع نوعيته قياساً بفترة الشباب حين سجل فيها أهم أفكاره التي سيكون لها أثرها اللاحق على الفكر العالمي الانساني. وهنا مأساته فهو توقع أن تلاقي افكاره الصدى المطلوب في عهده وفشل. فابن خلدون يشير إلى العلم الذي اكتشفه في نهاية مقدمته وتمنى «من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم مبين، يغوص من مسائله على أكثر مما كتبنا، فليس على مستنبط الفن احصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله. وما يتكلم فيه. والمتأخرون يلحقون المسائل من بعده شيئاً فشيئاً إلى أن يكتمل. والله يعلم وانتم لا تعلمون» (المقدمة، ص 709). وجاءت توقعاته في غير ملحها. فأفكاره التي استقاها ورتبها وأعاد تنظيمها قام بجمعها أصلاً من التراث المعرفي الذي تراكم في العصور الاسلامية طوال ثمانية قرون وأسس عليها قانونه العمراني. وتوقع أن يكون علمه بداية تفكير منهجي في حوادث التاريخ وأسبابه وعلله. وجاءت المصادفات لتتحالف ضده وتقطع عليه سبل التقدم في الاكتشاف المعرفي الجديد.

فشل ابن خلدون فكرياً ولم ينجح في تأسيس مدرسة على رغم انه نجح في إثارة زوابع من الجدل والمشاكل حول شخصه. فشخصيته المميزة آنذاك كانت غالبة على أفكاره المميزة. وكانت هي محط السجال فطغت على «المقدمة» وكادت ان تغيب من كثرة الاهمال.

الى جانب فشله الفكري في عصره طاردته فاجعة أهله وأسرته حتى اللحظات الأخيرة من حياته، الأمر الذي اضطره أحياناً إلى الصمت والاطراق وأحياناً اللجوء إلى الكذب عندما يسأله أحد عنهم لا يعلم بمصابه. وهذا ما حصل له عندما التقى تيمورلنك في ضواحي دمشق وسأله القائد المغولي عن ولده «فقلت بالمغرب الجواني كاتب للملك الأعظم هنالك» (التعريف، ص 620). فابن خلدون غير واضح في جوابه فهو يقول ان ابنه (زيد) يعمل كاتباً عند سلطان المغرب وذكر قبلها انه فقد مولوده في غرق السفينة التي ضربتها العواصف في مرسى الاسكندرية، فهو أخفى الموضوع الذي يحز في نفسه ولا يريد اثارته أمام الغازي فادعى أن ابنه زيد لم يكن في السفينة التي غرق فيها أهله.

يتكرر الأمر في لقاء آخر مع تيمورلنك عندما غدر بالاتفاق واقتحم دمشق ونهبها وأحرق أجزاء من المسجد الأموي. فابن خلدون أصيب بالاحباط وأراد مغادرة الشام والعودة إلى مصر وهو لا يستطيع ذلك إذا لم يحصل على إذن مرور وخروج من البلاد. وتذرع آنذاك بأنه يريد العودة لأنه أحس بالغربة واشتاق. وسأله لمن؟ فذكر له «انا غريب بهذه البلاد غربتين، واحدة من المغرب الذي هو وطني ومنشئي وأخرى من مصر وأهل جيلي بها» (التعريف، ص625).

هنا أيضا جواب الحاج غير واضح. فهو يذكر المغرب بصفته وطن المنشأ ويذكر مصر بصفتها أهل جيل ولا يشير إلى ابنه في بلاد السلطان ولا إلى عائلته في القاهرة. فابن خلدون يتهرب من الرد ويعطي اجوبة غامضة. وهذا يدل على وضع نفسي صعب لم يستطع تجاوزه حتى السنوات الأخيرة من عمره. فالذكرى المؤلمة ما تزال طرية في ذهنه وما زال الحزن يدق قلبه عند السؤال عن الأهل والولد. فيكون الجواب أما الكذب أو التجاهل أو استخدام تعابير رمزية وشفافة يمكن ان تفهم على أكثر من مستوى.

قصة أهل ابن خلدون استمرت غامضة في مذكراته وهي آخر ما كتبه في حياته. فالحاج العجوز انتهى وحيداً محاطاً بأهل السعايات. وعندما ألف (التعريف) كان قصده الدفاع عن نفسه وتوضيح سيرته التي لاكتها الألسن لذلك من الصعب تتبع أخباره الشخصية التي عصفت به إلا من خلال قراءة ما بين السطور، فابن خلدون يركز على حوادث عصره أكثر ما يركز على حياته الخاصة، حتى عندما يتحدث عن ذكرياته المؤلمة. فهو مثلا يكرر نكبة السفينة مراراً ويأتي عليها مرة ثالثة ورابعة عندما حاول رواية ما حصل له من قصص منذ لحظة دخوله مصر. فيعيد رواية القصة كالآتي: «وكنت عند وصولي إلى مصر بعثت عن ولدي من تونس، فمنعهم سلطان تونس من اللحاق بي اغتباطاً بمكاني، فرغبت من السلطان ان يشفع عنده في شأنهم، فأجاب وكتب إليه بالشفاعة، فركبوا البحر من تونس في السفين، فما هو إلا ان وصلوا إلى مرسى الاسكندرية، فعصفت بهم الرياح وغرق بمن فيه، وما فيه، وذهب الموجود والمولود، فعظم الأسف، واختلط الفكر، واعفاني السلطان من هذه الوظيفة وأراحني، وفرغت لشأني من الاشتغال بالعلم تدريساً وتأليفاً» (التعريف، ص 578 – 579).

لا تناقض خبرياً في روايات الحاج. فكلها صحيحة ومتشابهة ومتقاربة إلا في مسألة أسرته وأهله وولده وأحياناً ولديه. وباستثناء تلك الكذبة مع تيمورلنك تجتمع رواياته على حصول الحادث. أما تفاصيل الحادث لا يرويها كعادته عندما يتكلم عن خصوصياته الداخلية وظروفه الشخصية. وتجنب ابن خلدون الكلام عن تفاصيل الحادث المروع الذي قلب حياته وزعزع كيانه ودفعه إلى الزهد (التصوف) والانقطاع مدة ثلاث سنوات يشير أو على الأقل يفسر عوامل الجفاف الفكري والترهل الذي أصيب به صاحبنا بسبب ذلك الألم الداخلي الذي لاحقه حتى عندما كان يمارس العمل ويقوم بالكتابة والتأليف. فكل إضافاته الفكرية في القاهرة كانت عادية أوضح فيها ما كتبه سابقاً لكنه لم يقدم الجديد النوعي كما فعل خلال فترات الانعزال القلق والانقطاع في القلعة والعمل في تونس إلى جانب السلطان أبو العباس وشيخ الفتيا ابن عرفة.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 3087 - الخميس 17 فبراير 2011م الموافق 14 ربيع الاول 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً