العدد 1232 - الخميس 19 يناير 2006م الموافق 19 ذي الحجة 1426هـ

سورية... عندما يعيد التاريخ نفسه!

حسين علي الحداد comments [at] alwasatnews.com

يقولون إن التاريخ يعيد نفسه دوماً، لذلك فإن من أراد أن ينظر إلى المستقبل ويفهم الحاضر فلابد إذاً من أن يرى الماضي بعين ثاقبة، يقلب فيها بين المواقف ويقرأ فيها التاريخ، وكيف تغيرت الدول. وهذا لا ينطبق على سورية فحسب، بل على غالبية الشعوب، ولكن ما يميز سورية عن غيرها هو أن تكرار تاريخها أكثر من غيرها من الدول، وأن التغيير دوماً آت لا محالة. التغيير هو ما لم يرغب به الرئيس السوري شكري القوتلي، فالرجل اعتلى سدة الحكم في أغسطس/ آب 1943 وسرعان ما ولت السنون وأتت سنة خلعه وفقاً للدستور السوري الذي لا يسمح بإعادة انتخاب الرئيس مرتين متتاليتين. كان ذلك في العام 1948 عندما ناقش البرلمان السوري هذه المادة القانونية التي تعيق بقاء شكري القوتلي في سدة الحكم، ولكن سرعان ما أزاح البرلمان السوري المادة 68 التي تحول دون بقاء الرئيس في الحكم وصوت بالإجماع للتعديل الدستوري في مارس/ آذار، وأعقبها إجماع آخر في ابريل/ نيسان من العام نفسه، لانتخاب شكري القوتلي رئيساً للبلاد من جديد، إذ كان حينها يتم انتخاب الرئيس من البرلمان لا من انتخابات عامة. والبرلمان لم يعمل إلاّ ما رآه في مصلحة شعبه السوري، ناظراً بعينه إلى مصلحة الشعوب العربية الأخرى، في أن يخط لها مثالاً يحتذى. هذا البرلمان أسرع خطاه بالتمديد للرئيس القوتلي قافزاً على الدستور، والبرلمان نفسه هو الذي أوقف مشروع إنشاء خط أنابيب نفط من السعودية إلى الموانيء السورية، وكان مقدماً من قبل شركة التابلاين الأميركية بعرض قدره نصف مليون دولار سنوياً، كوارد للخزنة السورية التي في المقابل تحصل على 284 ليرة سورية فقط كدخل سنوي من مرور أنابيب شركة البترول العراقية. وتذرّع البرلمان حينها بأن الشركة الأميركية ستوفر أضعافاً تتخطى 10 مرات مما لو قام بنقل هذا النفط عبر قناة السويس وناقلات النفط الباهظة الكلف. لذلك فإنه كان يتدارس زيادة السعر على شركة التابلاين الأميركية. هذا الوضع لم يعجب أحدهم، وأحدهم هذا يسمى حسني الزعيم الذي قام بأول انقلاب على السلطة في سورية، وسجن شكري القوتلي وحل البرلمان، ووقع اتفاق التابلاين في بداية ابريل من العام .1949 وحسني الزعيم هذا الذي رقّى نفسه إلى رتبة مارشال، ذاق مرارة الانقلابات عندما لقي مصرعه في انقلاب قام به اللواء سامي الحناوي في أغسطس .1949 وهكذا دواليك كانت البيانات رقم واحد تأتي بكثرة في ليالي دمشق الباردة، وسميت فيما بعد بالحركات التصحيحية. ما الغريب في هذا التاريخ، ولم الذهاب بعيداً إلى محاسبة برلمان 1948 الذي ليس بأفضل من برلمان سورية الحالي، الذي غيّر المادة المتعلقة بسنّ الرئيس لكي يستطيع الرئيس بشار الأسد من أن يعتلي السلطة. أنا اقول لك إن لا فرق هناك، ولكن الفرق هو في قيام سورية بتغيير دستور لبنان من أجل بقاء ايميل لحود في السلطة، وعدّ ذلك تدخلاً قوياً جداً في الشئون اللبنانية، فلبنان الذي تعود أن تكون رجالاته ممن ترضى عنهم سورية، لم يذق مرارة الارغام كما ذاقها في تغيير دستوره، وهذا التغيير هو ما قاد الحريري بأن ينشق عن الحكومة إلى حضن المعارضة ومن بعدها إلى اغتياله. وليت سورية توقفت في لبنان، بل هي مدّت يدها إلى العراق وخرج الرئيس الأسد ليبرر تدخل سورية في الحراك السياسي العراقي لما تجده في مصلحتها، معلّلاً ذلك بالقرب من العراق، وبأن الأميركان الذين عبروا القارات وقطعوا المحيطات يهمهم العراق، فلماذا لا يهتم للعراق جيرانه؟ هذا الكلام لم يعجب الأميركان، وكما هو واضح الآن فإن البحث عن حسني الزعيم من جديد لتغيير النظام السوري توقف عند عبدالحليم خدام الذي لن يأتي على نصف مليون تقدّمها شركة أميركية، فالرجل يملك ما يفوق المليار دولار، وقصره في أرقى ضواحي فرنسا يشهد له بذلك، ولكن الخوف من أن تقدمه الحكومة الأميركية على طبق الديمقراطية. * كاتب بحرين

العدد 1232 - الخميس 19 يناير 2006م الموافق 19 ذي الحجة 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً