العدد 1281 - الخميس 09 مارس 2006م الموافق 08 صفر 1427هـ

ثنائية المشاركة والمقاطعة... بين التفعيل والتأجيل

هادي الموسوي hadi.ebrahim [at] alwasatnews.com

رياضة

أمام أي مفصل من مفاصل تاريخ الديمقراطيات الحديثة تحتل ثنائية المقاطعة والمشاركة مكاناً واسعاً في مساحة قرار اللاعبين السياسيين تجاه الموقف والخطاب بشأن تفعيل أو تعطيل هذا الثنائي. وهذا، يقودنا إلى النظر في هذه الثنائية بصورة تحليلية ومنهجية.

تصنيف ورصد الثنائيات ربما يندرج تحت عنوان المتناقضات وربما يندرج تحت عنوان المترادفات ويأخذ هذا الثنائي أحيانا أخرى حال الاقتران. فثنائية المشاركة والمقاطعة واحدة من الثنائيات التي تفرض خيارات المشهد السياسي على قوى الفعل السياسي في محوري الاختيار أو اللااختيار.

فالمشاركة والمقاطعة كثنائية متناقضة، يدور فهمها في إطار الفهم اللغوي التلقائي كالآتي: إن المشاركة تعني الاندماج والتفاعل العملي أو النظري أو كليهما في آن واحد، في أي مشروع أو برنامج إيقاع يصدق عليه عنوان المشاركة فيه. أما المقاطعة فإنها تعني نقيض ذلك كله. أي أنها تعني عدم الاندماج وعدم التفاعل بشكل مطلق. لا العملي منه ولا النظري.

أما المشاركة والمقاطعة كثنائية مترادفة، فإن فهمها يدور في إطار الفهم السياسي بالصورة التي تتحلل وتتلاشى فيها التلقائية الحاصلة في الفهم اللغوي؛ الترادف هنا ناشئ من أن ابجديات العملية السياسية التي تتأسس على قاعدة التداخل بين عناصر آليات وأدوات التفاعل السياسي بشكل طبيعي من خلال طبيعة الدور الذي يتبناه الفاعل السياسي، فتفاعله الايجابي (المشاركة) يمثل مشاركة مباشرة، وتفاعله السلبي (المقاطعة) يمثل مشاركة غير مباشرة في العملية السياسية. لأن كلاً من المشاركة والمقاطعة يعدان موقفين يلجأ اليهما الفاعل السياسي رغبة في تحقيق اصل التفاعل السياسي. فالمقاطع لو لم يرغب في الاهتمام بالعملية السياسية والاستحقاقات والالتزامات الوطنية ولم يرغب أيضاً في إثبات وجوده على المشهد السياسي لما تبنى موقف المقاطعة. ولقد قيل قديماً: «إذا كنت لا تهتم بالسياسة فإن السياسة تهتم بك».

أما ثنائية الاقتران بين المشاركة والمقاطعة، فإنه يتمثل في: أن ذكر أحدهما يفرض على الذهن أو المخيلة - لا شعورياً - استحضار الآخر للارتباط الوثيق بينهما؛ لجهة أن أحدهما يعبر عن الآخر حتى وإن لم تدع الحاجة إلى ذكره او تدوينه أو مزاولته.

هذا الثنائي، المحور الأساس في هذا المقال، فرض وجوده على مفردات منطوق ومفهوم الأفراد والجماعات منذ ما يقارب الأربعة أعوام، عندما احتدم الجدال بشأن دستور 2002 لمملكة البحرين. فاحتل هذا الثنائي من المساحات الخطابية والأدبية والإعلامية والحوارية والتنظيمية وغيرها مساحات غير قليلة حازت على درجة عالية من الاهتمام الشعبي والرسمي والمحلي والخارجي، ما جعل هذه الثنائية واحدة من مكونات المشهد السياسي، التي أضفت لمسات أو بصمات تركت تأثيرها على تيارات واتجاهات ومجاميع سياسية، أدت إلى انقسامها يميناً ويساراً ووسطاً أو صقوراً وحمائم أو واقعيين وطوباويين، ووصلت وقائع تلك الكيانات إلى حال اقرب ما يمكن التعبير عنها بالتعقيد والغموض عند الكثير من المراقبين، إذ باتوا لا يجرأون على التنبؤ بما يترشح عن نتائج هاتين المفردتين لدى تلك التوجهات.

وهنا وبعد مرور أربع سنوات تقريباً، ومع اقتراب موعد انتخابات 2006 يتعين على الفاعل السياسي تجديد موقفه، ليفرض أحد هذين المفهومين على فعله السياسي، ليتبنى خيار المشاركة في العملية السياسية أو المقاطعة للعملية السياسية، ولكن كلا الخيارين يدوران مدار التفعيل أو التأجيل على كلا الصعيدين: على صعيد الخطاب وعلى صعيد الفعل.

فالخطاب السياسي المتمثل في أدبيات الاتصال اللفظي أو الكتابي أو الايحائي أو الترميزي يحتاج إلى تبني قرار واضح وحاسم لا يحتمل التأويل أو التفسير لدى المتلقي ولا يولد علامات استفهام أو استيضاح عند المتلقي عند الوصول إلى نقطة استخلاص نتائجه أو توصياته. فأما أن يفعل الخطاب السياسي، ويفصح عن قرار تبني المشاركة او المقاطعة، أو يؤجل هذا الخطاب فتختفي تحت ثنايا هذا التأجيل ثنائية المشاركة والمقاطعة.

أما الموقف السياسي المتمثل في الفعل السياسي فانه الآخر بحاجة إلى تبني قرار واضح وحاسم لا يحتمل التلكؤ والتردد لدى الفاعل السياسي نفسه، ولا ينبغي أن تتولد عنده اهتزازات في الصورة، مادامت اسباب خياره قائمة ومستمرة، ما لم يستجد أو يتطور أمر اعتمد عليه في صناعة واتخاذ قراره.

فالموقف اليوم، تماماً كما كان الموقف بالأمس، في عملية تبني أحد خياري المشاركة والمقاطعة، المشارك منذ الأمس يفعل المشاركة ويؤجل لها لما بعد برهة زمنية من المقاطعة، والمقاطع بالامس يفعل المقاطعة مرة اخرى ويؤجل لها لما بعد تذوق آثار وفاعلية المشاركة.

السياسة ليس فيها ثابت أو مطلق، كل ما في السياسة متغير ونسبي، وهذه الخصوصية من اهم معالم الحراك السياسي في أية منظومة سياسية، وفي كل مجتمع يسيطر فيه الهم السياسي على الهموم الأخرى.

هل سيشارك المشاركون ويقاطع المقاطعون؟ أم ستنقلب الآية أم تمتزج المواقف وتختلط الأوراق في المخرج النهائي؟ سؤال تجيب عنه وقائع المستقبل القريب.

إقرأ أيضا لـ "هادي الموسوي"

العدد 1281 - الخميس 09 مارس 2006م الموافق 08 صفر 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً