العدد 1329 - الأربعاء 26 أبريل 2006م الموافق 27 ربيع الاول 1427هـ

«الوطنية» بوصفها خرافة

عادل مرزوق Adel.Marzooq [at] alwasatnews.com

-

ما تتبعت يوماً مفهوماً سياسياً أو ثقافياً تتداوله أروقة الساسة والمثقفين العرب إلا ووجدته استحال بئراً «أجوف» لا نفع فيه، نحن بارعون في تخريب كل شيء، بما في ذلك الكلمات ومفاهيمها.

وعلى سبيل المثال نجد أن مساحات التأويل والتوظيف السياسي لمفهوم كالمجتمع المدني أصبحت «مبتذلة» حد الملل، فلنظمنا القامعة أن تقمع باسم المجتمع المدني وفي سبيل تحقيقه، وكذلك المعارضات العربية، هي دائما وأبداً مشغولة به، فنضالاتها ومظاهراتها ومظاهر عصيانها إنما هي في سبيل تحقيق مجتمعاتها المدنية، ولعلي بدأت في الآونة الأخيرة أتحاشى استخدام هاتين الكلمتين خوف الوقوع في مصيدة التوظيف السيوثقافي - مزاجياً - من دون دراية مني أو انتباه!!

كذلك هي المفاهيم المرادفة كالـ «الوطنية» و«المواطنية»، أصبحت مساحات من التأويل الذي لا حد له، نقمع باسم «الوطن» ونناضل للحرية من أجله. ونطالب الناس بالصبر على الجوع باسم المواطنة الصالحة، ونصف الخائفين من عصا السلطة حين تقسو بأنهم شركاء في تهمة «اللاوطنية!!»، وعلى هذه الحال، أصبحت «الوطنية» ومرادفاتها «فتيات حرب» يتناوشها المتحاربون من دون رحمة.

وعليه، كانت الاستعانة بالأجنبي في حركات الشعوب المتحررة ومحاولات تدويل القضايا بمثابة «وطنية» جديدة، ولابد من الاعتراف بها، وبأحقيتها في الوجود إلى جانب التأويلات و«الوطنيات» الأخرى من دون أدنى تشكيك في صدقيتها. ومن هنا تحديداً اعتقد أني أستطيع الإجابة على رؤية مستغربة قرأتها لبرهان غليون وهي أن تياراً قوياً بدأ ينتشر في البلدان العربية ويفرض نفسه داخل صفوف المعارضات بقوة وهو «لا يخفي رهانه على التدخل الأميركي إن لم يتمناه في المنطقة ككل»...

يضيف غليون «بعد فشل جميع حركات المعارضة العربية الديمقراطية والإسلامية معاً في تحقيق الإصلاح والتغيير أصبحت الضغوط الأميركية الورقة الوحيدة المتبقية لكسر الجمود الذي نجحت الأنظمة الراهنة في الحفاظ عليه منذ عقود»...

ويعتقد برهان أن «احتلال العراق فتح بحد ذاته الباب أمام حقبة من الضغوط الشديدة التي ستتعرض لها نظم حكم عربية فقدت الصدقية في الخارج والداخل وذلك بهدف إخضاع سياساتها بشكل كلي لحاجات الاستراتيجية الأميركية العولمية».

الذي لم يدركه «غليون» أن لوثة «القومية» و«العروبة» استطاعت ان تجعل من مرحلة ما بعد تحرير العراق مرحلة «فاقعة اللون»، ومتصفة بالجمود، وعدمية الحراك، فكانت الرؤى الوطنية على اختلاف «تأويلاتها» متحرجة في الاستعانة بالأجنبي من منطق «العيب!!»، من جهة أخرى ليس «الأجنبي» هو ذلك الذي ينتظر يوماً ما تتفهم فيه تلك المؤسسات السياسية حاجتها له ليقوم بمهمته، إنما هي مصالح آنية، وظروف سياسية وثقافية طارئة، كانت «فلتة» من «فلتات» الديمقراطية التي عرضت على الشعوب، فلم تقبل بها، وإن عاد لها اليوم أحد ما، ببساطة «قطعت رأسه!!»

إقرأ أيضا لـ "عادل مرزوق"

العدد 1329 - الأربعاء 26 أبريل 2006م الموافق 27 ربيع الاول 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً