العدد 3213 - الجمعة 24 يونيو 2011م الموافق 22 رجب 1432هـ

عصر الظلمات العربي

خالص جلبي comments [at] alwasatnews.com

.

المواطن العربي اليوم يستخدم التلفون الجوال، ويسكن عمارة شاهقة، ولربما ركب سيارة فارهة، والجندي العربي يقاتل بالصواريخ، والجراح العربي يجري جراحة معقدة، وفي بعض البلدان العربية بلغ عدد الجامعات كماً كبيراً، مما يوحي أن العالم العربي بخير. ولكن التفحص العميق للمشكلة يحمل أخباراً غير سارة. فلم تتطور الخدمات الا باتجاه عملقة أجهزة الأمن، والثروة القومية بددت في شراء أسلحة ميتة، وكل شيء في البنية التحتية لا يعمل، والنمو يتراجع في معظم بلدان العالم العربي مع انفجار سكاني مخيف ومستقبل مظلم للشباب، والمواطن لايصدق نشرة الأخبار المحلية، والمواطن العربي أُحصي عدداً بأدق من عمل وكالة ناسا لارتياد الفضاء، وصُنف في خانات أمنية لاتنتهي، مراقب بالعشي والابكار في تنفسه ورسائله، وتسجل شجرته العائلية لسبع حلقات.

الانسان العربي يلبس بدلة أنيقة، وتلمع في صدره ربطة عنق جميلة، ويضع على عينيه نظارة مصنوعة في إيطاليا، شكله الخارجي كفرد لاينقصه شيء عن أي مواطن أوروبي بفارق أنه ولد أخرسا يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا، أتقن فن الصمت وتلقي الأوامر، وموت روح المبادرة، وفقد روح الجماعة، يردد مقولة ديكارت :عاش سعيداً من بقي في الظل.

نحن دخلنا عصر المحطات الفضائية ولكن من الباب الخلفي لنكرس أصنام قريش بما يحسدنا عليه أبو لهب، وفي بعض المحطات لا يطل سوى ثلاثة رموز في مركب أقانيم من عقيدة تثليث جديدة. وكانت الحياة السياسية قبل نصف قرن أفضل حالاً، فاقتلعت أول جذور الديمقراطية والمساواة الاجتماعية والتعددية السياسية وتراجعت الخصوبة الثقافية لحساب الفكر الايديولوجي في مصادرة خانقة للعقل وتأميم الفكر حتى إشعار آخر، ويتم نبش كتب لمفكرين تتم هرطقتهم بعد مرور ربع قرن على كتابتها. وفي الوقت الذي يتأهب العالم لاستعمار المريخ العام 2015 مازال عندنا من يؤمن أن الأرض لا تدور.

وفي الوقت الذي يخطط الآخرون لألف سنة قادمة في استيطان المجرة مازلنا نحن على الأرض في بعض المناطق نتناقش حول قيادة المرأة للسيارة، وفي الوقت الذي يحاسب الفرد على قتل شجرة في بريطانيا، فإن عندنا من يفكر ويخطط لحملة تطهير عرقي لبعض الشجر وتدمير الغطاء النباتي بحجة الحساسية، في بيئة تئن من الرمال والجفاف، كمن يتبع وصفة مشعوذ بمعالجة الحساسية بقطع الأنف، والعطاس باقتلاع الرئة. شاهداً على وعي بيئي متخلف مدمر. نحن إذاً نتقدم الى الوراء، ويمشي أحدنا مكباً على وجهه، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم؟

إن حظنا سيئ أننا ولدنا في هذا العصر، وننتسب الى ثقافة تحتضر، ولسان محاصر بثلاث وعشرين بوابة مراقبة، وكل هذا الوصف المرعب هو النصف السهل في المشكلة، فالمريض لايختلف حول علته جاهلان، ولكن اجتماع كل جهلاء القرية لا يقربهم من الصحة الا بعداً، كما فعل أطباء صلاح الدين الأيوبي الذي أصيب بالتهاب كبد وتعرض للجفاف فعالجوه بالفصادة فقضوا عليه. العقول هاجرت، والأموال طارت على أجنحة الكترونية، والاستبداد ازداد رسوخاً، والديكتاتوريات أصبحت أشجاراً باسقة مدت ظلالاً من الرعب على شعوب بأكملها، وضربت جذورها أميالاً في التربة النفسية، وانقلب الفرد الى كائن مسخ يتقن الكذب والتمثيل بأفضل من القرود، والإذاعات نفخت ألوهية الحكام فصارت أكبر من اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. المواطن العربي لايرى المشاكل بل يصطدم بها اصطداماً كما ينطح الأعمى الجدار فيجرح رأسه ولا يتعلم من خطأه، بما لا تفعله الاميبيا؛ فيسرع الى الحلول الجاهزة والسريعة لمشاكل في حجم الجبال تعس من قرون، ويعمد الى شراء آلة لا يحسن استخدامها، ويعجز عن صيانتها، ولا يفكر في تطويرها.

جاء في قصة كليلة ودمنة أن مجموعة من اللصوص أرادت السطو على منزل، وشعر رب المنزل بحركتهم فأهدته زوجته الى حيلة أن يتحدثا عن ثروته الطائلة التي جمعها بالسرقة فإذا دخل البيوت نزلها على ظهر شعاع من ضوء القمر. كل ما يحتاجه ترديد سبع مرات «شولم... شولم»، فلما هم زعيم العصابة أن ينزل السطح بنفس الطريقة دقت عنقه. نحن نريد معالجة أمورنا بالصعود على أشعة ضوء القمر.

ضرب المفكر (علي شريعتي) المثل عن استعمال الآلة بين الشرق والغرب أنها عند الشرقي تخرب بعد فترة قصيرة من استعمالها، ويبقى يستعملها محدودة الوظيفة قرناً من الزمن بدون فكرة إصلاحها، وتبقى تؤدي وظيفتها عند الأوروبي حتى بعد إحالتها للمتحف. هذا المنظر رأيته أنا شخصياً في مصاعد قديمة تعمل في ألمانيا ومدينة مونتريال في كندا.

هل هذه صورة قاتمة للواقع؟ المشكلة أن الواقع أسوأ بدرجات من هذا الوصف!

ولكن كل ماذكرناه لايعني أكثر من وصف موجع ولايتقدم باتجاه الحل، ويبقى السؤال: لماذا يحدث ما يحدث؟ لماذا تعيد الثقافة إنتاج نفسها على هذا الشكل المريض من دون تطور يذكر؟ ما هو سر هذا الاستعصاء الخبيث في الثقافة العربية الاسلامية؟ ماهي نوع البرمجة الذهنية عند الفرد العربي؟ ولماذا لا يدخل العصر؟

المواطن العربي كفرد مادة خامة قابلة للتصنيع في أية ماكينة اجتماعية، شهادتنا في ذلك أبناؤنا الذين يذهبون للغرب؛ فينخرطون في الماكينة الغربية فيبدعون ويلمعون؛ فإذا عادوا الى الوطن انكمشوا مثل القماش السيئ بعد الغسيل، في شهادة عن بيئة عقيمة وجو خانق؟ والسؤال الموجع: لماذا؟

إذا كان كل مواطن يغلق بابه على نفسه، ويعيش مع نفسه وعياله، فقد تحول الى ذرة رمل تائهة، غير متماسكة مع غيرها، في صحراء تضرب فيها العواصف في مؤشر خطير على انقضاء أجل الأمة أو يكاد.

نحن نمدح أنفسنا الى حد القرف، ونكذب بأشد من أشعب حتى نصدق أنفسنا؛ فذاتنا مبرأة من العيوب فوق الخطأ ودون النقد.

إن عدم تحمل النقد، وانعدام آلية المراجعة، واتهام الآخرين بقصورنا، وعزو فشلنا اليهم تبرير غير مجدٍ، وتورط في حلف مع الشيطان في طريق الفحشاء والفقر لاعودة منه. أما تحرير آلية النقد الذاتي، وتنشيط مفهوم التوبة، فتعني السير في خط آدم، الذي تلقى من ربه كلمات فتاب عليه. لقد تورط الشيطان في ثلاثة أخطاء قاتلة: حين نسب خطأه الى غيره ولم يراجع نفسه، ثم اعتز بمصدره العرقي، وأخطأ ثالثاً في الفيزياء حين ظن أن الطاقة أفضل من المادة، والفيزياء تعرف اليوم أن الطاقة والمادة وجهان لحقيقة واحدة.

العرب يعيشون في عصر لم يولدوا فيه، أو ولدوا في عصر لا ينتسبون إليه، تشكل الحداثة لهم «الجن الأزرق» المكرر في قصة سندباد البحري، عندما اختلط عليه الوهم مع الحقيقة، قبل أن يعرف من هو ملك الجان الأزرق. نحن نعيش نشوة الماضي كالسكران المترنح في عصر لم نتكيف مع إحداثياته؛ فلا نعرف ماذا جرى في العالم ولا نمشي في الأرض لننظر كيف بدأ خلق العالم الجديد وأنه أنشئ النشأة الآخرة. نحن لا ننتسب الى العصر بسبب بسيط: أننا لم نشارك في بنائه. نحن استهلكنا ما عندنا من أدوات معرفية؛ فما عندكم ينفد وما عند الله باق.

نحن اليوم نشتري الحضارة ولا نبنيها، وأهم شروطها ليس الانتاج التكنولوجي بل الانتاج المعرفي. نحن نعيد إنتاج ثقافتنا وهناك الكثير من الأفكار التي تشكل الخريطة الذهنية عندنا هي أفكار ميتة جدير بها أن تودَّع الى المقبرة في جنازة خاشعة تليق بها. نحن ننتسب الى ثقافة ميتة لا تؤدي دورها، ورؤوسنا تعاني من دوار مخيف مع إعصار الحداثة، وشكلنا في العالم لا يسر الناظرين، من الجزائر الى أفغانستان.

ليس أبغض على النفس من الانتقاد ولكن النقد الذاتي وضع ديناميكي حي متطور في إنضاج الانسان. إنها أداة نفض مستمرة للوعي كي يبقى نشيطاً حياً. إنها يقظة واستنفار للإرادة وشحذ المثل الأعلى، وهي تطهير أخلاقي في مستوى الفرد، كما أنها بناء أسرة متماسكة، والعيش في جو جماعة صحي، وتطهير الوسط السياسي من الارهاب والتسلط، فضلاً عن بناء علاقات حسنة بين الجماعات البشرية. المسلمون اليوم يخلطون بين ذواتهم وبين الاسلام، ويعتبرون أنفسهم أنهم استثناء للقانون البشري، في تعالٍ أحمق يدفعون ثمنه يومياً. إنها كارثة عندما يختلط الالهي بالبشري. الاسلام مبدأ من لدن حكيم عليم، والمسلمون بشر يخطئون ويصيبون، ويقتربون ويبتعدون، أويصعدون ويهوون الى أسفل سافلين، فهل نعقل هذه القاعدة؟ عندما نعطل آلية النقد الذاتي نعطل الوعي، ونزيل أي إمكان لتصحيح الخطأ والنمو للمستقبل، وهي كارثة ونحن على كل حال في وضع اكبر من الكارثة!

وقع الذئب يوماً في فخ الصياد؛ فاقترب منه الثعلب بحذر؛ كي لا يصيبه ما أصابه؛ فنظر إليه الذئب بعين حولاء ونفس ذاهبة: يقولون إن يوم القيامة اقترب هل هذا صحيح؟ قال الثعلب: القيامة ليس عندي خبراً عنها، ولكن الأكيد أن قيامتك قامت

إقرأ أيضا لـ "خالص جلبي"

العدد 3213 - الجمعة 24 يونيو 2011م الموافق 22 رجب 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 1:07 ص

      تشخيص واقعي

      أحسنت على هذا المقال الممتاز لقد أصبت كبد الحقيقة لواقعنا العربي المزري .

اقرأ ايضاً