العدد 3244 - الإثنين 25 يوليو 2011م الموافق 24 شعبان 1432هـ

المؤسسة الدينية تتكلّم

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

في أولّ تحركٍ للمؤسسة الدينية في البحرين خلال الأشهر الأخيرة، عقدت ندوة جماهيرية في مأتم السنابس الكبير عصر السبت الماضي، تحت شعار قرآني: «المساجد لله».

ولطبيعة الحدث والجهة الداعية والهدف (حماية دور العبادة)، كان طبيعياً أن يكون الصف الأول من الحضور من علماء الدين، تتقدّمهم أشهر الأسماء، وأن يكون الجمهور خليطاً من المهتمين بالشأنين الديني والعام، مع مشاركة واسعة من النساء. ولازدحام المأتم بالحضور مدّت الكراسي إلى الشوارع المحيطة كما يحدث في المناسبات الدينية الكبرى.

المأتم يحتضن أهم وأكبر الفعاليات الدينية والثقافية سنوياً، (مثل مؤتمرات عاشوراء)، وذلك لسعته وتوافر مواقف سيارات كافية، ولقربه من العاصمة، ولموقعه المتوسط بين مختلف المناطق البحرين.

الاجتماع ما كان له أن يحصل لولا التطورات التي حدثت في البحرين في الأشهر الأخيرة وما تبعها من تداعيات وفي مقدمتها هدم بعض دور العبادة، تناولتها وسائل الإعلام الخارجي باهتمام كبير. هذه الصفحة ما كنا نتمنى أن تكتب في تاريخ البحرين، لأن ألمها سيبقى طويلاً في نفوس البعض، وسيعقبه تأنيب ضمير في نفوس أخرى، لأنه حدثٌ هزّ ركناً من الأركان الوطيدة في تراث هذا البلد القائم على الأخوة الإسلامية ورحابة الأفق والتسامح المشهود.

من المؤسسات التي اهتزت بتداعيات الحدث دائرة الأوقاف الجعفرية، فقد دخلت في جدال حاد مع وزارة العدل والشئون الإسلامية حول مشروعية الهدم، وردّت على تصريحات الوزارة بأن هذه المساجد والمآتم غير مرخصة بالدلائل والأرقام الموثقة بالمراسلات الرسمية. وبقية القصة يعرفها القراء، إذ انتهت بإقالة الإدارة والإتيان بمجلس إدارة جديد، سيخضع للكثير من الرقابة والمحاسبة من الجانبين الحكومي والشعبي.

على ضوء هذه الخلفية، يأتي تحذير الرئيس السابق للمجلس الإسلامي العلمائي الشيخ عيسى قاسم من «محاولات صريحة» لمصادرة الأوقاف الجعفرية والهيمنة عليها. وطالب مجلس الإدارة الجديد والمجتمع المدني بالدفاع عنها والاستقامة على ذلك. بل ذهب إلى تحميل المجلس «مسئولية الانسحاب الفوري عند تعرض أي شيء من الأوقاف للتخريب أو المصادرة حتى ولو ليوم واحد».

في الندوة عرض فيلم وثائقي لصور عددٍ من المساجد والمآتم قبل وبعد التعدي عليها أو هدمها بالكامل، مع التبليغات المقدّمة رسمياً للأوقاف كجهة رسمية.

الشيخ قاسم أوضح سبب الملتقى بالتأكيد على الأحكام الشرعية بكل دقائقها بقضية الأوقاف»، وهو موقفٌ أكّده في الأسابيع الأولى التي شهدت عمليات الهدم. ورغم تميّزه بالخطاب الهادئ إلا أنه في هذه القضية كان عالي النبرة، إذ يقول: «جئنا لنعلن صرختنا ورفضنا وموقفنا المكابر لكل ما حصل من تعديات على الأوقاف من مسجد أو حسينية وما وقف عليهما، فكل ذلك مرفوض ومقاوم، ومن شأنه ألا يعطي جوّاً من الهدوء وإن بردت الأجواء السياسية». وهو يعكس في ذلك ما نال المؤسسة الدينية من جراح.

حين الحديث عن المؤسسة الدينية، لا نتكلم عن أشباح، بل عن قوى حية فاعلة على الأرض، لها تأثيرها على جمهورٍ عريضٍ، في بلدٍ له مؤسساته الدينية العريقة، وله مواسم دينية يشارك فيها المجتمع بكل فئاته العمرية، ثلاثة أشهر في السنة. ولهذه المؤسسة حوزاتٌ دينيةٌٌ ينتظم فيها مئات الطلاب من الجنسين، ولها حضورٌ يوميٌ في المسجد وتأثيرٌ مباشرٌ على الرأي العام.

كلمات قاسم الهادئ دائماً، كانت مختلفة هذه المرة، إذ استخدم كلمات مثل «المقاومة والرفض المستمر لهيمنة السياسة على الأوقاف أو الإضرار بها». وأعلن التصدي لأية محاولة لمصادرة الأوقاف بهدف إضعاف وإجهاض قضايا الدين والخصوصية المذهبية.

قاسم كشف عن مشروع سابق قدّمه عدد من علماء الدين للجهات الرسمية لإنقاذ الأوقاف مما كانت تتخبط فيه على مدى عقود، بحيث يكون تنظيمها ووضع سياستها وتوجيه موازنتها للعلماء من دون أن يدخلوا في الإدارة أو يتولوا منصباً فيها، مع مراعاة هواجس الدولة بضمان عدم توجيه أية أموال لأية أنشطة سياسية.

الخلاصة أن قاسم طالب ببناء كل ما هدم وإصلاح كل ما خرب، وإرجاع كل ما صودر من أوقاف، وحمل إدارة الأوقاف «الحفاظ على كل شبر أقيمت عليه مؤسسة وقفية، حتى تكون إعادتها محل مطالبة هذا الجيل وكل الأجيال المقبلة وحتى لو أقيم على الأرض الوقفية قصر أو مصنع أو سوق».

السيد عبدالله الغريفي تحدّث بالأرقام، عن هدم ثلاثين مسجداً بالكامل، وتعرض سبعة للتخريب، والعبث بمحتويات عشرة أخرى، وتعرض مقبرتين للتخريب، ومصاحف كثيرة تعرضت للهتك. واعتبر «استهداف طائفة في أعراضها وأموالها ومقدساتها وشعائرها، أمراً خطيراً وله آثاره المدمرة على الأوطان» على حد تعبيره. وربط ذلك بمأزق سياسي كبير، ما لم يعالج معالجة حقيقية، فسيظل ينتج أزماتٍ بعد أزمات... فـ «التأزمات الطائفية نتاج سياسات خاطئة، وليست تعبيراً عن قناعات ورغبات لدى الشعوب».

يبدو أن الجرح عميقٌ عميقٌ، وسيبقى طويلاً كذلك. فالغريفي كرّر الحديث عن الخشية من الهيمنة على المؤسسات الدينية، وتحدّث عن تمييز طائفيّ، وخطاب طائفيّ، وإعلام وتجنيس واستهداف طائفي، وكلها جروح غائرة. وحمّل الدولة مسئولية الهدم، وطالبها بمحاسبة من باشره، مع توفير ضمانات تحفظ للمذاهب خصوصيتها واحترامها في بلدٍ تعددي قائمٌ تاريخه على المحبة والتراحم والتآخي والانفتاح

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 3244 - الإثنين 25 يوليو 2011م الموافق 24 شعبان 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 22 | 2:19 م

      يبدو أن الجرح عميقٌ عميقٌ، وسيبقى طويلاً كذلك .......... ام محمود

      في الأمثال نفول ( من يشوف مصيبة غيره تهون عليه مصيبته ) عندما ننظر الى الدول المحيطة بنا والتي تتقاذفها الفتن والقلاقل يمبنا وشمالا وأعداد القتلى الهائل عندهم وانعدام الأمن والاستقرار والنقص في الغذاء والمؤن والدواء .. ودول اخرى تعاني من مجاعات مخيفة ودول عندها كوارث طبيعية لا تهدأ ..هنا يجب أن نحمد الله سبحانه وتعالى لأنه حمانا من الكثير من الشرور
      علينا في البحرين أن نتماسك ونتوافق ونتوصل الى علاجات طويلة الأمد من أجل الأجيال المقبلة
      _
      ما نعانيه الآن هو ارتدادت لزلازل وهزات الأزمة

    • زائر 21 | 11:39 ص

      نوجه تحيه اجلال واكبار للعلماء الأفاضل خاصة السيد عبدالله الغريفي والشيخ عيسى قاسم ... ام محمود

      لمواقفهم الكبيرة وكلماتهم المضيئة وتوجيهاتهم السديدة فعلومهم الغزيرة ونظرتهم الثافبة البعيدة تساعدنا في هذه الظروف الصعبة التي تمر على مملكة البحرين ..
      علماء الدين من الطائفتين الكريمتين لهم دور ريادي و رئيسي في حفظ الأمة من الغرق والتهاوي في بحور الطائفية والتمزق الداخلي وكلماتهم دائما تحسسنا بالقوة الايمانية القادرة على اخراجنا من المنعطفات الخطيره والمنزلقة ..
      نحن مع توفير الضمانات التي تحفظ للمذهب خصوصيته واحترامه وعدم الاعتداء على مقدساته ومؤسساته الدينية التي يقدر تاريخها بمئات السنين.

    • زائر 19 | 10:12 ص

      5 ,7 ,8

      يبدو ان الزائر 7 يرد على رقم 5، هذا ما فهمته من الربط بين تعليقه وبقية التعليقات. وانا اتفق مع 8 في ان قاسم حسين واضح جدا ولم يتضمن اهانة لاي طائفة أو مذهب بل فيه مطالبة باحترام التعددية والحفاظ على التسامح الذي افتقدناه في هذه المرحلة السوداء.

    • زائر 18 | 8:57 ص

      رد على تعليق رقم (7)

      أعتقد أن مقال السيد واضح جدا، لم يشر الى تجني طائفه أو أحد من الناس وأنما لوم وأتهم الاجهزه الحكومية بعملها الفضيع والذي سوف يكون في ذاكره كل شخص للابد
      تحيايت للرد رق 7

    • زائر 15 | 6:13 ص

      الشعائر مصدر رحمة والفة وليس تفريق

      انت تقول ان الشعائر الدينية حق للجميع، فكيف اصبحت مصدر قلق للآخرين؟ لماذا؟ لماذا التشكيك في الآخرين الذين عاشوا معك سنوات وعقود طويلة متحابني ومتآلفين. اسمها شعائر دينية وليس فيها ما يهدد أحد في حياته او استقراره وا حريته، فلماذا هذا التهويل؟ الدستور كفلها والقانونين المحلية والدولية. فلماذا هذا التشكيك؟.

    • زائر 11 | 3:30 ص

      جرح عميق

      طبعا الجرح عميق يا سيد ولن ينسى بسرعة او بسهولة. لم نكن نتوقع ان يحدث ذلك على الاطلاقفحننح جميعا مسلمون ولا يجوز ان يحدث ما حدث.

    • زائر 10 | 3:05 ص

      الى متى

      متى بتحسون ان الممارسات والشعائر الدينيه الي اهي حق بالنسبه للجميع صارت مصدر ازعاج وخوف للاخرين ...

    • زائر 9 | 2:59 ص

      يا ريتني يا سيد ميت ولم أري هذا اليوم من مآسينا

      أبكيتني وأغريت جروح قلبي بالتثليم يا سيد والله تمنيت ان لم اري ولم اسمع ولم اشاهد ما جري كنا نسمع قصص أبائنا ونقلا عن اجدادنا وجداتنا عن مثل هذه القصص ولكن نراه نتعايشها فهذا جد مؤلم وقاسي علي ان استوعبه إذ مازلت فى دوامة ووجل مما سيحيق لنا ولاجيالنا وليس سوي ربي لاْناجيه ...........

    • زائر 8 | 2:51 ص

      المساجد لله

      هذه الصفحة ما كنا نتمنى أن تكتب في تاريخ البحرين، لأن ألمها سيبقى طويلاً في نفوس البعض، وسيعقبه تأنيب ضمير في نفوس أخرى، لأنه حدثٌ هزّ ركناً من الأركان الوطيدة في تراث هذا البلد القائم على الأخوة الإسلامية ورحابة الأفق والتسامح المشهود. لن أنسي طوال حياتي مشاهد هدم مساجد الله وصور المصاحف المحروقة وتدنيس وتخريب الحسينيات ......

    • زائر 7 | 2:39 ص

      شخصيتان ما أكبرهما

      أشعر بالأمان مع وجود قيادات كبيرة معروفة في الداخل والخارج مثل الشيخ عيسى قاسم والسيد الغريفي أيدهما الله..

    • زائر 5 | 2:00 ص

      البحرين بصفته بلد محافظ منذ القدم

      منذ باكورة الإسلام وهذا البلد الطيب يزخر بشعب له
      التزام ديني فقد دخل هذا الشعب الإسلام برسالة من النبي الأكرم ص لذلك هذا الشعب لم يبارح التزامه الديني وهناك شواهد تاريخية على تأصل الحس الديني لشعب هذا البلد وليس غريبا عليه حميته
      لمساجده ودور العبادة فيه

اقرأ ايضاً