العدد 1378 - الأربعاء 14 يونيو 2006م الموافق 17 جمادى الأولى 1427هـ

وهل يصلح النواب ما أفسده الدهر؟

منى عباس فضل comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

لما تبدو السجالات الدائرة حول استجواب الوزراء سراً، والاستعجال في إقرار مشروع الحكومة بتحويل مشروع الموازنة العامة للدولة للسنتين الماليتين - للمجلس النيابي من أجل إقراره قبل شهور من موعد انتهاء دورته التشريعية الحالية، وكذا مطالب النواب للحكومة برفع موازنة الإسكان ( في المئة - في المئة) وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين وحل مشكلاتهم مقابل تمرير مشروع الموازنة، لما تبدو وكأنها مسرحية باردة وفاضحة للفساد الذي ينخر الوضع السياسي. وهي قمة المهزلة بشحمها ولحمها، وهي الدلالة الفاقعة المعبرة عن وجه الفساد العاري.


ما هو الفساد؟

جاء في تعريف الفساد، أنه استغلال للثقة بهدف الحصول على منافع شخصية، وانه - أي الفساد - يهدد المجتمع، وهو سلوك منحرف ويجسد ثقافة منحرفة، ويعبر عن خلل قد يؤدي إلى الإخلال بالمعايير الأخلاقية والسلوكية. وماذا أيضاً؟

للفساد أنواع ومستويات دنيا تبدأ من الإكرامية (البقشيش)، وتنتهي في حقول السياسة. من أسبابه سوء التنشية الاجتماعية وغياب العدالة، وتدني البناء الأخلاقي وتفشي ثقافة الاستهلاك و«النفعية»، «فالغاية عند المفسدين والفاسدين تبرر الوسيلة». مستويات الفساد تصل إلى السياسة والقانون والإدارة، بمعنى وجود أشخاص غير مناسبين في مواقع المسئولية وأداء الخدمة للمواطن. والفساد يعكس خللا ما في النواحي التشريعية والإدارية والاقتصادية، وضعف لآليات المحاسبة والمساءلة والرقابة وغياب الشفافية وتدفق المعلومات. ومما يزيد الطين بلة، ضعف مؤسسات المجتمع المدني وغيابها وتهميش دورها في المجتمع، ما يؤدي إلى انخفاض أصواتها التي تحاسب الحكومة، وقد تتحول في مرحلة ما إلى توابع لها وتتحالف معها، هذا في حين ان الإعلام قد يجهد كبوق لتبرير أخطاء السلطة والإشادة بإنجازاتها حتى لو لم تكن موجودة.

الأهم من هذا وذاك، تهميش دور المؤسسات النيابية وتحديداً «السلطتين التشريعية والقضائية»، وتحكم وطغيان السلطة التنفيذية بعصب الحياة السياسية والاقتصادية، واحتواؤها المجتمع المدني. وبالتالي عدم تمكين البرلمان من القيام بمهماته وتهميش دوره وتحول البرلمانيين فيه إلى مجرد وسائط لتأدية الخدمات لناخبيهم، ما يهيئ المناخ لانتشار ظاهرة الفساد، ويؤدي إلى فقدان السلطة التشريعية لاستقلاليتها ويصبح أعضاؤها مجرد موظفين شغلهم الشاغل هو الحصول على الامتيازات والمنافع والغنائم والمكرمات والضمانات التقاعدية وبدلات السفر والاستجمام، بدلاً من القيام بدورهم الرقابي والتنافسي لتنفيذ البرامج الانتخابية لصالح المواطن!


الاستجواب سراً فساد برلماني

في واقع الحال، لا عجب لو طبقنا المذكور أعلاه على واقع حراكنا البرلماني محلياً، ووصلنا إلى نتائج غير سارة، منها، دخول الفساد والانحراف إلى المجلس النيابي من أوسع أبوابه ونوافذه. طبعاً هناك دلالات ومعطيات تشي بذلك، منها ان غالبية أعضاء المجلس يسايرون رغبات الحكومة في سن التشريعات المهمة، فهم أثبتوا ذلك عبر تمرير قوانين سيئة ومقيدة، مثل قانون الجمعيات السياسية وقانون التجمعات، والصحافة، وكان أسوأها أخيراً، لاستجابة لمطلب الحكومة في رفض الاستجواب العلني للوزراء. وهم في أحدث مشهد سياسي ينتقصون من هيبتهم التمثيلية للمواطنين وشرعيتهم بالزحف من أجل طرح مطالبهم ومساوماتهم مقابل تمرير مشروع الموازنة الجديدة، فضلاً عما يتردد بشأن مطالبهم الشخصية بمعاشات تقاعدية بعد انتهاء دورتهم الانتخابية وهذا خلاف ما هو معمول به في ديمقراطيات دول العالم. فحسب المختصين والمراقبين ان ذلك سيفاقم من أزمة صندوق المعاشات التقاعدية، وهو ما يعني فقدان المجلس النيابي قدرته التشريعية وتحقق العدالة الاجتماعية للمواطنين بكل فئاتهم وطوائفهم، فضلاً عن فشله الذريع في ضبط الضمانات الرقابية لمعايير التعيينات في الوظائف العليا سواء على مستوى السلطة القضائية أو أجهزة الدولة الأخرى.


نواب حكومة لا شعب

ثمة معطى فساد آخر يتضح من خلال حركة الحكومة الإستباقية في الإسراع بتحويل مشروع الموازنة العامة ومساومات النواب التي أشرنا إليها، إذ ليس هنا في الواقع سوى تفسير وحيد لذلك: وهو التحسب من خوض المعارضة للانتخابات التشريعية المقبلة وتحريكها للملفات العالقة ولعب دورها الرقابي بما هو متاح. إن تحويل موازنة - للمجلس النيابي في الحقيقة يؤشر على انحراف مسار العملية الديمقراطية، ونزوعها إلى هندسة الموقف بما يتلاءم مع مصالح الحكومة ويحقق أهدافها وغاياتها، فإقرار تلك الموازنة في الأصل ليس من اختصاص نواب المجلس الحالي، وكما جاء في بيان الجمعيات السياسية المعارضة الأربع: «هناك خوف عند الحكومة لمحاسبة المسئولين على الفساد وتسريبات الموازنة والمصاريف السرية، ومن تحقيق الاستخدام الأمثل لموارد الدولة، وهو ما لم يقم به مجلس النواب الحالي، كما إنه كيف يمكن للحكومة مناقشة موازنة أكثر من وزارة في جلسة واحدة من عدة ساعات؟». فالنواب بالتمام كما وصفتهم الكاتبة سوسن الشاعر في أحد أعمدتها أخيراً «نواب حكومة». لما لا، وسلوك غالبيتهم اتسم بالتردد والإخلال بثقة الناخب والاندفاع نحو مصالحهم الخاصة، لم لا وغالبيتهم ساعد في إعاقة الكثير من مشروعات القوانين المتطورة كقانون تنظيم عمل الجمعيات السياسية والصحافة، إذ جاءت معظم بنودها في غير مصلحة المواطن.

ويكشف البيان عن اختلال دور أعضاء المجلس قائلا: «إن المجلس النيابي الحالي قد فشل في تفحص إيرادات ومصاريف موازنات السنوات الأربع الماضية إذ تعرضت خزينة الدولة للتسريبات غير المشروعة لتمويل المصاريف السرية وغيرها... التي تقدر بأكثر من مليون دينار». هناك مؤشرات على وجود فوائض مالية ضخمة متحققة من ارتفاع أسعار النفط، لم يتم صرفها في موازنة المشروعات، وهناك توقعات بزيادة حجم الفائض، وهناك تخوف كبير من استخدامه لتضخيم الإنفاق العسكري والأمني!

ماذا يعني هذا الجدل؟ يعني ان ظاهرة الفساد استفحلت وتمددت. يعني من جهة متصلة، سحب لصلاحيات المجلس النيابي المقبل عبر إقرار مشروع الموازنة العامة للسنتين المقبلتين. يعني التعجيل بإصدار قوانين تحصن موقف الحكومة، وتعيد رسم الدوائر الانتخابية لمصلحتها، وتمنع الرقابة المحلية والدولية المستقلة على الانتخابات. يعني كل ذلك بوضوح الشمس في كبد السماء: ان نتائج الفساد ستلقي بظلالها المظلمة على الحراك السياسي المقبل وعلى كاهل المواطن، كما ستشل مسار العملية الديمقراطية والانتخابية برمتها وتهز ثقة المواطن بالمشروع الإصلاحي من الأساس. إنه الفساد... إنه الفساد

إقرأ أيضا لـ "منى عباس فضل"

العدد 1378 - الأربعاء 14 يونيو 2006م الموافق 17 جمادى الأولى 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً