العدد 3372 - الأربعاء 30 نوفمبر 2011م الموافق 05 محرم 1433هـ

التابعة: شيطان أم مخلوق أسطوري سومري

حسين محمد حسين comments [at] alwasatnews.com

.

في الثقافة السومرية، هناك ذكر لثلاثة شياطين مجتمعة معاً مكونة ما يشبه فريقاً ثلاثياً من الشياطين، وهذه الشياطين الثلاثة لها موازيات في الثقافات اللاحقة والتي كونت جذور لعدد من المعتقدات الخرافية والتي بقت رواسبها حتى يومنا هذا. الأول هو ليلو Lilu وهو ذكر وهو الذي تحول لاحقاً إلى الكابوس ثم الجاثوم، والثاني أردات ليلي Ardat-lili وهي أنثى توصف بأنها لم تعرف السعادة وقد جف اللبن في صدرها وهي تسبب اللعنة للرجال والعقم للنساء، ويلاحظ أن لهذه الشيطانة صفات تشترك مع مفهوم المشاهرة أو الكبسة وكذلك الكشحة، أما الشيطان الثالث فهو أنثى أيضاً وتسمى ليليتو Lilitu وهي التي تحولت إلى ليليث التي توغلت في التراث المسيحي واليهودي وأعطيت فيما بعد صبغة دينية، أما في التراث الشعبي في الوطن العربي فقد ضُمن جزء من صفات ليليث مع السعلاة والغول حتى اعتقد البعض أن السعلاة مساوية لليليث، أما ما يساوي لليليث في التراث الشعبي وكذلك في الأدبيات العربية فهي «التابعة» التي تعرف أيضاً باسم القرينة أو التَبِيعَة وتكنى بأم الصبيان، وقد أعطيت التابعة صبغة دينية أيضاً حالها كحال ليليث. وحيث إن هناك فارقاً زمنياً شاسعاً بين ليليتو وليليث والتابعة فقد خضعت تلك المفاهيم لعدد من التغيرات؛ وعليه سنقسم الموضوع إلى فصلين، وسنتناول في هذا الفصل مقارنة بين التابعة وليليث ونتناول في الفصل المقبل مفهوم التابعة وكيفية علاجها عند الجماعات الشعبية المختلفة في البحرين خصوصاً والوطن العربي عموماً.

التابعة في التراث العربي

ذكرت التابعة في كتب اللغة على أنها نوع من الجن، جاء في معجم «تاج العروس» مادة «تبع»: «والتّابِعُ والتّابِعَةُ: الجِنِّيُّ والجِنِّيَّةُ يَكُونَانِ مع الإِنْسَانِ يَتْبَعَانِهِ حَيْثُ ذَهَبَ. ومنه حَدِيثُ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عنه: أَوَّلُ خَبَرٍ قَدِمَ المَدِينَةَ امْرَأَةٌ لها تَابعٌ، فجاءَ في صُورَةِ طائرٍ حَتَّى وَقَعَ، فقالَتْ: انْزِلْ، قالَ: إِنَّهُ ظَهَرَ بمَكَّةَ نَبِيٌّ حَرَّمَ الزِّنَا، ومَنَعَ مِنّا القَرَارَ. والتابِعُ هُنَا: جِنِّيٌّ يَتْبَعُ المَرْأَةَ يُحِبُّهَا. والتّابِعَةُ: تَتْبَعُ الرَّجُلَ تُحِبُّه. وقِيلَ: التّابِعَةُ: الرَّئِيُّ من الجِنِّ، وإِنَّمَا أَلْحَقُوا الهاءَ للمُبَالَغَةِ، أَوْ لتَشْنِيعِ الأَمْرِ، أَو عَلَى إِرادَةِ الدّاهِيَة، والجَمْعُ: التَّوَابعُ، وهُنَّ القُرَنَاءُ».

وأقدم ذكر للتابعة يصفها بأنها شيطانة تخطف الأطفال أو تأكل الأطفال ويكنيها بأم الصبيان فقد ورد في كتاب «شمس المعارف الكبرى» لأحمد بن علي البوني الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي (Hurwitz 199، p. 136). أما أكثر الكتب تفصيلاً عن التابعة فهو كتاب «الرحمة في الطب والحكمة» المنسوب للسيوطي الذي عاش في القرن الخامس الميلادي (انظر طبعة دار الكتب العربية، مصر، 1908م)؛ إذ أفرد للتابعة فصلاً كاملاً (الصفحات 233 – 247). وتبرز التابعة في هذا الكتاب كأكثر المتمردين من الجن والشياطين قسوة وبشاعة في التنكيل ببني البشر، وخصوصاً الأطفال منهم، ولها شكل مخيف وذلك بحسب ما جاء وصفها في الكتاب ووصف لقائها مع نبي الله سليمان عليه السلام: «بينما سليمان بن داود عليهما السلام جالس ذات يوم على كرسيه ... إذ أقبلت عليه عجوز من الجن أنيابها كأنياب الفيل وشعرها كسعف النخيل يخرج من فيها ومنخرها الدخان ولها صوت كالرعد القاصف وعيناها كالبرق الخاطف ذات خلق بديع ومنطق شنيع فلما نظر إليها سليمان عليه سلام امتلأ منها رعباً وخر ساجداً لله تعالى، ثم رفع رأسه وقال أيتها المرأة ما رأيت أقبح منك خلقاً فما اسمك ومن تكوني فقالت اسمي الهمة بنت الهمة أما كنيتي أم الصبيان أسكن الهواء بين السماء والأرض فقال لها يا لعينة على من تسلطين من أولاد آدم وبنات حواء فقالت يا نبي الله على الرديء من الرجال والنساء ... وعلى نفاسهن وعند حيضهن ومنهم من نقطع عنها الدم وهي صغيرة ومنهم نتركها حتى إذا ولدت لطمت ولدها فنتركه لا حي ولا ميت» (ص 238).

وفي رواية أخرى ضمن الكتاب نفسه وقد جيء بالتابعة وهي مكبلة لنبي الله سليمان ويتبين من وصفها أن لها جناحان (ص 234)، ثم بدأت التابعة تسرد لنبي الله سليمان عليه السلام بعض أفعالها فقالت: «أنا التابعة أنا التي أخلي الديار وأنا معمرة الهناشير والقبور وأنا التي مني كل داء ومضرة نومي على الصغيرة فيكون كأن لم يكن وعلى الكبير بالأمراض والأوجاع والعلل والبلاء العظيم والفقر وأسلط عليه ما لا يقدر عليه ونومي على المرأة عند الحيض أو عند الولادة فتعقر ولا يعمر حجرها ونومي على التاجر في تجارته بعد الفرح بالربح فيها فيخيب ويخسر ونومي على الأجير في إجارته لا نخليه يزيد على عشائه في جوفه أكثر ونومي على جميع الصنائع كلها بالذي لا دواء لها ... وأما الصغار فندق عظمهم ونأكل لحمهم ونشرب دمهم ونخلي حجور أمهاتهم ونحب من الصغار والنساء أكحل العينين أحمر الوجه.» (ص 234).

ويختم مؤلف الكتاب فصل التابعة بذكر عدد من التعويذات لدرء شر التابعة وأشهرها ما تعرف بالعهود السليمانية السبعة.


التابعة هي ليليث

أول من ربط بين التابعة وليليث هو Siegmund Hurwitz وذلك في كتابه Lilith the first eve وقد ذكر المؤلف أن التابعة تكنى بأم الصبيان وهي صفة وردت في الزوهار أحد أشهر الأدبيات العبرية الصوفية والذي اعتمد عليه الكابال، ويرجّح Hurwitz أن اليهود اقتبسوا كنية أم الصبيان عن العرب (Hurwitz 1999، footnote no. ، p. 136) إلا أن الكاتب يعود لاحقاً ليوضح أن الزوهار كتب في القرن الثالث عشر الميلادي؛ أي في قرابة كتابة كتاب «شمس المعارف الكبرى» للبوني وهو أول من ذكر وصف التابعة وكنيتها أم الصبيان وعليه لا يمكن الجزم بتحديد من أخذ عن من (Hurwitz 1999، p. 138). ولزيادة المعرفة فإن الكابال أو القبلانية kabbala هي فلسفة دينية سرية عند أحبار اليهود وبعض نصارى العصر الوسيط مبنية على تفسير الكتاب المقدس تفسيراً صوفياً، أما الزوهار zohar فهو أهم كتب التراث القبَّالي وأقدمها، وهو تعليق صوفي مكتوب بالآرامية على المعنى الباطني للعهد القديم، ويعود تاريخه الافتراضي، بحسب بعض الروايات، إلى ما قبل الإسلام والمسيحية.

ولتأكيد أن التابعة هي ليليث فيمكننا رسم النتيجة ذاتها التي توصل لها Hurwitz في كتابه وذلك بتتبع أسطورة ليليث، ولنقرأ بعض منها في بحث أسطورة ليليث لبريجيت كوشو (ترجمة نظيرة الكنز 2007م): «تنتمي أسطورة ليليث إلى أصول تاريخية قديمة جداً، فهي تتصل ببابل القديمة، حيث كان الساميون القدماء يتبنون مجموعة من المعتقدات الخاصة بأجدادهم السومريين، كما ترتبط بأكبر أساطير الخلق ... عُدّت ليليث في البداية باعتبارها من أكبر القوى المعادية للطبيعة تتصدر مجموعة مكوّنة من ثلاثة آلهة: أحدهم ذكر والاثنتان أنثيان: «ليلو Lilû»، و»الليليتو La Lilitû»، و»أردات ليلي L»Ardat Lili ... الاسم السومري «ليل Lil» الذي نجده ممثلاً في اسم إله الهواء «أنليل» يدلّ على: «الريح» و»الهواء» و»العاصفة». إنه هذا الريح الحار الذي ـ بحسب المعتقد الشعبي ـ يعطي الحرارة للنساء أثناء الولادة، ويقتلهن مع أطفالهن .... النصوص الأولى المعروفة التي حاولت إعادة الاعتبار لليليث هي نصوص وُضعت أساساً ضد شيطانية ليليث، والتي منحت التضرعات والطرائق من أجل حمايتها، وخاصة من أجل إبعادها عن الأطفال والنساء الحوامل: وصية سليمان (القرن الثالث قبل الميلاد)، التلمود (القرن الخامس قبل الميلاد)؛ حيث تظهر كذلك في المرتبة الثالثة للشياطين في شكل إنساني تحمل أجنحة الـ(ليلان Lilins) في أبجدية بن سيرا (Ben Sira L»Alphabet de)، في (القرن السابع قبل الميلاد) حيث دوّن المقطع الأكثر شعبية والأكثر نقاء في الأسطورة، و»الزهار La Zohar» في (القرن العاشر قبل الميلاد) الذي أعطى الرواية الأكثر خفاء، و»الكابال La Kabbale» (1600 قبل الميلاد) حيث نرى ليليث تتحد مع إسماعيل».

ونجد في إحدى نسخ Hebrew Kabbalah التي تعود إلى القرن السابع عشر الميلادي والمنشورة على موقع Ritman Library ما يسمى «تعويذة ليليث» «Lilith Amulet»، وقد جاء فيها وصف لقاء ليليث مع نبي الله الياس عليه السلام، وكيف بدأت تعدد له أسماءها المختلفة. ومن الواضح هنا أن كل ما ورد في كتاب «الرحمة في الطب والحكمة» قد ورد أيضاً في الأدبيات العبرية وخصوصاً كتب الكابال. ولا شك هنا أن كلا الأسطورتين ليليث والتابعة مبنية على أسطورة قديمة مشتركة بين التراث العبري والعربي يمكن تتبع جذورها في حضارات بين النهرين

إقرأ أيضا لـ "حسين محمد حسين"

العدد 3372 - الأربعاء 30 نوفمبر 2011م الموافق 05 محرم 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 12:39 ص

      الذكر الثاني هو الصحيح عن تجارب معي

      حتى لو تبحثت بعمق أستاذ حسين فلن تصل لمعناها فهذه التابعة لها معارك مع بني آدم

    • زائر 1 | 11:53 م

      الحكايات الشعبية

      استاذ حسين:
      تراثنا مليىء بالحكايات الشعبية، يا ريت تبحث لينا عن مصدر هذه الحكايات وكيف نشئت، وكيف تطورت وزيدت حتى وصلتنا. ويعطيك العافية على على هالبحوث اللي تنورنا بها بين فترة وثانية وتعيشنا في أزمان قديمة فتنسينا هموم العصر.

اقرأ ايضاً