العدد 3393 - الأربعاء 21 ديسمبر 2011م الموافق 26 محرم 1433هـ

خيانة المثقف لأفكاره السابقة

علي محمد فخرو comments [at] alwasatnews.com

مفكر بحريني

عبر التاريخ الثقافي للبشرية غيَّر جمع من الفلاسفة والمفكِّرين والكتاب بعضاً من آرائهم ومعتقداتهم السَّابقة إلى حدِّ التناقض التام بين ما قيل أو كتب سابقاً وبين ما قيل أو كتب لاحقاً. كان ذلك طبيعيّاً ومقبولاً ـ فالظروف المتغيِّرة والاكتشافات الجديدة ونضوج الإنسان نفسه مع مرور الزَّمن تجعل التغيِّرات الفكرية والعقيدية أمراً محتَّماً، بل ومطلوباً .

لكن هناك فرق بالغ الأهميَّة بين ظاهرة التغيُّر والمراجعة الفكرية المقبولة تلك وبين خيانة ما قاله أو كتبه الإنسان سابقاً، وخصوصاً إذا كانت الخيانة تلك ستنعكس آثارها على واقع الأمة والمجتمع لتزوِّره أو تفسده أو تغويه.

ولذلك فعندما يقوم مثلاً رئيس حركة معارضة عربية، وهو الذي كان محسوباً من المفكرين التقدميِّين المتَّزنين ومن المناضلين الشرفاء غير الانتهازيين، عندما يقوم بإعطاء تصريحات وممارسة أفعال فيها رائحة خيانة لما قاله وكتبه وفعله في السابق؛ فان المنطق يقتضي طرح الأسئلة وتفكيك الأقوال والأفعال، وخصوصاً أن الأمر لا يقتصر على فرد واحد بعينه وإنما يطال أعداداً متنامية من مفكري ومثقفي الأمة العربية عند تعاملهم ضدَّ أنظمة الحكم المستبدة وضمن ثورات وحراكات الربيع العربي المباركة.

السؤال الأول يتعلق بالمنهجية، فالذين نقصدهم كانوا من الذين كتبوا عن الديمقراطية أو أدعوا إيمانهم بأهمية الممارسة الديمقراطية في الحياة السياسية العربية، وكانوا يعيبون على المسئولين الرسميين العرب أنهم يدَّعون تمثيل الأمة في أقوالهم وأفعالهم بينما كانوا في الواقع لا يمثلون إلا ذواتهم المستبدة المنتفخة أو يتكلمون باسم أقلية عسكرية أو قبلية أو حزبية ينتمون إليها. والسؤال إذن، هل تصريحات وأفعال هؤلاء المسئولين في حركات المعارضة تمثّل معتقدات ومواقف وأقوال مجموعة صغيرة يجتمع أفرادها في فنادق عواصم العالم الكبرى ويقررون ويتحدثون استبداداً، ودون أية ممارسة لمنهج الديمقراطية الحقيقية الشفّافة، باسم الكل من أتباعهم؟ وفي هذه الحالة، ما الفرق بينهم وبين المسئولين العرب الذين كانوا ينتقدون ليل نهار؟ بل أليس في ذلك خيانة لأفكار ديمقراطية نادى هؤلاء بها ودبّجوا عبر ماضيهم كله المقالات والكتب حولها؟

من هنا الاستغراب والهلع الذي أصاب الكثيرين منا عندما صرّح أحد الكتاب المثقفين بأن حركة المعارضة التي ينتمي إليها اتخذت قرارات منذ الآن، وقبل تسلمها الحكم، بشأن قضايا بالغة الأهمية للأمة العربية، من مثل موضوع توازنات القوى في الأرض العربية أو موضوع المقاومتين العربيتين المباركتين في لبنان وفلسطين. هل فات على هذا القائد المثقف مقدار الزلزال السياسي والأمني الذي ستحدثه تصريحاته بشأن موضوعين مصيريّين في الحياة القومية العربية؛ يتعلق أولهما بتوازن القوى بين الامبريالية الأميركية وأتباعها من جهة وبين قوى الرافضين لتلك الهيمنة الأميركية من جهة ثانية؟ ويتعلق الثاني بأقدس وأطهر ظاهرة أفرزتها الأمة، ظاهرة المقاومة الباسلة للوجود الصهيوني الهمجي في فلسطين المحتلة؟

لكن أخطر ما في هذا التصريح ما لا ينطق به ويخفيه تحت ستار التخمينات. ألا يخاف أن تتهم حركته بأن هذه التصريحات المفجعة هي الثمن الذي تدفعه للحصول على مباركة ومساندة الخارج لتنجح في الداخل؟ وإلا فمن المستفيد الحقيقي من هذه التصريحات غير الثالوث الأميركي والصهيوني والعربي المتعاون المطيع؟

دعنا نكن صريحين: ليست هذه التصريحات المفجعة تغيراً في وجهة نظر قابلة للأخذ والعطاء، وإنما هي خيانة لمواقف وأفكار ومؤلفات وأحاديث سابقة. ونحن هنا لا نتّهم أحداً بالعمالة ولا نتحدث عن خيانة الأوطان، وإنما نشير إلى خيانة النفس والضمير والتاريخ المكوّن للشخصية والذَّات. ومع ذلك لنسأل: في أية خانة نضع هذه التصريحات المفجعة؟

هل نضعها في قول الشاعر الأميركي ت . إس. إليوت من أن «أكبر الخيانات هي عمل الشيء الصحيح للأسباب الخاطئة»، فيحقُّ لنا عندئذ أن نتساءل إن كانت مقاومتكم للاستبداد تقوم أساساً على أسباب خاطئة؟

هل نضعها في قول ملكة بريطانيا إليزابيث الأولى منذ أربعة قرون «في الثقة وجدت الخيانة»، فنتحسَّر على فجيعتنا في الثقة التي منحناها لوطنيتكم وإخلاصكم وحسن نواياكم؟

أم نصنّف أقوالكم بأنها تخرجكم من زمرة المثقفين الملتزمين عندما نتذكر ما قاله الكاتب الفرنسي ألبرت كامو من أن «المثقف هو الشخص الذي لديه عقل يراقب نفسه»، إذ من المؤكد أن تصريحاتكم تشير إلى أن عقلكم بالنسبة إلى هذا الموضوع قد اغتال نفسه بدلاً من مراقبة نفسه؟

لكن لن نسرد كل ذلك مع الأسف على كثير من انتهازيّي الثقافة بل سنحيلهم إلى كتاب الفيلسوف الفرنسي جوليان بندا المعنون بـ «خيانة المثقفين» الذي كتب في بدايات القرن الماضي عن مثقفي أوروبا، فلعلّ مثل هؤلاء المثقفين يجدون فيه ما يجعلهم يراجعون أنفسهم، وذلك بعد أن كثرت خيانات الفكر الذي بناه هؤلاء عبر العشرات من السنين من حياتهم السابقة الناصعة

إقرأ أيضا لـ "علي محمد فخرو"

العدد 3393 - الأربعاء 21 ديسمبر 2011م الموافق 26 محرم 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 13 | 2:45 ص

      دكتورنا أمي من زمان تركت القدو والغليون وما عادت تدخن لانه مضر

      وامثال هذا القدو للاضرار بصحة الانسان وتفكيره هى كثيرة متنامية فى اطراف عالمنا اليوم كلن يريد التحويش ي يحصل له غليون كي يدخن باعتقاده انها ستنجلي

    • زائر 12 | 2:41 ص

      رأس المواطن العربي مابين المطرقة والسنديان

      أكثر مانخافه من هذا الربيع العربي أن تذبل أ زهاره وينتهي الحصاد بثمار سامة تقتل الشعوب الفقيرة التي تنتظر أن تشبع

    • زائر 9 | 1:07 ص

      نعم المقال في زمن عزّ فيه الرجال الاحرار

      ضلال المثقف هو سبب ضلال الأمة لأن أصحاب الفكر المستنير هم من يقودون حركات التحرر والتقدم والتطور إذا سخّروا أقلامهم وفكرهم لخير هذه الأمة
      أما إذا أصبحت دكتوراتهم وتعلمهم هي مجرد لملأ
      مخابيهم وحساباتهم بالأموال فإنهم يبعون فكرهم
      وضميرهم وكل ما يملكون من أجل حفنة من الاموال
      والامور المادية وتراهم يكذبون عينك عينك على الفضائيات وكل ما اعترف به العالم من أمور يظهر
      من يسمي نفسه بمثقف وهو على استعداد
      لتكذيب كل العالم من اجل ان يحصل على ظرف
      به بعض النقود التي لن تنقد مستقبله

    • زائر 8 | 1:01 ص

      دكتوار اسمح لي ان افتخر بك كمفكر بحريني حر

      دكتور رغم التشويه اللمنهج للمقاومه الغلسطينيه ممثله في حماس والمقاومه اللبنانيه ممثله في حزب الله ماذا صنع العرب بترسانتهم الحربيه طيله الستين سنه الماضيه الترسانه العربيه لم تستعمل الا لاسكات الشعوب الحره الثائره استرجع الذاكره دكتور ربما اصبت انا بلزهايمر هل اطلق احد من الحكام العرب رصاصه واحده بتجاه اسرائيل رغم تكديس عتاد بمليارات في مخازن الدول العربيه الغنيه التى تحرم شعوبها من الخبز لتشتري احدث منظومه قتاليه في العالم وبعد سنين تصبح هذه المنضومه تحفه في المتحف العسكري في احسن الاحوال

    • زائر 7 | 12:51 ص

      علامة السر ..

      و السر بسيط فى هذه الحالات إما تركوا العزه و دخلو الذله من اوسع ابوابها بمعنى باعوا انفسهم و هى النفس الإمارة بسوء ام هى قضية الأنفصام الشخصى المعنوى و المادى .

    • زائر 6 | 12:36 ص

      سيكون شاهدا على العصر

      برهان غليون عالم الاجتماع رأى أن في تصريحاته هذه أنها الطريق الناجع والسريع للوصول إلى الهدف وهو السلطة في بلده ، ربما صرح بذلك نظرا لقراءاته للمشهد الدولي والمشهد العربي الممزق الذي وضع كل بيضه في سلة واحدة وهي السلة الاأمريكية الصهيونية ، فلم يعد يعول على سلة العرب لاهترائها ولاتساع الثقوب فيها ، تغيير المواقف والتصريحات أصبحت أداة ووسيلة للتسلق السريع لقمة الجبل رغم معرفته بأنه بسرعته هذه قد يسقط سقطة لا قيام من بعدها ، والتاريخ شاهد على ذلك ، وسيكون هو شاهدا على العصر فيما بعد.

    • زائر 4 | 12:16 ص

      أحسنت يا دكتور

      وانا اقرأ مقالكم الرائع وتتجلى أمامي صور كثيرة من من مثقفينا و ( نخب من السياسيين ) من يدعون انهم تقدميون ومفكرون وكتاب ومنظرون كيف تحولوا في ليلة وضحاها الى أبواق تنعق

    • زائر 1 | 9:42 م

      شكرا لكل حر شريف

      شكرا للدكتور علي فخرو على ثباته ومواقفه الراسخه ... وبالفعل يا دكتور هناك كتاب وسياسيون كـثر من الذين كشفت الاحداث إن كل ما كانوا يدعون إليه وينادون به في فترة من فتران النضال ...تصرفوا تصرف الطغاة والجشعين وهدموا كل ما كانوا ينادون به وسقطوا سقوطا مريعا .. فشكرا لكل من ثبت مواقفه الحقة ولم تزلزله صروف الدهر والمغريات .. شكرا لكل حر شريف لا يساوم على الحق مهما كانت الظروف .

اقرأ ايضاً