العدد 3512 - الأربعاء 18 أبريل 2012م الموافق 26 جمادى الأولى 1433هـ

الربيع العربي وأسئلة الاقتصاد... الدّعم

علي محمد فخرو comments [at] alwasatnews.com

مفكر بحريني

في المقالين السابقين طرحنا الأهمية القصوى لإعادة مراجعة تعاملنا مع الاقتصاد العربي، سواء على المستوى الوطني أو على المستوى القومي، وبيّنا أن هناك حاجة إلى الخروج من نمط الفكر الليبرالي الجديد في الاقتصاد المدعوم من قبل الدول الغنية الرأسمالية والقاضي برفع كل أنواع الحماية والدعم لمؤسسات الصناعة والاقتصاد الوطنية، وبحرية التجارة والأسواق بصورة شبه مطلقة، وبخصخصة مؤسسات الدولة الاقتصادية والخدمية.

وقد بيّنا أن الادعاء القائل بأنّ الدول الغنيّة قد أصبحت غنية بفضل تبنّيها لسياسة حرية التجارة والأسواق يدحضه تاريخ تلك الدول، فغالبيتها الساحقة قد مارست سياسات الحماية والدعم لصناعاتها إلى أن وقفت على أرجلها وأصبحت قادرة على المنافسة العولمية. وهناك ألوف الدراسات التي تبيّن أن لا أمل على الإطلاق للدول النامية للّحاق بالدول الغنيّة المتقدمة إلا إذا أصرَّت على حقّها في ممارسة الحماية وشتّى أنواع الدعم لصناعاتها الوليدة ولمنشآتها الاقتصادية الحيوية.

دعنا نبرر سياسة الوجهين التي يمارسها الغرب مثلاً. ففي الوقت الذي يدفع منظمة التجارة العالمية لمطاردة دول العالم الثالث في كل خطوة يُشتَمُّ فيها الحماية أو الدعم، تدعم الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا قطاع الزراعة بمئات المليارات من الدولارات سنوياً. ومن أجل أن تبقى صناعاتها متفوقة على صناعات الغير فإنّ حكومات تلك الدول تدعم بصورة مباشرة أو غير مباشرة نشاطات ما يُعرف بالبحث والتطوير، حتى يصل الأمر إلى سبعين في المئة من نفقات هذا النشاط في الولايات المتحدة الأميركية تقوم بتدبيره حكومة ذلك البلد.

وفي الشرق ما كان لصناعة السيارات اليابانية أن تقف على رجلها لولا الدعم الحكومي لمدة ثلاثين عاماً. لولا ذلك لما وُجدت شركة تويوتا العملاقة أو لكانت اليوم فرعاً من فروع إحدى شركات السيارات الأميركية. ومن المعروف أن حكومات كوريا الجنوبية قد مارست كل أنواع الحماية والدعم بين عامي 1960 و1980 حتى استطاعت أن تقوم فيها مؤسسات من مثل شركة سامسونج الإلكترونية وشركة هيونداي للسيارات الكورية.

بل إن هاتين الدولتين، وغيرهما كثير، لم تسمحا لرؤوس الأموال الاستثمارية الأجنبية بالاستثمار في الحقول الصناعية والاقتصادية الوطنية من أجل حمايتها من المنافسة في فترة طفولتها. وكانت سياسة توجيه الاستثمارات الأجنبية لتساهم في بناء الاقتصاد الوطني، وليس في مزاحمته أو تدميره أو الاستيلاء عليه، هي السياسة التي اتبعتها دول الغنى الرأسمالي الجديدة، وعلى الأخص في الشرق الأقصى وجنوب أميركا.

من هنا آن الأوان لأن ندرك، سواء في أقطار البترول الغنية أو في دول الفقر العربية، بأنّ قبولنا بشروط إنهاء الحماية والدعم لمؤسساتنا الصناعية والزراعية والاقتصادية، كما تفرضها دول الغنى الرأسمالية الغربية والشرقية من خلال منظمة التجارة العالمية، أن قبولنا بتلك الشروط سيعني بقاءنا دولاً مصدرة للمواد الخام، البترول والغاز والفوسفات، إلى حين انتهائها، ثم ننتقل بعدها إلى التبعيّة الكاملة وتصنيفات دول الفقر والمساعدات الدولية المشروطة.

ولن يمكن مقاومة ذلك البلاء إلا ككتلة عربية اقتصادية واحدة متناغمة ومتساندة، وإلا ككتلة متعاضدة إلى أبعد الحدود مع دول العالم الثالث النامية الأخرى المماثلة لنا.

وما كان بالإمكان الحديث عن ممارسة اقتصادية عربية وطنية وقومية جديدة عندما كان الطُّغاة الفاسدون من بائعي الأوطان يحكمون كل الأرض العربية، وعندما كان تحدّي مرتكزات الفكر الليبرالي العولمي الجديد، الممعن في ظلمه واستهزائه بالقيم التكافلية، غير مجدً وغير مفيد وغير مسموع عند أصحاب القرار وبطانتهم الانتهازية اللصوصية.

أمَا وأن شباب الأمة العربية في كل أقطارها قد قلبوا طاولات الاستبداد وأيقظوا وعي الجماهير ونفخوا في الأمة روح الأمل في تغييرات كبرى قادمة فإنّ طرح أسئلة الاقتصاد، مع أخواتها أسئلة السياسة والاجتماع والثقافة، قـد أصبح مجدياً وضرورياً.

إقرأ أيضا لـ "علي محمد فخرو"

العدد 3512 - الأربعاء 18 أبريل 2012م الموافق 26 جمادى الأولى 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 4:27 م

      الاقتصاد و التجارة

      من أن المعروف التاجر يبيع ويشتري وان التجارة عبارة عن رأس مال وعمل في السوق. فالرأس والعمل ( مال وأعمال) محركان رئيسيان للتجارة. فأين اقتصاد البلاد؟؟
      هل هو اقتصاد قائم على البيع والشراء " اقتصاد السوق"؟
      ام البلد بلا اقتصاد؟

    • زائر 3 | 7:28 ص

      دكتور مشكور بس هذا المقال او الطرح قوي

      المقال اعتقد واجزم ان الدكتور يشاركني الرأي ذاته ان هذا الطرح واجد قوي على ساستنا فقد اثبتت الاحداث المتلاحقة ان ربان سفن الوطن العربي مازالوا يمارسون دورهم في اصطياد الجواري والمحضيات ولا همة لهم على ركوب الصعبة ولا بلوغ حلم التعلق بالنجوم ! فقط نجوم ستار اكاديمي تكفيهم ! ويجدون ان لعبة الاتاري هي آخر ما يطمحون اليه بل ودوا لو شعوبهم تعود لعصر هبل ومناة .

اقرأ ايضاً