العدد 3532 - الثلثاء 08 مايو 2012م الموافق 17 جمادى الآخرة 1433هـ

الإصلاح الدستوري في البلدان العربية (1)

عبدالنبي العكري comments [at] alwasatnews.com

ناشط حقوقي

إن الإصلاح الدستوري للأنظمة العربية التي تشمل الأنظمة الديكتاتورية والتسلطية والاستبدادية والديمقراطية النسبية من الصنفين الجمهوري والملكي، شرط ضروري طوال عقود. إن أحد أوجه انحطاط الأنظمة العربية الجمهورية هو تحولها إلى نظم حكم وراثية كما تحقق في سورية وكما كان مخططاً له في مصر وليبيا واليمن ويطلق عليها وصف (جملكة) والتي تعني هجيناً من الملكية والجمهورية. أما الأشكال الأخرى لهذا الانحطاط فهي كما يلي:

-1 اندماج السلطة السياسية والسلطة المالية ضمن الدائرة الضيقة للنخبة الحاكمة.

-2 مركزة النخبة الحاكمة حول الأسرة الحاكمة وأقربائها وشركائها الماليين، ففي اليمن هناك عشيرة سنحان وفي سورية أسرتي الأسد ومخلوف، وفي ليبيا عائلة القذافي، وفي تونس عائلتي بن علي والطرابلسي وفي مصر آل مبارك. ويتم تعزيز روابط النخبة الحاكمة عن طريق المصاهرة والشراكات التجارية. أما الدستور في معظم الجمهوريات العربية فتتم صياغته أو تعديله ليعطي سلطات واسعة للرئيس ويسمح بتجديد الرئاسة. أما الاستثناء فهي ليبيا، حيث لا يوجد دستور، وبدلاً منه إعلان الجماهيرية في سرت، حيث بويع الكولنيل معمر القذافي كقائد للثورة فوق المحاسبة. وفي معظم هذه الدساتير فليس هناك منصب نائب الرئيس أو أن يترك الرئيس تعيين نائب له. وفي جميع الحالات، فالرئيس القادم المرتقب هو ابن الرئيس، أما أفرع الدولة مثل مجلس الوزراء والبرلمان والقضاء والمؤسسات المستقلة فهي خاضعة للرئيس.

في الأنظمة الملكية تناط سلطات واسعة بالملك أو السلطان أو الأمير، باستثناء المغرب والأردن، حيث تمارس الملكية سلطاتها بالتوافق مع الأسرة الحاكمة.

الإصلاح الدستوري كقضية جوهرية

يمثل الإصلاح الدستوري جوهر نضال الناس من أجل الإصلاح طوال عقود، ويشمل ذلك حركات الإصلاح بكل تلاوينها (الإسلامية والعلمانية والديمقراطية) في جميع البلدان العربية كما يلي:

-1 الحد من سلطة رأس الدولة في إطار توازن وتعاون مختلف السلطات للدولة، ففي مصر أعلن السادات أنه آخر الفراعنة، وهو الأمر ذاته للحكام العرب الآخرين.

-2 الحد من فترات حكم الرئيس إلى فترتين فقط.

-3 ضمان التعددية في الحياة السياسية، حيث إنه في معظم الأنظمة الجمهورية، فإن الحزب الحاكم هو المهيمن على الحياة السياسية ومحتكر السلطة كما هو الحال في تونس ومصر وسورية وليبيا واليمن والسودان.

-4 ضمان تداول السلطة من خلال انتخابات تنافسية حرة (رئاسية وبرلمانية).

-5 ضمان النص والآليات لحياة سياسية ديمقراطية حيث تصان حقوق الأقليات وأن لا تخضع لسلطة الأغلبية السياسية والإثنية والدينية.

-6 ضمان حياة مدنية، والحريات العامة والفردية وحرية التنظيم والتجمع والتعبير.

كيف يمكن تحقيق هذه الاصلاحات الدستورية؟

-1 تونس:

نجحت الثورة التونسية بامتياز وسلاسة وإجماع وطني. حازت القوى السياسية الرئيسية على أغلبية برلمانية، حيث يناط بالبرلمان وضع الدستور.

اتفقت الأحزاب السياسية الرئيسية الثلاثة (النهضة والجمهورية والديمقراطية) بالمشاركة في السلطة وضمان تحول سلس تجاه النظام الديمقراطي ويبدو أن ذلك يعمل جيداً.

-2 مصر: ترتب على الإطاحة بمبارك ثنائية السلطة غير المستقرة فالمجلس العسكري الأعلى والقوة الإسلامية المنبثقة من الانتخابات النيابية، هما أقوى سلطتين، ويتوقع إجراء أول انتخابات رئاسية تعددية في 23-24 مايو/ أيار 2012، حيث المرشحون من مختلف الأطياف السياسية بمن فيهم الشاطر عن الإخوان المسلمين والجنرال سليمان القائد السابق للمخابرات ونائب الرئيس مبارك في آخر أيامه. لكن هناك اضطراباً بشأن صياغة الدستور الذي أوكل إلى لجنة من 100 عضو. فالبرلمان الذي الذي يسيطر عليه الإسلاميون عن 50 من أعضاء اللجنة في حين يتم اختيار 50 آخرين من الأحزاب الأخرى والمجتمع المدني والخبراء والقضاة والمؤسسات الدينية.

لقد عمد الكثير من غير تحالف الإخوان السلف إلى الاستقالة احتجاجاً على هيمنة هذا التحالف، وفي خطوة دراماتيكية أبطلت المحكمة الإدارية العليا، اللجنة الدستورية، وقد خلف ذلك حالة من عدم اليقين، وعلينا أن ننظر تطورات عملية صياغة وإقرار الدستور ومن ثم عملية الإصلاح الدستوري في مصر وطبيعته واتجاهاته.

-3 ليبيا: في ليبيا يقوم المجلس الوطني الانتقالي بالإشراف على الانتخابات المرتقبة المستندة إلى نظام التعددية الحزبية، لكن الصيغة لم يتم التوصل إليها بعد توقيع أن يضع البرلمان القادم الدستور الجديد.

في البلدان الثلاثة المذكورة فقد تمخضت الثورة عن هيمنة للإسلاميين من مختلف الأطباق. ففي تونس هناك الإصلاحيون المعتدلون، وفي مصر هناك المحافظون وفي ليبيا هناك الإسلاميون القبليون، وهذه الصفات ستنعكس على صياغة الدساتير.

هنا فإن عدة قضايا على المحك.

- ضرورة التوازن بين مختلف سلطات الدولة.

- هوية الدولة وتركيبتها من عناصر الإسلام والعروبة والقوميات والأديان.

- دور الشريعة كمصدر للتشريع.

- هناك إمكانية كبيرة في مصر وتونس للتوافق لصيغة متوازنة ما بين الرئاسة ورئاسة الوزراء والبرلمان، ولكن المستقبل في ليبيا غير معلوم خصوصاً في ضوء طرح الفيدرالية واللامركزية وتشارك السلطة فيما بين المناطق والقبائل في ظل وضعية مهزوزة للدولة.

-4 اليمن: تم التوصل إلى صفقة الانتقال ما بين الحزب الحاكم (المؤتمر) والمعارضة (أحزاب اللقاء المشترك) من خلال المبادرة الخليجية وضمانات الدول الخمس الكبرى + ألمانيا. وقد مكنت إزاحة الرئيس المتمرس في الحكم علي صالح من فتح الطريق لمرحلة انتقالية لسنتين، ومكنت من تلازم الرئيس عبدربه منصور هادي وتحالف حكومي برئاسة سالم باسندوه والتي يجب أن تشرق على المصالحة الوطنية والإصلاحات بما في ذلك الإصلاحات الدستورية.

ويتوجب أن يتم ذلك من خلال حوار وطني لجميع الأطراف السياسية بما في ذلك الحوثيون في صعدة والحراك الجنوبي ويستثني تنظيم «القاعدة» والمسلحون الأصوليون. ويتوجب أن يعالج الإصلاح الدستوري قضايا مثل توازن السلطات (الرئاسة ورئاسة الوزراء والبرلمان) وتداول السلطة واللامركزية واحتمال الفيدرالية بين الشمال والجنوب والديمقراطية وضمانات الحريات.

لا يبدو أن الانتقال يتم بسلاسة وسط حرب ضد «القاعدة» وتجاذب ما بين أنصار صالح والسلطة الانتقالية وانهيار اقتصادي واحتمال مواجهة مع الحوثيين. لذا فإن الإصلاح الدستوري هو محل تكهن.

-5 سورية: سورية تمر بحالة حرب. وسط ذلك أدخل الرئيس الأسد تعديلات دستورية للإصلاح والتي جرى إقرارها في استفتاء شكلي. لكن ذلك لا يعني شيئاً للمعارضة. وبموجب التعديلات الدستورية فقد ألغيت المادة التي تنص على قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، وحددت فترة الرئاسة بدورتين وتسهيل الترخيص للأحزاب.

وبالمقابل فإن المعارضة تقترح دستوراً آخر مختلف كلياً عن الدستور الحالي مع تعديلاته، حيث ينص على الليبرالية واللامركزية والمواطنة المتساوية وحريات واسعة سياسية واقتصادية واجتماعية. وقد بادر الإخوان المسلمين بإعلان دعمهم للدولة المدنية غير الدينية والمواطنة المتساوية بغض النظر عن الدين والمذهب والقومية أو النوع الاجتماعي.

أما مبادرة الأمم المتحدة للتسوية فهي في مراحلها الأولى وليس مؤكداً كيف ستجري الأمور. وعلى أية حال فإن احتكار وهيمنة عائلة الأسد/ البعث على السلطة قد انتهت نظرياً، لكن الدستور الديمقراطي هو ثمرة نظام جديد.

-6 المغرب: شهد المغرب ثورة 20 فبراير/ شباط 2011 والمستمرة حتى الآن رغم إضعافها. عالج الملك محمد السادس الأزمة بمهارة كبيرة. وقد عمد خلال عهده إلى إدخال تعديلات دستورية وقانونية وممارسة السلطة، التي ابتعدت عن حكم أبيه الحسن الثاني. لكن انعكاسات الربيع العربي المحلية دفعت الملك محمد السادس والقوى السياسية الرئيسية للتوصل إلى صفقة إصلاحات دستورية واسعة تمت صياغتها من قبل اللجنة الدستورية، والمشكلة من ممثلي الأحزاب الرئيسية والاتحادات العمالية والخبراء، ثم جرى الاستفتاء عليها شعبياً وحصلت على الغالبية المطلقة، لكن المشاركة كانت ضعيفة وبموجب هذه الإصلاحات فقد سلم الملك صلاحيات مهمة إلى رئيس الوزراء (الوزير الأول) والذي يكلف من الحزب أو تحالف الأحزاب ذات الأغلبية البرلمانية والاعتراف بالقومية الأمازيغية واللامركزية.

واستناداً إلى الدستور الجديد فقد جرت انتخابات نيابية في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2011 حيث فاز حزب العدالة والتنمية الإسلامي المعتدل بالغالبية، وقد قاد الحزب مع تحالف الأربعة أحزاب وسطية وبالتالي تجاوز المغرب الفوضى، وضمن تحولاً تدريجياً. ولكن ثورة 20 فبراير والأحزاب الراديكالية والكثير من الناس يعتقدون أن الدستور الجديد دون طموحاتهم. ولايزالون يعتقدون أن الملك (المخزن، بالتعبير المغربي) ممسك بسلطة مطلقة وخصوصاً من خلال مستشاريه.

-7 الأردن: منذ أن وصل الملك عبدالله الثاني إلى الحكم في 1999، فقد بدأ في إجراء تغييرات في المؤسسات والقوانين والممارسات في إدارة الدولة باعتدال بعيداً عن حكم أبيه الملك الحسين بن طلال. كما شهد الأردن تواتراً سريعاً للحكومات والانتخابات البرلمانية وكبار المسئولين.

شهدت فترة حكم الملك عبدالله الثاني توسعاً للفضاء العام للحركات السياسية والمجتمعية والنقابية وحريات التعبير والتنظيم. وقد رافق ذلك مع وضع ضوابط على دور المخابرات العامة القسري.

لقد اجتاح الربيع العربي الأردن أيضاً، ورفع من طموحات الشعب الأردني، فقد بدأ بتجمع في ساحة جمال عبدالناصر والتي جرت إزالة معالمها، لكن الحركة استمرت لتشمل أهم المدن وفي هذه الحالة فإن الأردنيين كانوا في المقدمة فيما الأردنيين من أصول فلسطينية في الصفوف الخلفية. شملت المطالب استئصال الفساد وإصلاحات دستورية وتعديلات النظام الانتخابي.

لكن الإصلاح الدستوري اقتصر على تعديلات في النظام الانتخابي قبل بضعة أيام حيث أعلن رئيس الوزراء عزي الخصاونة عن مشروع القانون الانتخابي الجديد الذي سيعرض على البرلمان لإقراره والذي هو هجين من النظام الفردي والقائمة الانتخابية. كما رفع نصيب الكوتا الفسائية من 10 إلى 15 وينص على تشكيل هيئة وطنية للعملية الانتخابية.

هذه الإصلاحات هي دون مطالب المعارضة بمن فيهم الإخوان المسلمون (جبهة العمل الإسلامي) والعلمانيون. ومن المحتمل أن يقاطع الإسلاميون والعلمانيون الانتخابات القادمة المتوقعة خلال 6 أشهر. أما الإصلاحات الواسعة في الأردن فهي مسألة وقت.

إقرأ أيضا لـ "عبدالنبي العكري"

العدد 3532 - الثلثاء 08 مايو 2012م الموافق 17 جمادى الآخرة 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 8:54 ص

      مأذن في خرابة

      مقال جميل يا استاذ ابو منصور

      لكن لقد اسمعت لو نادية حياً ولكن لا حياة لمن تنادي مقال

اقرأ ايضاً