العدد 1405 - الثلثاء 11 يوليو 2006م الموافق 14 جمادى الآخرة 1427هـ

عالم مغاير

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

بعد أيام تبدأ في سان بطرسبورغ قمة «مجموعة الثماني» التي تضم أميركا وروسيا واليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وكندا. وأمام القمة الكثير من الملفات الدولية والاقتصادية والأمنية. ويرجح أن تتفق على بعضها وتؤجل بعضها الآخر نظراً إلى تفاوت الوجهات في تقدير المواقف. فروسيا تنظر إلى بعض الملفات من مكان لا يتفق بالضرورة مع الرأي الأميركي. والولايات المتحدة أيضاً لا توافق على بعض توجهات دول الاتحاد الأوروبي. ولذلك ستكتفي الدول في قراءة بعض الملفات الحساسة أو الطارئة مثل أزمة الصواريخ الكورية والرد الإيراني على «الحوافز» مقابل تجميد نقاط ساخنة في العالم.

هناك الكثير من القضايا المهمة ستبقى عالقة لكونها مشكلات مزمنة مثل الفقر والبيئة والعطالة عن العمل وغيرها من مسائل تتصل بالمياه والطاقة والتوترات الحدودية.

هذا العجز في السيطرة على مشكلات العالم والفشل في احتواء تلك الاضطرابات وعدم القدرة في ابتكار الحلول للازمات... كلها مؤشرات تدل على أن «مجموعة الثماني» لم تعد قادرة على بسط نفوذها ولا تملك الإمكانات الكافية التي تعطيها أفضلية في تقديم الحلول لشعوب تعاني من أزمات واضطرابات. فالعالم أكبر وباتت تلك المؤسسات التي تشكلت في فترة معينة في وضع لا يسمح لها بالتكيف مع الازمات والتحرك بسرعة لاحتواء تداعياتها.

قمة مجموعة الدول الصناعية تأسست أصلاً في مرحلة «الحرب الباردة» وكانت أشبه بمؤسسة رأسمالية حددت سلسلة أهداف أبرزها مواجهة الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي. ونجحت الهيئة بعد مواجهات اتسمت بالسخونة في كثير من الأحيان في زعزعة المعسكر السوفياتي وإسقاطه.

هذا النجاح وضع الدول السبع آنذاك أمام مهمات جديدة وكان من الصعب عليها التقاط عناصرها من دون إدخال روسيا في المجموعة حتى تستخدم ثقلها في إطار من التوازنات الإقليمية الجديدة.

دخول روسيا على خط المجموعة رفع عددها إلى ثماني دول وأعطى دفعة لقوتها وزاد من حيويتها إلى فترة محددة. إلا أن المجموعة عادت ووقعت في مشكلات غير منظورة أبرزها نمو قوة الاتحاد الأوروبي الاقتصادية وبروز الصين في شرق آسيا كمركز استقطاب للرساميل والاستثمارات والتجارة الدولية. كذلك عودة الهند للظهور مجدداً على المسرح الدولي. ويضاف إلى الصين والهند في آسيا البرازيل في أميركا الجنوبية.

العالم إذاً أخذ يتغير، وتلك التقسيمات السياسية التي ظهرت في سبعينات القرن الماضي لم تعد صالحة للاستخدام في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. الصين مثلاً قطعت الأشواط المطلوبة لتحتل المرتبة الثانية عالمياً وبقي عليها أن تستكمل الخطوات الأخيرة لأخذ الموقع الأول. والهند أيضاً دخلت غمار السباق وهي تحتاج إلى ثلاثة عقود لتحتل الموقع الثالث بعد أميركا والصين. والبرازيل تعتبر من الدول الواعدة ويرجح أن يكون لها مكانتها الدولية في العقود الأربعة المقبلة.

هذه الدول الثلاث (الصين، الهند والبرازيل) قوى عظمى سكانياً وهي في طريقها إلى التحول إلى قوى عظمى اقتصادياً. وهذا النوع من المتغيرات بات يشكل ضغطاً على قرارات «مجموعة الثماني». فما معنى أن تكون كندا من المجموعة والصين خارجها. وما معنى أن تكون إيطاليا أو بريطانيا أو فرنسا من المجموعة بينما الهند والبرازيل خارجها.

في السابق، لجأت واشنطن إلى التقسيم السياسي في التصنيف الاقتصادي لحجم الدول ومكانتها ودورها العالمي في الإنتاج والمال والتسويق والتجارة. وبسبب ذاك التوصيف الايديولوجي وضعت الولايات المتحدة دول «المعسكر الاشتراكي» خارج المدار. اما الآن فإن تلك الذريعة الايديولوجية سقطت ولم يعد بإمكان «العالم الرأسمالي» تجاهل قوى دولية جديدة صاعدة خارج سياق التحكم الأميركي بلعبة السوق وحركة رأس المال. وبالتالي فإن توسيع دائرة المجموعة بإعادة هيكلة منظوماتها وتوجهاتها باتت ضرورية حتى تستطيع تلك الدول متابعة سياسة التحكم بمراكز الصراع وظهور كيانات إقليمية منافسة أو عندها الاستعداد لرسم معالم جديدة في طريق تحقيق النمو والتطور.

العالم إذاً أكبر من الولايات المتحدة وقدرة هذه الدولة على رسم مسار التطور. فالدول الإقليمية الجديدة والصاعدة من آسيا إلى أميركا اللاتينية صمدت أمام التحديات المعاصرة ونجحت في تذليل الكثير من العقبات وتخطت تلك الحواجز التي تضعها أميركا لمنع احتمالات ظهور مراكز بديلة تقلب التوازنات التي استقرت لفترة ليست قصيرة بين العوالم (الأول والثاني والثالث) أو بين ما كانت تسميه «دول الشمال» و«دول الجنوب».

الآن وبعد أكثر من 60 سنة على نهاية الحرب العالمية الثانية أصبح بعض دول الجنوب أكثر تطوراً من دول الشمال وبالتالي فإن تجاهل هذه الظاهرة الدولية سيزيد من مشكلات العالم وسيرفع كثيراً من صعوبات «مجموعة الثماني» التي ستعقد اجتماعها الدوري في 15 يوليو/ تموز الجاري في سان بطرسبورغ

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1405 - الثلثاء 11 يوليو 2006م الموافق 14 جمادى الآخرة 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً