العدد 1408 - الجمعة 14 يوليو 2006م الموافق 17 جمادى الآخرة 1427هـ

العزلة تأمل لإعادة اكتشاف الذات والآخر

محمد الصيادي comments [at] alwasatnews.com

.

من تعريف العزلة انها تعني الانعزال بالنفس في خلوة مصارحة مع الذات، فيقال كنت بمعزل عن كذا وكذا أي كنت بموضع عزلة عن الآخرين ومع اننا هنا لسنا بصدد الإسهاب في تعريفات العزلة المتعددة/ المتشعبة واننا في هذه العجالة نحاول تلمس معان لن نقول إنها جديدة لكننا نراها بالضرورة استشفافا لما خفي من جوانبها المظلمة فنزعم انها (إي العزلة) توأم للتأمل، وتمحيص وفحص لمقدرتنا على فهم الواقع المعاش الذي نحن جزء لا يتجزأ منه بكل تجلياته وتداعياته اتفاقا أم اختلافا، كما انها الابحار ضد التيار للوصول إلى غاية مرجوة وليس لمجرد الاختلاف مع الآخر ونجزم انها غربة عن الوطن في الوطن وهي بذلك أصعب أنواع الاغتراب على الإطلاق، ومادام الأمر كذلك فإنها تعني الهروب من واقع صعب يستحيل تغييره أو قل هي رفض سلبي لواقع من المستحيل التصالح معه وإذا ما دققنا في ما تقدم فإنها برأينا المتواضع قد ترفد تجربة المبدع من خلال انها تجعله يعيد محاولاته واستكشاف العالم من حوله بل ويعيد اكتشاف نفسه في المقام الأول على أن من جوانبها السلبية انها قد تطفئ وهج الإبداع وقد تكون موتا محتما للمبدع وخصوصاً إذا ما تمكنت من تثبيط معنوياته وجره إلى مستنقع اللامبالاة وحفزه القسري (لطلاق) الإبداع جملة وتفصيلا وموته المحتم هنا لا يعني بالضرورة الانتقال إلى العالم الآخر جسديا بل نعني به اليأس المطبق الذي قد يصل إليه المبدع حتى أنه قد (يكفر) بكل ما آمن به عبر تاريخه الطويل وتلك ردة فعل نعتقد انها طبيعية لعدم تمكنه من إقناع الآخر وبالتالي التصادم معه بدلاً عن احتوائه على أن المبدع الحقيقي هو من يظل متبتلا في محرابه بعزيمة لا تلين ككاهن يراهن على مستقبل قادم لا محالة من دون أن يرفع الراية البيضاء مهما تكن تضحياته، مؤمن أن عزلته وانطواءه على نفسه وترك الأضواء والضوضاء لسواه أمر لا يعنيه ومتيقنا من انه سيصل إلى غاياته أو سيكسب نفسه على أقل تقدير في زمن القابض فيه عن خياراته وقناعاته كالقابض على الجمر، ليظل غيابه الطويل هو حضور جميل على إن الاحتفاء بمن لا حضور له هو الغياب الحقيقي وليس العكس ولاسيما إذا كان (صاحبنا) ممن يظنون عن جهل وعدم دراية أن الحضور هو جسر عبور لشهرة زائفة آنية أتت صاحبها على غفلة من التاريخ فيموت طالبها في الغالب قبل أن تبدأ أما إن قدر لها وبدأت فإنها لم ولن تدوم طويلاً على اعتبار انها خلقت ميتة، ومع تعدد المنابر الثقافية وانتشار وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة فإننا نؤكد أنه حان الوقت لكنس ذلك الغبار الذي تراكم سنوات طويلة حتى أصبح (أمواجا) رملية دفنت تحتها الكثير من الهامات السامقة لمجرد انها اختلفت مع سواها في الرؤى وعليه أقول وبملء فمي ان من أدمنوا العزلة وحبذوا الانزواء كانوا سيظلون على ما هم عليه حتى ما شاء الله لولا تعدد المنابر كما أسلفنا مع معرفتنا التامة «ان الأيام دول» وإن نواميس الحياة تؤكد ان «لكل زمن رجاله» وان «لو دامت لغيرك ما وصلت إليك» وهذا بالضرورة يعني ان هناك من كان سينتصر وبالتالي سيحتفي بمن همشوا عنوة مهما طال الوقت. صحيح أن ذلك الاحتفاء ربما لم يحن موعده بعد إلا أن لنا عبراً من التاريخ وكفى أن نتذكر بألم وحسرة اننا أمة تكرم موتاها ولا تخجل ان تعيد لهم اعتباراتهم «بعد ان شبعوا موتا» وتلك العادة غير المستحبة ربما تكون (ماركة مسجلة) باسمنا كعرب ولا ندري متى سنتحرر منها لكن الأكيد ان أحمد ابن الحسين الجعفي الذي اصررنا على تسميته (أبوالطيب المتنبي) والمولود سنة 303هـ أي قبل 1324 عاماً بالوفاء والتمام رفضها وناصبها العداء وبالتالي هجاها بقوله الموجع «يا أمة من غبائها تضحك الأمم» نعم تضحك كل الأمم على أمتنا بملء اشداقها، فالتاريخ المرير لهذه الأمة المغلوبة والمنكوبة هو الشاهد الحي الذي لا يموت وسنجد من خلاله من دون عناء ان من قتل شنقاً أو حرقاً أو غرقاً وبتهمة (الكفر والبدعة والزندقة) ومعاداة دين الله وعباده الصالحين عبر تاريخنا الموغل في القتل والمعتمد على سياسة الاقصاء لا نخجل من إعادة تزويره ليتلاءم مع أهوائنا أو ما يسمى بـ «أدلجة التاريخ» وبالتالي لا نتردد في وصف ضحايانا بالمصلحين والعباقرة و(الألعن) هو أننا صرنا وعلى غفلة من تاريخنا المأزوم والمضطرب نصنف من قتلناهم ظلما وعدوانا بالمفكرين الإسلاميين حصرا مع اننا من كنا أكدنا مرارا وتكرارا انهم من عاثوا في الأرض فسادا وعند ذلك قمنا زورا وبهتانا بإحراقهم والتمثيل بهم وقطع ايديهم وارجلهم من خلاف ولئن ذاكرتنا العربية المخرومة والمثقوبة تتناسى الحقائق وتقفز عليها دائما وابدا فإنها لا تتذكر إلا الحكايات التي تتواءم مع مصلحة من يحكمها بل من يستعبدها ويستولي على مقدراتها وخياراتها ولسنا بحاجة لنسوق مئات الأمثلة على صدق ما ذهبنا إليه كما اننا لا نستطيع إنكار جرائمنا التي ارتكبناها بحق من أضاءوا لنا طريقنا المظلم واخرجونا من الظلمات إلى النور فقط لأنهم اختلفوا مع (جهلة) في أزمنتهم كانوا لا يفقهون من أمرهم شيئاً ولنتذكر في هذا السياق الجاحظ الذي ملأ الأرض فكراً ويكفي ان نعلم (انهم) أحرقوه بتهمة الكفر والبدعة والزندقة (لكننا) وبعد قرون عدة من الجريمة/ المأساة بكل المقاييس أعدنا له اعتباره ووصفناه حينئذ بالمفكر الإسلامي (من دون ذرة حياء أو خجل) وحسبنا اننا ببغاوات تردد ما تسمع ليس إلا.

كلمات لها أنياب

من الخطاء بل ومن الاجحاف ان نتنكر لمن يخالفنا الرأي لمجرد انه لا يرى الاشياء من حوله كما نراها بالضبط وبالتالي لا نكتفي بمناصبته العداء بل نعمل بدأب على اقتلاعه وكأنه الشاهد الوحيد على جريمة تورطنا باقترافها عنوة وبالتالي يجب أن يموت ذلك الشاهد الوحيد حتى لا تتكشف خفايا تلك الجريمة التي بالضرورة ربما يحين الوقت لنتحاسب عليها ذات يوم.

الرعاع: هم الوحيدون الذين لا هم لهم ولا يهمهم سوى الاستمرار في نعيق يصرون على انه عناء مع انه لا يعكس سوى قبحهم وقلة حيائهم وحسب.

هناك تخريجات لا نعلم من اين يأتي بها أصحابها فهم يكذبون ويحاولون من خلال ذلك ذر الرماد في العيون وهم يعرفون جيدا ان ذلك مجرد ضحك على الذقون، ترى هل يتحدثون معنا من سطح المريخ؟ ام انها مجرد مكابرة؟ على ان السؤال الأخطر، هو: الى متى سيستمر حالهم على ما هو عليه؟ والأكيد وهو جزء من الاجابة ان الزمن قد حان لقول كلمة حق (لوجه الله) تعيد الامور الى نصابها وتعطي كل ذي حق حقه بشرط ان لا نتهم (بالكفر والبدعة والزندقة) لمجرد اننا لم نسكت عن سلوك يرفضه الجميع، والله من وراء القصد

العدد 1408 - الجمعة 14 يوليو 2006م الموافق 17 جمادى الآخرة 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً