العدد 3586 - الأحد 01 يوليو 2012م الموافق 11 شعبان 1433هـ

كِبار الأعمال وصِغار الرِّجال

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

أخرج أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي في كتابه الثمين، «مروج الذهب ومعادن الجوهر»، أن أحداً سَأل بزرجمهر بن البختكان (وكان رجلاًً حكيماً عيَّنه الملك كِسرى الأول أنوشيروان وزيراً له): ما بال آل ساسان (وهم سلالة من ملوك الفرس) صار إليه ما صار إليه، بعدما كان فيه من قوَّة السلطان، وشدَّة الأركان؟ فقال: لأنهم قلَّدوا كبار الأعمال صغار الرِّجال.

هذه المقولة، للوزير بزرجمهر، مفتاح جيد، للحديث عن أمر المنصب والولاية ومستحقيه. فإذا ما قرَّرنا أن أصل المشاكل ناتِج عن فشل الإدارة، والتسيير الخاطئ للمناصب/ الملفات/ القضايا، فإن مسألة التعيين واختيار الأفراد (المتولِّين على تلك المناصب والملفات والقضايا) يصبح أمراً في غاية الأهمية. ولَكَم نالت الدول من الهزائم ما نالته، نتيجة اختيارها لشخوص لا يتمتعون، لا بحكمة الرأي، ولا بحصافة الفعل، والتاريخ القديم والحديث، يزخر بنماذج لا عدَّ لها ولا حصر.

مشكلتنا الرئيسية هي في الثقافة السياسية القائمة على أن مَنْ يتولَّى المنصب والولاية، يجب أولاً وقبل كلِّ شيء، أن يكون قادراً بالمطلق، أن يقول «سَمعاً وطاعة» لمن يُولِّيه، قبل أن يكون كفؤاً ومُدبراً. أي أن مسألة الولاء، مقدمة على الكفاءة وحُسْن التدبير، وهذا أمرٌ في غاية الخطورة؛ لأن الولاء أمرٌ شخصي، يتعلق بالحاكم وبين من يُعيِّنه من المسئولين، أما الكفاءة فهي أمر يتعلق بحسن إدارة الخدمة للرعيَّة. وهو صراع بين الخاص والعام. والمحدد والمطلق. الفردي والجماعي منه.

كما أن الولاء، هو أمر نسبي، يختلط فيه النفاق، والمحاباة والتزلف على حساب الحقيقة، وبالتالي تضيع تلك الحقيقة، لصالح ثقافة الأقنعة والتزييف، وما تخفي القلوب من مآرب. أما الكفاءة وحُسْن التدبير، فهما أمران واضحان وملموسان، يشعر بهما جميع مَنْ هم في الجهاز البيروقراطي، لأنهما بالأساس، قائمين على معاملات وتصرفات، يباشر أمرها عدة أطراف، خلال عملية الإنتاج أو الخدمة، وبالتالي فإنهما الأقدر على تزكية الأفراد، من خلال عملهم، وليس من لقلقة ألسنتهم.

ليس من الصحيح أبداً، أن يكون المنصب لائقًاً بأصحاب الألسن المعسولة، والمهووسة بتقديم الإطراء والثناء على الرئيس فقط، لأن هذه النظرة، هي نظرة أسيرة للشخصانية، والرغبة في البقاء ضمن الصفاء الذهني، الذي لا يريد أن يُعكِّره شيء، ظاناً نفسه وكأنه في حفلة نديمٍ وسَمَر، وليس في أتون عمل جدِّي بالغ الأهمية، يخص شئون الناس، وشئون الدولة، والتي تحتاج دائماً وأبداً إلى ما هو أكبر وأكثر من تلك الثقافة البائسة، والسلوك الأعوج، والنوايا السيئة.

الأمير ابن منقذ، ذكَرَ في كتابه «لباب الآداب»، أنه لما أراد الإسكندر الأكبر (المقدوني) الخروج إلى أقاصي الأرض، قال لأرسطوطاليس (384 ق. م - 322 ق. م)، وهو أحد أكبر فلاسفة الإغريق، وتلميذ لأفلاطون: اخرُجْ معي. قال: قد نحل بدني، وضعفتُ عن الحركة، فلا تزعجني. قال: فأوصني في عُمالي خاصَّةً. قال: انظر، مَنْ كان له عبيد، فأحسَن سياستهم، فولِّهِ الجند، ومَنْ كانت له ضيعة، فأحسَنَ تدبيرها، فولِّه الخراج. (انتهى). لم يقل أرسطوطاليس لسائله شيئاً عن الولاءات الشخصية للحاكم، ولم يُشِر عليه إلى مَنْ يوالونه ويتعبَّدون باسمه هم مَن يفترض تعيينهم في مناصب الدولة، لأنه مدرك أن في ذلك خراباً للمُلْك، وفساداً للحكم ونظرة الرعية له.

نعم... فالدولة جهاز هائل من المسئوليات، التي ليست من مفترضات عملها تقديم التحايا والمجاملات والابتسامات الناشفة، وإنما من مهماتها تطوير البلدان والمؤسسات وحماية الحدود، ورعاية الشعوب. تطويرٌ وحمايةٌ ورعايةٌ يقوم به الجميع (لأنه من أجل الجميع) وليس فقط من أجل ممتهني الإطراء والنفاق من أجل المكاسب الشخصية، التي ما فتئنا ونحن نقرأ مثالبها ومصائبها على الدول في الشرق والغرب، حتى انهدَّ عودها، وخارت قواها، وذهبت ريحها فأفَلَت وتحجَّرت.

عندما اكتشف الملك الفرنسي لويس السادس عشر ما هو فيه من بلاء عظيم، بسبب إدارته وقصر نظره، بتوليته الفاسدين من الوزراء في حكمه وبطانته، ومن المتعبِّدين باسمه طمعاً في المكاسب والمآرب، تاركاً سبعة عشر مليون فرنسي يعانون مرارة الفقر، وأراد معالجة الأمر، أتى بداعية الإصلاح السياسي، وعالِم الاقتصاد الفرنسي الكبير تورغو، لكي يتدارك الأمر، فولاه رئاسة الحكومة، ما بين العام 1774 وحتى العام 1776، إلاَّ أن الأمر قد وصلَ حدَّه، ولم يكن أمام لويس السادس عشر سوى ثلاثة عشر عاماً لكي ينتظر الثورة ضده وينتهي حكمه، ويسقط الباستيل.

وعندما جاءت حكومة ما بعد الثورة، أدركت ذلك الخطأ باكراً، فولَّت مناصب الدولة الكبيرة، للبارعين في العلوم، وللحصيفين في الإدارة، فرأينا عالِم الهندسة الكبير لازار كارنو مشرفاً على المجهود الحربي في فرنسا، ورأينا عالم الفيزياء البارع مونج وزيراً للبحرية، ورأينا فيلسوف الاقتصاد والكيمياء لافوازييه مسئولاًً عن إعداد تقديرات الدخل القومي، مُبعدين تلك المناصب المهمة، عن أصحاب الولاءات الشخصية البالية، التي لا تجلب إلاَّ الشَّلَليَّة، وإفساد الدولة ومؤسساتها.

ليس ذلك فحسب، وإنما شاعت وترسَّخت لدى تلك الشعوب، ثقافة الخوف من الولاء المطلق واجتنابه، فضلاً عن عدم السعي وراءه، لأنه صار عنواناً للدسائس، وخراب الدول وبيوت الحكم. فأصبح المغايرون في الرأي والمشورة، هم الأجدر بأن يتحملوا المسئولية. لذا، رأينا كيف تطورت أنظمة الحكم وترشَّدت، وأصبح بمقدور الزعماء، أن يسمعوا آراء أخرى، بل وآراء تزاحمهم القناعة دون خوف أو خجل، لكنها في النهاية، آراء سديدة من أفراد حريصين على المصلحة العامة، وليس على مصالحهم الخاصة، وهذا هو لبُّ مقولة بزرجمهر بشأن كبار الأعمال وصغار الرجال.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 3586 - الأحد 01 يوليو 2012م الموافق 11 شعبان 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 12:56 م

      رائع

      مقال رائع اكثر من رائع عندما افتح الوسط دائما ابحث عن مقالاتك شكرا لكم شكرا لكم

    • زائر 1 | 2:28 ص

      أروع كلمة

      انظر، مَنْ كان له عبيد، فأحسَن سياستهم، فولِّهِ الجند، ومَنْ كانت له ضيعة، فأحسَنَ تدبيرها، فولِّه الخراج

اقرأ ايضاً