سجن جو بلا مكيِّفات!

هاني الفردان

كاتب بحريني

في أواخر العام 2008 كتبت سلسلة مقالات بعنوان «سجون البحرين (1) و(2) و(3)» وألحقتها في مطلع العام 2009 بمقال آخر بعنوان «سجون سبع نجوم»، حاولت خلال تلك المقالات تسليط الضوء على أوضاع سجون البحرين في فترة سياسية هادئة بعيدة شيئاً ما عن أية توترات أمنية. ورغم ذلك كانت هناك معاناة حقيقية لا يمكن نكرانها تكللت بإضرابات، لتواكبها بعد ذلك مصادمات داخل السجن بسبب سوء الأوضاع.

جاءت مقالاتي السابقة للرد على ما بث عبر تلفزيون «العائلة العربية» من أن سجون البحرين «سجون سبع نجوم»، وذلك بعدما استعرض التلفزيون مشهداً جميلاً لغرفة بها أربعة أسرّة، ومفروشة بالسجاد الأحمر والجلسة العربية، الأسرّة بها مراتب نظيفة مغطاة بأغطية مزهرة، وسجين يلقي بجسده على ذلك السرير بابتسامة عرمرمية.

هذا هو المشهد التمثيلي الذي نقله تلفزيون العائلة العربية (البحرين) عن وضع السجون وخصوصاً سجن «جو»، ليعكس لنا المشهد مدى التطور الكبير الذي شهدته سجون البحرين. بالطبع وزارة الداخلية لم تسمح لأي كان بزيارة هذه السجون سوى تلفزيون البحرين لنقل الصورة على حقيقتها دون أية مكملات أو مجاملات، وذلك لثقة الوزارة بمصداقية عدسة تلفزيون العائلة العربية التي لن تسعى جاهدةً للنظر لما تحت تلك السجادة من ركام سنوات طويلة.

وما عرض على تلفزيون البحرين والصحف المحلية طوال السنوات الماضية، ما هو إلا جزء واحد فقط من سجن جو وهو السجن رقم (4)، وهو أحد السجون وأرقاها والذي بني مع نهاية عقد التسعينيات، وبعد ضغط المنظمات الدولية كالصليب الأحمر، من أجل تحسين مستوى السجون، بالإضافة إلى الضغط الشديد الذي عاشته سجون البحرين في تلك الفترة الزمنية التي اكتظت فيها السجون بالمعتقلين والمحكومين السياسيين.

«سجن 4» في أواخر التسعينيات كان يتكون من ستة عنابر، كل عنبر يتكون من 14 زنزانة، وكل زنزانة تستوعب أربعة أسرّة لأربعة أفراد (ما يعادل 336 سجيناً في السجن إذا ما تم الالتزام بأربعة في كل زنزانة). في هذا السجن خزانة ملابس خشبية مقسمة إلى ستة أقسام، طول كل قسم منها متر وعرضها نصف متر تقريباً، وحمام بمساحة متر ونصف في متر لقضاء الحاجة فقط. التكييف في هذا السجن بالنظام المركزي، مع وجود فتحات تهوية صغيرة جداً وفي أعلى الغرفة (على ارتفاع 5 أمتار من الأرض تقريباً)، ومن دون مراوح سقف، وباب حديد مصمد بالكامل، سوى فتحة صغيرة جداً لا تتعدى مساحتها (10 في 20 سنتمتراً) وتغلق وتفتح من الخارج.

باختصار شديد، زنزانات «سجن 4» عبارة عن علب مستطيلة مغلقة بها فتحتان صغيرتان واحدة للتهوية والأخرى للتكييف، وفي حال تعطل تكييف الهواء فإن هذه الغرفة، تتحوّل إلى أفران حقيقية في ظلّ ارتفاع حرارة الجو، وخصوصاً الزنزانات التي يكون أحد جدرانها معرضاً لضربات الشمس المباشرة.

«سجن 4» اعتبرته الحكومة صيحة في عالم السجون لما يوفّره حقيقة من خدمات جيدة لا يمكن نكرانها عندما يقاس بالسجون الأخرى الملاصقة له، إلا أنه حالياً أصبح أشبه «بنار جهنم» ينصلي فيها كل من يسكنها من شدة الحر، وتعطل مكيفات الهواء منذ فترة طويلة، مع دخول شهر الصيام.

لا يمكن لأحد أبداً أن يبرّر تعطل مكيفات سجن، وتأخر إصلاحه كل هذه المدة الطويلة، إلا إذا كان من ورائه أمر ما، وعقاب يراد فرضه أو تضييق يراد تشديده.

هل بإمكان إدارة الإصلاح والتأهيل (إدارة السجون) ووزارة الداخلية أن تبرر أسباب تعطل مكيفات السجن كل هذه المدة وخصوصاً مع اشتداد فصل الصيف ودخول الشهر الكريم؟ أين احتياطات الإدارة لتوفير الخدمات الدنيا للسجناء؟ وأين السلطة القضائية المعنية التي تخضع السجون لرقابتها؟

قبل أن تفكر إدارة السجون أو ما يعرف بمركز الإصلاح والتأهيل في إدخال تكنولوجيا الأبواب الكهربائية في «سجن 4»، ليكون واجهة إعلامية هلامية لتطور مؤسسات الإصلاح والتأهيل، عليها أولاً، إصلاح مكيفاتها لحماية من هم تحت رحمتها من البشر في شهر تفوق فيه درجات الحرارة 45 درجة مئوية.

إذا كان سجن 4 وهو أحدث سجن مركزي وتعده الحكومة البحرينية مفخرة، يعاني هذه الأيام من سوء الأوضاع وتعطل أجهزة التكييف، وسوء خدمات مياه الشرب، فما بال السجون القديمة (1) و(2) و(3) والتي كانت موجودةً منذ تشييد السجن، وكيف حال المقيمين فيها؟ وما هي أوضاعهم؟

شعار إدارة السجون «إصلاح وتأهيل»، ولكن الوضع الحالي هو أقرب لـ «التعذيب».

العدد 3607 - الإثنين 23 يوليو 2012م الموافق 04 رمضان 1433هـ

التعليقات (30)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً