العدد 3661 - الجمعة 14 سبتمبر 2012م الموافق 27 شوال 1433هـ

مطالب ومبادرات بدون «صرخة أولى»

محمد حميد السلمان comments [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

تميز العرب في الجاهلية قبل الإسلام بممارسة اجتماعية متفردة ربما لم تعشها المجتمعات الإنسانية الأخرى؛ ألا وهى حالة «الوأد». هذه الحالة اللاأخلاقية وغير الحضارية تركزت على وأد المخلوق الذي كرّمه الله بألا تزهق نفسه بغير جرم مشهود وفق قوانين السماء لأنها محترمة عند بارئها. وإن صبت العرب في الجاهلية جُل غضبها على الأنثى، لأسباب معروفة، من غير الذكور في مصطلح «الوأد»، ولكن أيضاً كانت هناك حالات لوأد الذكور والإناث معاً، إما خشية إملاق أو لتمرد ذكوري غير محبوب لدى القبيلة، وكان هذا بديلاً تعيساً في معادل البحث عن صيغ إبداعية متطورة تجمل الحالة ولا تزيد مأساويتها.

وإن كانت هناك اختلافات حول عملية «الوأد» في الجاهلية بين أنها حالة عامة أم حالة نشاز بدأت عند ملك الحيرة أو عند قبيلة ربيعة أو بني تميم وبني كندة التي قيل إنها من القبائل التي انتشر فيها وأد البنات. مع أن هناك تشكيكاً من الباحثين بأن وأد البنات كان عاماً، وإلا كيف استطاع الرجل قبل الإسلام أن يتزوّج ما شاء من النساء وليس فقط أربع! فلو كان وأد البنات في كل القبائل لما بقيت نساء ولما تكاثر الجنس العربي.

وقد فتحت بعض معاجم اللغة العربية (مختار الصحاح، الغنى، الرائد، والوسيط) فوجدت أكثر من عشر معانٍ لكلمة وَأَدَ، منها: وأد البِنتَ، دفنها حية وبابه وعد فهي مَوْءُودَةٌ. حيث كان بعض العرب في الجاهلية يَئِدُونَ بناتهم. و «وَأَدَ حُرِّيَّةَ الشَّعْبِ زَمَناً طَوِيلاً»، أي قيدها، خنقها، كبتها. «وَأْدُ التعبير» أي كبتهُ وَخنقهُ. وأدت الحكومة الحُرِّيَّات، أي كبتتها وقيَّدتها. كما أن الوَأْدُ يعنى هديرُ الجمل أو البعير، كما يأتي الوأد بمعنى الإجهاض كذلك. والطامة الكبرى أن شعار بعض الجهلة العرب كان «الوأد من المكرمات»!

لكن أن تتواصل هذه الحالة «الوأدية» بمعناها العام حتى بعد الإسلام وإلى اليوم ونحن نعيش الفيض النوراني الإسلامي بوجود القرآن الكريم والسنة النبوية وبتكريم الإنسان مهما كان أصله وفصله وانتماؤه ورأيه، فذلك لهو أغرب الغرائب وأعجب القصص.

لست أدرى لماذا راودتني كل هذه الأفكار وأنا أغادر قاعة المحاضرات بجمعية «وعد» بعد منتداها الأسبوعي بعنوان «تداعيات الحَراك السياسي والحديث عن الحوار الوطني في البحرين»، وكان المتحدثان الرئيسيان خليل المرزوق ورضي الموسوي. ربما لأن الحوارات والنقاشات كانت داخل القاعة صريحة بصراحة الحَراك ومقاصده السامية، من دون تشديد الياء. أو ربما لأن منهج الوأد مازال حاضراً في معظم مفاصل الأزمة المستمرة منذ عامين وأكثر.

فمن يتابع جُلّ الندوات واللقاءات والنقاشات التي دارت منذ نحو العام وحتى اليوم؛ يشعر أن هناك فرصاً عديدة قد «وُئدت» في مرقدها قبل أن تتنفس الحياة. فقد كانت هناك مبادرة الثلاث ساعات ثم وئدت في ليل حالك الظلمة. وكانت هناك محاولة لفتح باب الحوار عبر وساطات خليجية ووئدت قبل أن يسافر الوفد إلى الخارج. كما أن وثيقة المنامة التي طرحتها المعارضة ومازالت ترتكز عليها، وئدت وإن كان مازال بها نفس ويمكن استخراجها من بين رمال الوطن لتعود لاستنشاق الحياة وبالتالي إدخالها غرفة الإنعاش، وإن كان في مستشفى السلمانية، ريثما يتم الحوار حولها للقبول بها أو لإجراء عملية تجميلية لها.

والأمر في البداية والنهاية يحتاج لقرار شجاع وحكيم لا يؤمن بإقصاء الآخر سواء من السلطة أو الجمعيات. كما يحتاج لمعالجة سلوك «الوأد» المتجذر لدينا حتى غدا فكراً يمارس في الساحة السياسية مع أنه لا يؤدى إلا إلى المزيد من التأزيم ودوران الرحى في ساقية الثيران. أي كلما تقدّمنا خطوةً صحيحةً نعود عشر خطوات خاطئة للوراء. ولهذا يبقى الوضع يراوح مكانه في انتظار من سيتعب أولاً ويصرخ معلناً عدم قدرته على مواصلة «ماراثون» سياسة النفس الطويل.

لم يعد الوضع يفيده بعد عامين من الأزمة، عملية تجارب لكسر العظم هنا وهناك، أو لي الأذرع، أو العناد لآخر مدى، أو التفنن في وأد كل مبادرة طيبه لفتح باب الانفراج تكريساً للعادة ذاتها والحالة القديمة. فطبيعة الدولة العصرية، هي التطور الداخلي كي لا تموت كل أنسجتها بعد الترهل. فالتطور وخلق ذات جديدة من دماء الدولة ككيان معنوي يسيره مجموعة من البشر هو المنقذ وليس فرداً. فالبشر يموتون ولا يخلدون، وإن ربطت الدول بالأفراد فإنها تموت بموتهم، كما نقرأ في تاريخ الدول. ولذا من أجل دولة المؤسسات ودولة الشعب ودولة لا تموت بسهولة، وإن مضى عليها عشرات السنين، تواصل المعارضة حراكها وطرح وجهات نظرها بسلمية حضارية عالية من خلال هذه الندوات والنقاشات والحوارات.

والأجمل، أن ترى، وأنت في قاعة «وعد»، فسيفساء من الطيف البحريني حاضراً بقربك، ملاصقاً لكتفك، مناقشاً معك، لا كما نسمع ونقرأ في الإعلام الأصفر، ليشكل حاضر ومستقبل البحرين الذي نطمح إليه وهو الذي سيكون علامة فارقة في تاريخ الوطن. هذه العلامة لو تم تبنيها من قبل لأصبحت البحرين من أروع الأمثلة في واحة الديمقراطية المتسامحة المتصالحة مع نفسها أولاً والودودة مع محيطها ثانياً.

وعندها لن تكون هناك حاجة لكل هذه الآلام المضاعفة في انتظار من سيصدر الصرخة الأولى ليفرح الطرف الآخر بالانتصار. فلا انتصار بين مكونات شعب واحد يعي ويقدّر ما هي الدولة المجتمعية ويفديها بروحه ودمه، لأن المنتصر الأول والأخير هو الدولة. وتحيةً لهذا الشعب العظيم في دولته العصرية.

إقرأ أيضا لـ "محمد حميد السلمان"

العدد 3661 - الجمعة 14 سبتمبر 2012م الموافق 27 شوال 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 3:32 ص

      اول خلهم يعترفوا بالاعداد الحقيقية التي تخرج في المسيرات عشان بعدين يعترفون بحقها

      الاعداد الكبيرة التي تخرج للشارع في مسيرات وصل عدد المسيرات الى المئات حسب اعتراف وزارة الداخلية ولكن ولا لمرّة واحدة يعترفون بالعدد الحيقي لهذه الحشود ودائما يقللون من العدد تعمدا وقد بلغت مسألة سخط الاعداد وتحجيمها الى درجة لا تعقل هو تعمد لاضاعة الحق في الاساس. لا يريدون الاعتراف باكثرية المطالبين حتى لا يؤخذ عليهم اذا كان هؤلاء اكثرية فلماذا لا يعطون حقهم.
      وقد كنت مع احد الصحفيين الاجانب المختصين وقال في احد المسيرات ان العدد يتجاوز 400 الف وهم يقولون 15 الف انظر الى الفارق

    • زائر 2 | 3:30 ص

      ذكرني مقالك

      كم من الجميل أن أقرأ مثل هذا الكلام والذي فيه شيء من الانصاف للذات وانصاف الاخر من ذاتي ومعاني مقال تبه لحد ما كلام الا ستاذ حسن المدني في اخبار الخليج لا بد من الوقوف في الوسط وتوجيه للمخطئ كان من كان ماكو معصوم والكل وارد منه الخطأ وهو الواقع الآن في بحريننا والسياسة أخذ وعطى

    • زائر 1 | 2:11 ص

      وأد الصالح ليظهر الطالح عليه هذا ما لدينا في البحرين

      هل تريد ان يعترف احد بحق هذه الجماهير التي تخرج الى الشارع مطالبة بحقوقها؟
      هم في الاساس ينكرون العدد ويجهضون حقيقة الكم حتى لا يقعوا في مسألة الاحقية للاكثرية.
      وأد الحقائق في هذا البلد الى درجة انني دخلت نقاشا في معلومة هي من المسلمات وهي نسبة الطوائف التي تجدها في كل الكتب والمواقع ومعروفة منذ القدم. يريدون وأد حقيقة كالشمس حتى لا يقال بعد الاعتراف بها طالما ان نسبة هذه الطائفة هكذا فلماذا تعطى نصيب الارنب ولا تعطى نصيبب الاسد في كل شيء في البلد نحن لا نريد نصيب الاسد نريد حقوق وكرامة

اقرأ ايضاً