العدد 3681 - الخميس 04 أكتوبر 2012م الموافق 18 ذي القعدة 1433هـ

التوحد في تونس... بين الموجود والمنشود

التوحد هو إعاقة متعلقة بالنمو تبرز عادة خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل. ويعد الإضطراب الذي قد يطرأ على الجهاز العصبي مؤثرا على وظائف المخ أهم عامل متسبب في بروز هذه الحالة لدى الأطفال. كيف يعيش أو يتعايش المتوحدون في تونس؟ ما هي الإستراتيجية التي أعدتها تونس للتعاطي معهم؟ وهل من هياكل حكومية أو غير حكومية للعناية بهم؟

محمد عزيز، هو طفل متوحد لا يتجاوز عمره ثماني سنوات التقيناه في مركز الحمائم في سهلول، سوسة، الذي يعني بالمتوحدين. عندما تراقب محمد تلحظ تكراره حركة غريبة، الرفرفة بذراعيه كأجنحة الطير وهو يهز بدنه المكتنز.

ما هي قصة محمد؟

حاولنا الإقتراب من محمد فأبدى رد فعل غير معتاد، قد يكون معبرا عن رفضه التواصل معنا. كان طوال الوقت متشبثا بكرة صغيرة بالية، باهتة الألوان، تشبثا مبالغا فيه كأنما ثمة من يريد انتزاعها منه. المشرفة على فصل محمد قالت إنه لا يرضى بتغيير هذه اللعبة، رغم وجود عشرات الألعاب زاهية الألوان والمتنوعة الأشكال من حوله وفي متناوله. وعندما حاولت أن تأخذ منه تلك الكرة قاومها بضراوة غير معهودة لدى زملائه، حتى أنه أبدى سلوكا عدوانيا لهذه المحاولة الفاشلة.

محمد اختار لنفسه ركناً من قاعة المركز لم يغيره طوال الساعة التي بقينا فيها في فصله.لا أصدقاء حوله ولا محاولة منه لخلق قنوات تواصل بينه وبين أقرانه، حتى أنه لا ينظر إلى أحد بعينيه المحملقتين نحو المجهول ولا يأبه بما يدور حوله. كلامه صراخ، هو الذي يستخدم سماعات الأذنين نظراً لضعف سمعه. لم يستقر في جلوسه على الكرسي، لم يبتسم لنا، رفض حتى أن نربت على كتفه الصغير بشكل قاطع، حتى انه حاول أن يعض يدي عندما حاولت ذلك.

إلا أن هذه الشخصية الغريبة تغيرت ملامحها حالما قدمت والدته، التي يبدو أنه شديد التعلق بها. وتقول والدة محمد، ب.أ، إن أكثر ما يزعجها هو «نظرة المجتمع الجارحة والقاتلة والبغيضة للمتوحد». وتصف ابنها بالعصبي المزاج، يثور دونما سبب وفي أي ظرف.

وتضيف: «أكثر ما يزعجني ويقلقني هو عزوف ابني عن تكوين مفردات، بل هو عاجز حتى على ترديد الكلمات التي يسمعها ويتهرب من القيام بهذا المجهود عبر خلق إشارات تساعده على إيصال المعلومات التي يود مني إدراكها عن مختلف حاجياته الغذائية وغيرها». فهولا يزال يرتدي الحفاضات لأنه غير قادر على التحكم في عملية التبول التي يعاني منها حتى اليوم. ويعاني كذلك من مشاكل التواصل مع شقيقته الكبرى، وفق الوالدة التي تعتبر «أن لا أحد يستطيع إدراك حجم معاناة الطفل المتوحد منذ ولادته وحتى يكبر». لكن أكثر ما يقلقها هو «المستقبل المجهول لهذا الطفل الذي لا ذنب له في هذه الحياة» .

المشرفة على فصل محمد عزيز أسرت لنا أن النجاح في العمل مع طفل متوحد هو أن تتقبله كما هو من دون حكم مسبق ولا خوف. «فأن تشرف على حالة طفل متوحد يقتضي منك أن تضع نفسك مكانه وأن تنزل إلى المرتبة الفكرية والذهنية والوجدانية التي هو فيها لتفلح في خلق قناة تواصل قد تعبر من خلالها إلى داخل الطفل وليس فقط إلى حالة التوحد التي يعاني منها».

مطلوب استراتيجية رسمية واضحة

في غياب إحصائيات دقيقة في تونس حول التوحد، يعتبر كثيرون أنه يزحف في صمت، وأن التعامل معه أو مواجهته لا يزال دون المطلوب، وأن هناك غيابا تاما لاستراتيجية وطنية واضحة المعالم تولي التوحد المكانة والمرتبة التي هو جدير بها. وعدم وجود برامج صحية تربوية وأطر تشريعية تنظم أسس التعامل في هذا المجال، إلى جانب عدم وجود برامج عمل توعوية رسمية مستقبلا للمساهمة في التوعية بأهمية التشخيص المبكر للتوحد للحد من مضاعفاته على صحة الطفل المصاب به».

اختصاصية تقويم النطق في جمعية «خطوة خطوة» للمتوحدين آمال العش، دعت المجتمع المدني إلى المطالبة بإدراج يوم وطني للمتوحدين في تونس إلى جانب اليوم العالمي، يتم خلاله وعلى هامشه تنظيم نشاطات للتعريف بمرض التوحد وتوجيه أولياء المتوحدين نحو التصرف الأمثل مع أطفالهم. واعتبرت هذه المسألة حتمية يفرضها وضع هذه الفئة من الأطفال ذوي الإحتياجاتالخاصة .

هذا المطلب سانده اختصاصي تطويم النطق محمد أمين الجويني، الذي أكد ضرورة أن تعمل وزارة الصحة العمومية على تهيئة الآليات والخطط والإمكانيات المادية واللوجستية كلها ضمن روزمانة برامجها للحث على التشخيص المبكر للتوحد والوقاية من تأثيراته السلبية عن طريق حملات توعوية ممنهجة ومدروسة. «وذلك لا يتم إلا بتكاتف الجهود وتنسيق العمل المشترك بين مختلف الوزارات المعنية، كوزارة المرأة والأسرة، باعتبارها معنية بتنظيم قطاع روضات الأطفال عبر الزام دمج المتوحدين ضمن فصول الأطفال غير المتوحدين بعد تدريب المربين حول أسس التعامل العلمي مع التوحد».

دور روضات الأطفال

سارة بوصلاح بوعوينة، طبيبة مختصة في علم نفس الأطفال، تحدثت إلينا عن أهمية دور روضات الأطفال الدامجة لأطفال متوحدين في الخروج بهم من الدائرة المغلقة التي يعيشون فيها. كما شددت على دور وزارة التربية والتعليم في تهيئة الظروف المناسبة لدمج هؤلاء في الأقسام التعليمية مع سائر الأطفال، مع توفير مرافق حياتي مدرسي مختص لكل متوحد .

وبسؤال وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا وجدنا أن لا وجود في تونس لاختصاص حول التوحد حصراً، عدا ما يندرج في طب الأطفال. كما أكد لنا مصدر مسئول في وزارة الصحة العمومية عدم توفر اختصاص التوحد عند الأطفال سوى في مستشفيات جهوية جامعية في كبرى الولايات فقط، في حين لا يزال المتوحدون في المناطق الأخرى، غير خاضعين لمراقبة طبية مختصة كطب نفس الأطفال.

دور الأسرة والمجتمع المدني

وتضيف سارة بوصلاح بوعوينة، على العائلة التنبه المبكر لأعراض هذه الإعاقة، «إذ يواجه المتوحد مشاكل في التواصل اللالفظي والتفاعل الإجتماعي، كما في النشاط الترفيهي».

وأضافت: «أن دور العائلة هنا مهم في تقليص التأثيرات السلبية لهذه الإعاقة، كالسلوك العدواني مثلا».

العدد 3681 - الخميس 04 أكتوبر 2012م الموافق 18 ذي القعدة 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 8:47 ص

      annabi

      ربي يكون. في عون الآباء والأمهات وربي يصبرهم لأن التوحد ليس بالأمر الهين وربي يشفي كل طفل متوحد

اقرأ ايضاً