العدد 3709 - الخميس 01 نوفمبر 2012م الموافق 16 ذي الحجة 1433هـ

«حلوة اللبن»

مريم الشروقي maryam.alsherooqi [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

«حلوة اللبن» مصطلح قديم نطلقه إيحاءً لـ «أمّهاتنا»، وهو مصطلح يعني تقديراً للاتي أرضعننا وربيننا وحرصن على مصلحتنا، فخرجنا من هذه الدنيا بهوانٍ، فساعدننا حتى اشتدّت سواعدنا، وأصبحنا أقوياء، نتحمّل أعباء الدنيا وهمومها.

مناسبة الحديث عن «حلوة اللبن»، ليس لأنّ اليوم هو يومها، وليس بسبب عارض طرأ علينا في شأنها، ولكن لاحظنا على إحدى الفتيات كثيرٌ من الأمور المؤلمة بعد وفاة أمّها، فلقد كانت هذه الفتاة ذات 11 ربيعاً، أميرةً في منزلها، وليس لها في دنياها إلاّ أمّها، هي الصاحبة وهي الأخت وهي الحضن الحنون، وشاءت الأقدار أن تأخذ الأم من ابنتها، لتوافيها المنيّة، وتتحطّم حياة الابنة.

فهي الابنة الوحيدة، والأب يعمل في إحدى دول الخليج، وتحتاج الفتاة إلى مواصلة الدراسة في الوطن. وقد قدّر الله أن تحتضنها إحدى الأخوات - وهي مشكورة على ذلك كل الشكر - لتساعد الأب في عمله الشاق وألمه اللانهائي، حتى تربّي هذه الفتاة، ولكن كما تعلمون، لا أحد يستطيع أن يسد مكانة الأم، ولا أحد بوسعه محو الألم الذي سيلازم الفتاة طوال عمرها، وخصوصاً أنّ الأم أجنبية غريبة عن هذه الأرض.

تذكّروا جميعكم تلك الأيّام التي كانت تعنّفكم فيها أمّهاتكم على أمور صغيرة، وكنتم تعتبون عليها تارةً، ولا تسمعون لها تارةً، وتسمعون كلامها أحياناً أخرى. إنّ هذه الأيام هي التي صنعت ما أنتم عليه اليوم، فالأم متواجدة أكثر من الأب في حياة الطفل، بسبب طبيعة عمل الأب أو حياته وانشغالاته، ولكن كما هو معروف بأنّ الأم هي المربّي الأول والمغذّي الرئيسي للأخلاق والعادات والتقاليد وقيم الدين، وعليه فإنكم كنتم محظوظين بتواجدها بينكم، واستفدتم حتى آخر رمق في عمرها بما تنصحكم وتوجّهكم إليه.

هذه الفتاة لم تسر الحال عندما رأيناها، فهي ذاتها بجسدها، ولكنّها ليست كتلك الفتاة التي نعرفها، فلقد أضحت اليوم مكسورةً غاضبةً، ولا تدري كيف تواري هذه المشاعر، وندعو الله أن يلطف بحالها وأن يُذهب عنها السوء، لأنها أحوج ما تكون إلى رفع الأيادي والدعاء لها.

فقدان الأم من أصعب أنواع الآلام، وهو فقدٌ يضاهي فقد النفس ذاتها، فلنرجع جميعنا إلى أمّهاتنا، ولنحاول إصلاح ما بيننا، حتى لا تضيع لحظة نتحسّر فيها على ما فات، فـ «حلوة اللبن» شقت وسهرت وعانت من أجلنا، وآن الأوان اليوم حتى نقبّل رأسها ويدها ورجلها على ما قامت به من أجلنا، وهذا ليس بخساً بمكانة الأب، لأنّها محفوظة، ولكن حتى نتذكّر ذلك التنبيه وتلك النصيحة وذلك التأنيب، فلولا وجود هذه المعطيات لما استطعنا النهوض من انكسارٍ حدث في حياتنا، ولما واصلنا حياتنا بشكلها الطبيعي اليوم.

ليحفظ الله «حلوة اللبن» وليجعل مقامها جنّة الفردوس على ما جرّعتنا إيّاه طوال حياتها، وعلى التضحيات التي قامت بها من أجلنا، وليجعلنا الله من البارّين بأمّهاتنا وبآبائنا، فهم من يحتاجون اليوم إلى عطفنا وحبّنا وبرّنا، بعد أن وهنَ عظمهم وشابت رؤوسهم وضعفت ذاكرتهم. وجمعة مباركة.

إقرأ أيضا لـ "مريم الشروقي"

العدد 3709 - الخميس 01 نوفمبر 2012م الموافق 16 ذي الحجة 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 9 | 12:52 ص

      الى أمي مع التحية..

      أمي كيف لآ أحبكي وانتي وصية الرحمن...

    • زائر 8 | 12:56 م

      لا غنى عنها

      فقدتها في مثل سنها ورغم وصولي لمرحلة الشباب والمركز الاجتماعي كوني مدرسة ولكنني بفقدها ضاع قلبي في الصغر وضاعت حياتي في الكبر فليس هناك من نشكو له الله يخفف على كل فاقد ويحعل له من يعوضه

    • زائر 7 | 12:47 م

      في مثل سنها

      فقدتها في مثل سنها ورغم وصولي لمرحلة الشباب والمركز الاجتماعي كوني مدرسة ولكنني بفقدها ضاع قلبي في الصغر وضاعت حياتي في الكبر فليس هناك من نشكو له الله يخفف على كل فاقد ويحعل له من يعوضه

    • زائر 5 | 7:54 ص

      اه ياحلوة اللبن

      الله يرحم ام الطفلة تركتها وهي باصعب وقت للبنت وواحتياجها لامها
      كانت امي بغرفة العمليات وكنت انا من وقع على عمليتها بالاردن تمنيت ان تتوقف الساعات لارى ضحكة امي وشعوري بان العالم سينسحب من تحت رجلي لان امي بقت ثمان ساعات بالعملية وكنت بعالم اخر كنت فقط اريد ان اراها وعندما اخرجت من العملية قلت لها يمة منو انا قال لي انتي بنتي ف..... فكم فرحت وبدت بالبكاء لانني احسست انني فقدتها بشخطة قلم فلكم اعشق هذه الام التي ضحت وعاشت الامرين لتوصلنا لبر الامان
      رحماك ربي بامهاتنا وارحم ابناء من فقدناها

    • زائر 4 | 5:41 ص

      مريم

      مريم الشروقي اخت عزيزه على قلوبنا كل يوم وعبر مقالاتها تحاول ان تبعث الامل لشعب طالما تألم فشكرآ لك واجرك على الباري نحن نعشق مريم لانها تحاكي همومنا ربي احفظ مريم لنا نحن بحاجتها فلا تحرمنا من شرف وجودها بيننا شكرآ للرب على عطاياه عندما ارى وجه مريم الى جانب اسمها اعلا المقال ينبعث الامل بداخلي

    • زائر 3 | 2:00 ص

      يابنت حلوة اللبن

      صباح الخير يابنت حلوة اللبن موضوعك محترم ينم عن طيب معدنك لأنك تذكرينا بأعز مخلوق في الوجود, ولكننا بدأنا نفتقد مواضيعك التي تتحدثين فيها عن هموم الوطن والمواطنين ( اشحده ما بده ) يابنت حلوة اللبن هذا ليس عتاب ولكنه اشتياق لمواضيعك الهادفه, ولا تفهميني غلط وسامحيني. (محرقي/حايكي)

    • زائر 2 | 1:16 ص

      ما أعظمها من كلمة (( الأم ))

      قيل فيها الكثير : الام مدرسة - الجنة تحت اقدام الامهات -يا نبع الحنان - امك امك امك ووووو فمن من البشر لايبكي لفراق امه يقال لم يشاهد قط هتلر يبكي الا حين ماتت امه فالام ابكت حتى قساة القلوب وجمعة مباركة .

    • زائر 1 | 12:08 ص

      احب امي

      حفظك الله يا اخت مريم فعلا الام اغلي ما في الوجود احبك امي وانشاالله يقدرني عل رد وولو شي قليل من حقك علي

اقرأ ايضاً