العدد 3782 - الأحد 13 يناير 2013م الموافق 01 ربيع الاول 1434هـ

بريطانيا في البحرين 2011... علاقات تحت الضغوط (3)

عبدالنبي العكري comments [at] alwasatnews.com

ناشط حقوقي

نواصل استعراض الدراسة الخاصة بموقف المملكة المتحدة من البحرين في الأحداث الأخيرة، للباحث بمعهد (RUSI) في لندن، ماثيو ويليس، الذي يركّز على منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو حاصل على البكالوريوس من جامعة تورنتو بكندا، والماجستير من كلية لندن للاقتصاد (LSE) في العلوم السياسية.

يرى ويليس أن يأتي التقريع من قبل وزارة الخارجية لأقرب الأصدقاء وأكثرهم دعماً، فإن ذلك يشكل إحراجاً شديداً أمام الرأي العام، وهو ما لم تتوقعه السلطة، فقد ظل التوصيف الرسمي الذي يجري تكراره، هو أن مظاهرات فبراير/شباط عمل أطراف خارجية (إيران تحديداً) مستخدمين الشيعة (الطابور الخامس) في البلاد باستهداف الإطاحة بالنظام مما يشكّل تهديداً خارجياً.

لكن وزارة الخارجية تمتلك إثباتات تؤكد أن الاحتجاجات انطلقت كتعبيرٍ عن شكاوى وطنية عريضة وليس طائفية، وكانت تشكيلة من المطالب جرى بلورتها، عبّرت عن المشاعر الشعبية العامة.

إضافة إلى ذلك فلدى الدبلوماسيين البريطانيين الخبرة الكافية (عن حق أو عن باطل)، بأن يتوقعوا أن يعمد الإعلام الرسمي إلى عدم شرعنة الاحتجاجات باستخدام لغة طائفية، وأن يرجعوها للاعبين خارجين، وهكذا أضحى البعض ضحية حملة تشويه للصحافة المحلية. وكان من الممكن التكهن بما سيلحق بهم لاحقاً، في غياب معلومات استخباراتية صلبة، ما يجعل التقييم مستنداً إلى الحدس.

وقد أجمل تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق (بسيوني) موقفاً سلبياً للدبلوماسيين في وزارة الخارجية، لكن معرفتهم الجيدة بالنظام في البحرين يفسر شكاوى حكومة البحرين من أن وزارة الخارجية تصدّق كثيراً من الادعاءات التي لا سند لها، وتتجاهل جهوداً مخلصةً للدبلوماسيين البحرينيين الموازنة للأمور.

بالمقابل، فإن لامبالاة المسئولين البريطانيين تجاه ما يطرحه نظراؤهم البحرينيون من تبعية بعض الشيعة لـ «ولاية الفقيه»، (وهو التفسير الإيراني للإسلام الشيعي)، هو أكثر ما يقلقهم، ويصرّ المسئولون البحرينيون على القول إن البريطانيين لا يقدّرون قلق البحرينيين، وقد لا يقدّرونه أبداً.

هناك اعتقاد راسخ لدى السياسيين البحرينيين أن الإعلام البريطاني وخصوصاً هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) هي أداة حكومية، وهو ما فاقم الأوضاع، فالصورة التي يعكسها الإعلام البريطاني للأحداث ككل، يضع حكومة البحرين في وضع غير مستحب، ولذا يفسر هنا بأنه انعكاس لوجهة النظر الرسمية البريطانية. وأن عدم تحكم الحكومة البريطانية في إعلامها هذا، هو تأكيدٌ بالموافقة الضمنية البريطانية، بل والدعم للمعارضة في صورة غير متوازنة، والذي يشبّه الوضع في البحرين بالوضع في تونس ومصر، وهو بالتالي يستند إلى وقائع غير موضوعية بل كاذبة.

وفيما يستنكر بعض البحرينيين التدخل من قبل الدبلوماسية البريطانية، فإن الحكومة البريطانية تواجه بانتقادات في بريطانيا، كونها متراخية. وفي ذلك تقدم النائب العمالي دينيس مكشين بسؤال مستعجل للخارجية في 17 فبراير2012 يطالب فيها بمعرفة ما إذا كانت حكومة التحالف (المحافظين والليبراليين) تنوي إيقاف تصدير التجهيزات المستخدمة في قمع الديمقراطية والاستمرار في إغماض عينيها عن القمع والفساد للأنظمة في هذه المنطقة أو أنها ستسمر في الوقوف في الجانب المواجه للعفة.

إثر ذلك قامت الصحافة بتقصي أسئلة أخرى حول عقود الدفاع مع البحرين، وفي رد على الشبكة العنكبوتية بعد يومين بعنوان «لماذا البحرين مهمة لبريطانيا»، ذكر المعلق الدبلوماسي في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بريجيت كندال (Bridget Kendall) بأن سؤال مكشين جعل الحكومة تسارع إلى عدم إظهار نفسها «متواطئة ومنافقة»، وهو موقفٌ صعبٌ علّقت على مشجبه تحليلات معلبة عكست المواقف المتناقضة، واستعادت الحكومة على عجل قانون تراخيص تصدير الأسلحة.

من أعراض المعضلة البريطانية هو كيفية التعامل مع الأزمة الحالية في البحرين أو غيرها، وكيفية الانتقال من علاقات وثيقة مع حلفاء أوتوقراطيين إلى أخذ مسافة وعلاقات غامضة مع حكومةٍ في مأزق، وفي الوقت ذاته الاحتفاظ بالقدرة على التأثير عليها للاستفادة من علاقات استراتيجية، إذا ما تم تجنب ثورة شاملة.

وشخّص عدد من البرلمانيين والصحافيين والأكاديميين البريطانيين الرد الناعم لبريطانيا لما يجري في البحرين بأنه نتيجة مصالح تجارية مهمة، وقد كانت جولة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، في الخليج نهاية فبراير 2011، حيث رافقه ممثلون كبار لمختلف شركات الأسلحة البريطانية، ما عزّز هذه الاتهامات.

والحقيقة أن الصناعات العسكرية البريطانية هي عاملٌ في تشكيل السياسية الخارجية البريطانية تجاه البحرين والتي تبقى غامضة، فـ 0.5 في المئة فقط من قيمة الصادرات البريطانية للبحرين عبارة عن تجهيزات عسكرية، ولم تكن لتشكل قوى دافعة.

سياسة بريطانية لا تنازع

بالطبع هناك مصالح بريطانية في البحرين، حيث تسهم الأخيرة كشريك في تمكين بريطانيا من نقل تجهيزاتها ورجالها إلى أفغانستان، واستئصال الإرهاب ومكافحة القرصنة في المحيط الهندي وإبقاء الممرات البحرية في الخليج مفتوحة. كما تمكّن القوات المسلحة البريطانية من الوصول لما تريد، بما تقدمه من تسهيلات للطيران وإمداد المعلومات للأجهزة البريطانية.

هناك أسباب جيدة تجعل بريطانيا لا تعرقل هذه العلاقات، وتبذل جهوداً كبيرةً في سبيل ذلك، في الوقت الذي توضح فيه اعتراضها على معالجة البحرين للاحتجاجات، كما لاحظ أحد الدبلوماسيين الذين عملوا بالسفارة البريطانية في البحرين. فالرسائل البريطانية لم يكن لها وقع على المسئولين البحرينيين، وكان السفير البريطاني السابق جيمي باودن في وضع يجعله متصلباً، فقد كان سيغادر في بضعة أشهر، وحسب قول الدبلوماسي، لم يكن مبالياً لما تتركه تعليقاته من تداعيات.

ويضيف الدبلوماسي أن الحكومة البريطانية أقرت سياسة مباشرة وقوية قدر الإمكان، دون اقتران ذلك بضغوط، رغم أن تلك الضغوط التي تشمل نوعاً في المقاطعة بشكل قيود أو تجميد أصول، كانت موضع مناقشة.

هذا الحذر في المحافظة على التوازن عكس نفسه في تعاطى وزارة الدفاع في علاقاتها مع البحرين، والتي ظلت بمنأى عن الخارجية البريطانية؛ فالخارجية تهتم بالقضايا الاستراتيجية ومجموعة من السياسات، فيما تهتم الدفاع بالتجهيزات العسكرية للبحرين في إطار التعاون العسكري.

لكن ذلك تغيّر في مارس/آذار 2011، عندما وجدت وزارة الدفاع نفسها مضطرة للتنسيق مع وزارة الخارجية من أجل إيصال رسالة بريطانية متماسكة، ووجد مسئولو الدفاع أنفسهم في وضع صعب في التعاون مع مسئولي الخارجية.

وقد وصف أحد مسئولي الدفاع مناقشة حول موضوع المقاطعة التي يمكن لبريطانيا فرضها على البحرين مثل تعليق التعليم والتدريب العسكري الذي تقدّمه وزارة الدفاع للضباط البحرينيين في سانت هرست وغيرها من المؤسسات.

أضحى الوضع حرجاً في مارس 2012، حيث بدأ قلق مسئولي وزارة الدفاع في أن الضغط سيدفع البحرين لتجاوز الحاجز، فمن وجهة نظرهم، كان مسئولو الخارجية يطرحون بشكل متزايد خداع (مناورة) حكومة البحرين، وما إذا كانت سترد أم لا، وبالتحديد الغموض في معرفة ما سيحدث، أخذاً بالاعتبار الامتيازات التي تتمتع بها بريطانيا حيث لا يفتقر البحرينيون إلى الخيارات.

وذلك لا يعني أنه لم يكن بإمكان الحكومة البريطانية أن تضغط أكثر، ولكن القول إنه كان يتوجب عليها ذلك، فإن ذلك يطرح افتراضين غير صحيحين، أولهما أن بريطانيا تمتلك وسائل ضغط للتأثير في السياسة البحرينية، والثاني أنه كان من الأفضل المحاولة حتى ولو أدى ذلك إلى الفشل بدلاً من عدم المحاولة أصلاً. وبالأساس فإن ذلك يعكس سوء فهم لمنطق السياسة البريطانية.

قد تكون المملكة المتحدة أكبر من يمتلك قوة ناعمة في البحرين من بين القوى الغربية ونفوذها من بين الأقوى في منطقة الخليج. ووجهة النظر البريطانية مهمة ودعمها يضفي مصداقية، من هنا فإن نقدها يسبب توتراً في أوساط الحكومة البريطانية، كما أنه يفسر توجه بريطانيا لاستثمار رأس مالها الدبلوماسي كثيراً بدلاً من التأثير في الأحداث.

لكن يتوجب عدم الخلط بين القوة الناعمة مع القوة الضاغطة (الخشنة). ومن هنا يخطئ منتقدو بريطانيا بتضخيم قدرتها على التأثير. وفي الحقيقة إن أكبر قوة مؤثرة في البحرين هي الأخ الأكبر، وهو ما يعترف به كبار المسئولين البحرينيين، فقوة هذه العلاقات الثنائية هو ما يجعل بريطانيا تستخدم القوة الناعمة فقط ولا يجعلها تتخذ زمام المبادرة حتى ولو رغب مسئولون بحرينيون كبار في ذلك.

لن يتم التدخل بين الدولتين إلا إذا أضحت الأزمة تهدّد استقرار المنطقة الأوسع، أو وضعت الوجود الأمني الغربي في البلاد موضع خطر، بما يترتب على ذلك على الأمن القومي لكل من أميركا وبريطانيا. عندها فإن كلاً من أميركا وبريطانيا ستعتبران البحرين عبئاً على الغرب، ومصدر قلق أمني إقليمياً، لكن ذلك سيجعل مشكلة صغيرة وذات تأثير جيوبولتيكي محدود، مشكلة إقليمية.

وإذا أخذنا قوة الجار، فإنه من الصعب التكهن بما سيؤدي إليه الضغط على البحرين لوحدها، كما يطالب العديدون في المملكة المتحدة، من خلال المزيد من الانتقادات أو إجراءات المقاطعة المنفردة. إن الهدف المفترض وراء هذه السياسة هو دفع الحكومة البحرينية إلى الرد، سواءً بالاحتجاج رسمياً لدى السفير البريطاني، أو أكثر من ذلك، ومنها ما يجرح كبرياء البحرين، كما يذكر أحد الدبلوماسيين.

وعندما يتم إحراج البحرينيين، فإن الخارجية البريطانية تكون قد اختارت المبارزة فيما الولايات المتحدة وغيرها تتفرج باستمتاع. وإذا أخذنا هذا السيناريو بعين الاعتبار، فإن نقاد الخارجية البريطانية ينسون أن لبريطانيا مصلحةً في عدم الإقدام على ذلك لئلا تلحق ضرراً بنفسها.

إقرأ أيضا لـ "عبدالنبي العكري"

العدد 3782 - الأحد 13 يناير 2013م الموافق 01 ربيع الاول 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 3:10 ص

      أمريكا وملفها العالق بالعقول العربية

      مشكلة امريكا ومعها بريطانيا ايضا لها ملفات عالقة بعقول العرب وهذه الملفات
      ليست ملفات ايجابية بل هي ملفات سلبية بحيث اذا ذكرت احدى الدولتين تبادر للانسان العربي الظلم والقهر ومساندة الاستعمار وقمع الشعوب.
      ما اقوله من كلام لا تعبء به امريكا لأنه من انسان بسيط ولكن من خلال سنن الحياة التي عرفناه تقول ان الكره والحقد اذا تراكم فلا بد ان يفضي الى امور
      غير محمودة العواقب

    • زائر 2 | 1:49 ص

      من لا يرضى بالفعل لا يدعم الفاعل

      لا يضحكوا علينا ببعض الكلمات فالحل بيدهم ومن لا يرضى بفعل لا يقوم بتوفير الغطاء للفاعل وانتهى الامر الى هنا

    • زائر 1 | 1:28 ص

      الدولتان شريكتان في ما حصل ويحصل وسيحصل لا مناص من ذلك

      ما حصل وما يحصل وسيحصل كله هاتان الدولتان شريكتان فيه ولا مخرج لهما منه
      إذا قلنا من يرضى بالفعل فهو مشارك فيه فما بالك بمن يوفر الدعم وما بالك بمن يوفر الدعم الدولي في المحافل الدولية
      اذا استطاعوا الضحك على بعض المجتمعات فإنهم لن يستطيعوا ان يضحكوا على كل مثقفي العالم لانه يفهمهم جيدا.
      أما قضية الخالق عزّ وجل فهو يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور وله خطة استراتيجية يوقع فيها بني البشر في شر اعمالهم

اقرأ ايضاً