العدد 3808 - الجمعة 08 فبراير 2013م الموافق 27 ربيع الاول 1434هـ

«قرقرة الدجاج» فيما يحدث من حوار

محمد حميد السلمان comments [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

يحكى في زمن «قراقوش» (لقب قراقوش باللغة التركية يعني النسر الأسود) وهو من مسئولي الدولة الأيوبية، أن أحد الجنود الحكوميين تشاجر مع زوجة فلاح وهو يهم بركوب أحد المراكب في النيل، فقام الجندي الأهوج بضرب امرأة الفلاح وكانت حاملاً في شهرها السابع فأجهضها.

غضب الفلاح، ولكن خوفه من الجندي المسلح جعله يرفع شكواه إلى الأمير «قراقوش» مباشرة شاكياً إليه فعل الجندي.

وبعد أن سمع «قراقوش» شكوى الفلاح أخذ يفكر ملياً ماذا يفعل، وفجأة قفزت فكرة في رأسه فأصدر حكماً قضائياً بأن يقوم الجندي بحمل امرأة الفلاح إلى داره، وكما أجهضها وهي في شهرها السابع فعليه أن يعيدها إلى زوجها بعد سبعة أشهر فقط لا غير، بشرط أن تكون حاملاً حتى تعود كما كانت عندما أجهضها! فصرخ الفلاح وهو يهرب بزوجته من محكمة قراقوش: «حسبي الله... حسبي الله».

أمّا عندنا فقد جاء حكم تعاطي مادة الحشيش الخطيرة على المجتمع وبيعها للناس ستة أشهر فقط، بينما التستر على مطلوب للشرطة، كما قيل، وهو لن يؤثر بأي شكل على المجتمع، يستحق الحكم على عائلة كاملة، وليس شخص منها، لمدة سنة بشهورها الأثني عشر!

وفي نفس السياق ما نسمعه من تصريحات غريبة عجيبة حول ما يحدث الآن من محاولة إحياء ميت قضي منذ نحو سنة؛ وذلك ببث الروح فيه عبر تصريحات إعلامية.

الميت هو مرئيات الحوار السابق، والتي قيل عنها على لسان الوزيرة المسئولة، ولا فُض فيها حين تقول: «إن حوار التوافق الوطني القادم يعد استكمالاً لما لم يُستكمل في حوار التوافق الوطني الذي جرى في يوليو/ حزيران 2011».

كما أكدت، ولا شك فيما تؤكد: «إن تنفيذ توصيات الحوار سيتم بالآليات التي تم من خلالها تنفيذ التوصيات السابقة، عبر المؤسسات الدستورية التي لا يمكن بأي حال من الأحوال إلغاؤها أو إغفالها أو تهميشها».

فمن علّم القوم علوم السياسة؟ ألا يعلمون أن السياسة ليست فن اللعب على حبال التصريحات بقولها ونفيها كل يوم، بل هي أحداث تُرتب عليها نتائج تنبع من دراسات مطولة يرفدها تكتيك وخبرة سنوات في مناصب سياسية مستقلة فكراً وعلماً وليست تابعة كماً ونوعاً.

السياسة حسن الكلام ووضوح المنطق والحجة والصراحة وتقييم الأفكار قبل إطلاقها لتصبح تصريحات لا يمكن الرجوع عنها. والوعي السياسي هو الفهم العام للمناخ السياسي وما يحركه من تجاذبات ومخطّطات من الفاعلين السياسيين داخل القطر أو حتى خارجه.

ألا يعلم هؤلاء بأن السياسي هو الشخص الذي يشارك في التأثير على الجمهور الذي يحبه ويثق بقراراته من خلال التأثير على صنع القرار السياسي. ولهذا فالفهم السياسي هو موهبة في حد ذاتها لا تتوافر لكل من هبّ ودبّ وفي المحذور طب ومن الطبيخة شرب.

أما ألاعيب ما يُطلق عليه سياسة هنا، فهي إتقان فنون المراوغة والتهرب مما قيل وتم توقيعه، والتدليس في الحديث وتقوية ضعف الحجة بالكذب المغلف بالصدق الظاهر. لهذا ليس كل من يصرح هنا وهناك ثم ينفي أو يثبت تصريحه يسمى سياسياً. ولذا جاء رد فعل المعارضة واعياً وسياسياً أكثر حين طالبت بجدول عمل لما يسمى «حوار التوافق الوطني»، وبوضوح وشفافية حكومية في الهدف من وراء هكذا حوار.

ويبدو المشهد، أن ما سوف يحدث ما هو إلا «قرقرة دجاج» في قفص، وإن كان أصغر من القفص السابق بكثير، إلا أنه يبقى جزءاً لا يتجزأ مما حدث من فشل للوضع السابق. أليس هذا إصراراً يؤكد شكوك المعارضة فيما حدث وسيحدث؟ فقد أشارت نوعية من التصريحات المشار إليها أعلاه، إلى أن الحكومة ستشارك في الحوار الوطني المرتقب، من خلال وزراء ممثلين عنها وسيكون لها الدور الذي لعبته في جلسات الحوار الأول.

فهل هي جلسة استجواب في مجلس النواب حتى تشارك الحكومة بوزراء يلعبون نفس أدوارهم في النسخة رقم واحد من هذا الحوار؟ فهو، كما يبدو، لقاء محاسبة أخطاء بسيطة ووعود بتعديلها مستقبلاً أو تجاوزها، كوعودهم بالقضاء على الفساد في تقرير الرقابة المالية طيب الذكر، ثم ينفض السامر ولا من سمع ولا من نفذ.

وإذا كانت الحكومة ليس لديها اعتراضات مسبقة، كما قيل في تلك التصريحات، على أي ممثل تختاره الجمعيات السياسية، للمشاركة في استكمال الحوار؛ فهل يمكن أن تختار المعارضة أحد الرموز المعتقلين ليمثلها وتطالب بإطلاق سراحه ليكون على الطاولة؟ وهل يمكن أن يوافق الطرف الرسمي؟ وأطرف ما قيل في تلك التصريحات أن الضامن الوحيد لتنفيذ التوصيات التي ستنتج عن حوار الغد هو «شعب البحرين»، مع نقطة آخر السطر. والأطراف الموجودة على طاولة الحوار.

فمن هو «الشعب» المقصود هنا، وكيف يمكن أن يضمن، وهو لا حول له ولا قوة في اتخاذ قراراته حالياً، تنفيذ مثل التوصيات التي ستصدر؟ ثم ألا تلاحظون الإصرار على وصف ما سوف يصدر، إن حدث، بالتوصيات وليس بنود اتفاق يجب تنفيذه؟

وكلنا يعرف بأن التوصيات ربما لا تقرأ أو يرمى ببعضها في سلة المهملات، كما يحدث في المؤتمرات العربية، لأنها ببساطة ليست ملزمة لمن يقرأها بأن ينفذها!

وهنا صاح الديك في الدجاج «كفوا عن القرقرة... واعطوني جملة مفيدة».

إقرأ أيضا لـ "محمد حميد السلمان"

العدد 3808 - الجمعة 08 فبراير 2013م الموافق 27 ربيع الاول 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 5 | 4:09 ص

      المعارضة

      المعارضة هي الحور والحوار هو المعارضة وبدون معارضة لا يوجد حوار....

    • زائر 7 زائر 5 | 3:27 م

      مقال جميل

      تسلم يدك وروحك الله يحفظك

    • زائر 3 | 11:34 م

      فكره تستحق الدرس

      لماذا لا تشرك المعارضة القاده المغيبين في السجون ضمن الوفد المفاوض عند قرار المشاركة في الحوار

    • زائر 2 | 11:05 م

      تناقض التصريحات يعني عدم الجدية وسوء النية

      تصريحات متباينة
      دعوة للحوار من أحد أقطاب النظام
      رفض للحوار من قطب ثان في النظام ومعه مؤيدوه
      دعوة مستعجلة من قطب ثالث ارادت فك النزاع
      تصريحات متباينة من وزراء خاصة على دور الحكومة ( وهي الرافضة للحوار )
      استجابة سريعة من الموالين وجمعياتهم
      بالامس قلتم لاحوار ولا مطالبت الا تحت قبة البرلمان
      مالاذي دفعكم للتنازل عما قلتم هل هو الغاء الاصوات من صراع نفوذ ولعب
      من العاب السياسة الوسخة القذرة

    • زائر 1 | 10:53 م

      موقف المعارضة غير الصريح ليس بمريح

      على المعارضة التصريح بلغة الواثق و بصوت واضح المعاني لن ندخل هذا المنتدى لانه ليس حوارا و لأن السلطة لم تقر بأصل المشكلة فعلى اي شئ يتحاور و اصل الخلاف الذي انعقد من اجله الحوار ترفض السلطة الإقرار به و تكرر أنها مسألة أمنية

اقرأ ايضاً