العدد 3864 - الجمعة 05 أبريل 2013م الموافق 24 جمادى الأولى 1434هـ

شعرية الخطاب في ديوان البحارنة «في خاطري... يبكي الحنين»

حينما يتسرب الجمال والبهاء من بين فجوات بعض الأشعار، وحينما تكون نصوصها حبلى ببديع الصور ورشيق الكلمات وجميل العبارات، يجد القارئ المتذوق للفن نفسه مشدودة إلى محاورة تلك القطع الفنية من أجل الاستماع إلى الأصوات المنبعثة من قراراتها وارتشاف رحيق الجمال الكامن في أعماقها. يجد نفسه متوثبة للتعرف على الأنامل المبدعة التي حركت النفس واستفزت الخيال وتفننت في الرسم بالكلمات.

لقد عشت هذه التجربة الجميلة وذقت حلاوة القراءة ومتعتها وأنا أتجول في حدائق شعرية غناء ازدانت جنباتها بأشعار متنوعة أبدعتها وسقتها شاعرية فنان مسكون بحب الجمال، عاشق للكلمة الحالمة، ومهووس بحب الوطن العربي في امتداداته الجغرافية والطبيعية وفي تعدديته الثقافية والسياسية. شاعر يربط بالكلمة الشعرية أطراف هذا الوطن، وينسج انتماءه حباً وشعراً. يتجاوز الحدود بخياله الواسع، ويخترق المسافات بقلمه الدفاق، ويلون الحياة بإبداعه الوديع. يمزج مياه البحرين برذاذ المحيط ويذيب كل جبال البعد الفاصلة بين الأجساد ليتيح للقلوب والأرواح كي تتصافح وتتعانق بكل محبة ومودة. عشت هذه التجربة القرائية الممتعة مع شاعر دولة البحرين المتألق وأحد مثقفيها الكبار المبدع تقي محمد البحارنة. شاعر لا يعترف بحدود للغة الشعر، يتجاوز بالكلمة الشعرية الأمكنة، ويسافر بخياله عبر الأزمنة، ويرتشف الجمال من كل الصور في هذا الكون البديع، ويعبّ منه إلى حد الثمالة. شاعر مبدع تشهد آثاره على تألقه وموهبته الشعرية، وهي آثار جديرة بالقراءة النقدية المسائلة لخبايا النصوص والكاشفة عن مكامن القوة والجمال فيها.

يعد الأديب تقي محمد البحارنة من الأصوات الشعرية الأصيلة التي أمسكت بزمام القول الشعري وأعطت للكلمة الشعرية الفرصة كي تتفجر جمالاً وروعة وإثارة. شاعر ينتمي إلى النبض الجمالي ويصدر عن رؤية مبدعة تستوعب التراث والحداثة، تذيب الحدود وتضع كل الجسور الممكنة للعبور بين الأزمنة والتجارب الشعرية. إنه شاعر مقتدر منفتح مكتمل الأدوات الفنية، يمتلك آليات النظم على النمط التقليدي كما يمتلك ميكانيزمات الحداثة الشعرية. اجتمعت فيه الشاعرية والمعرفة والحكمة والدراية الواسعة بسراديب الحياة ومنعرجاتها فتحولت أشعاره إلى سيرة ذاتية لشخصيته العاشقة للجمال والسابرة لأغوار الواقع والمتأملة في الوجود والإنسان والحياة.

لقد وجدت نفسي محاصراً بسياج شعري مذهب يجذبك إليه جذباً ويدعوك إلى مغازلته والارتماء في أحضانه كي تنال حظك من جماله وعذوبته التي تنساب بغزارة لتروي الجميع. وجدت نفسي بإزاء عالم شعري فسيح نابع من مبدع ذي عمق معرفي وذي دراية واسعة بقواعد النظم وشروطه وأصوله، من شاعر موهوب ملهم يطرق القول الشعري بالأصالة لا بالتبعية، من شاعر له وعي بالشعر وبأبعاده الروحية والجمالية والإنسانية.

ولهذا اخترت الاقتراب من عالم هذا الشاعر المقتدر بغرض إدراك السياق الرؤيوي الذي تنتظم فيه تجاربه الشعرية. ولعل الدخول إلى هذا العالم الشعري المثير يحتاج إلى شجاعة كبيرة وإلى جرأة قوية بنفس درجة ما يحتاج إلى مفاتيح وظيفية قادرة على فك شفرات النصوص، وقادرة على إحداث فجوات يتسلل من خلالها القارئ لاستنطاق دلالاتها القريبة والبعيدة ولتفكيك بناها العميقة بكل ما تتضمنه من متخيلات وتحليقات وسياحات جمالية. فالمخزون الإبداعي لشاعرنا لا يمكن فهمه أو التحاور معه أو اختراق جداره إلا باستيعاب تام للسياق النفسي والفكري الذي ينتظم هذا الإبداع، والذي يشكل الخلفية الذهنية لكل ولادة شعرية. فالدواوين الشعرية التي أبدعتها يد هذا الفنان تترجم ملامح شخصيته الملهمة التي كانت وراء ممارسته الشعرية، كما أنها تفصح عن مساهمة إبداعية ناضجة وشمت الساحة الثقافية العربية وأغنت خزانتنا الأدبية ديوان «بنات الشعر» صدر عام 1996 وديوان «في خاطري يبكي الحنين» صدر عام 2003 وديوان «من يضيء السراج» صدر عام 2009.

هذه التجارب الشعرية نابعة من رؤية شعرية منفتحة تنهل من التراث العربي وتتغذى بمائه وترتوي بروائه، كما أنها تنصت إلى همسات العصر وتستجيب لذبذباته. تستوعب الموروث الشعري وتحترم قواعده وآلياته، وفي الآن عينه تنفتح على قضايا الراهن وتتفهم أذواقه واختياراته. يتقاطع فيها الهاجس الوطني بالحس القومي بأحلام الذات وبأسئلة الحياة. تتعدد فيها الألوان والأطياف والظلال بتعدد ألوان أعلام الوطن العربي، وتمتد فيها الكلمات بامتداد خريطة هذا الوطن. فهذه الدواوين الشعرية وإن اختلفت عناوينها كتبت بمداد ملتزم أصيل، وبروح متعالية عن التعصب والطائفية، وبوعي إنساني يحترم كرامة الإنسان ويقدر مشاعره. ولذلك تتحاور القصائد الوطنية مع شقيقاتها القومية والإنسانية والإخوانية. وتتعايش فيها أسئلة الواقع مع أسئلة الذات. وتسافر فيها الكلمة الشعرية بين المحيط والخليج غير عابئة بالحواجز الجغرافية والسياسية والوهمية. في هذه الدواوين يلتقي حب البحرين وعشق ترابه بحب وعشق كل ذرة رمل من بلادنا العربية. ينبعث منها نشيد العروبة وصوت الأقصى وصيحات العراق ونبضات الخليج في أقصى الشرق، كما تنبعث منها نسمات أزهار المغرب ورذاذ مياه المحيط في أقصى الغرب. تتوحد فيها القصائد والمقطوعات والأبيات لتنسج ثوب الأصالة ورداء الهوية ولتصوغ شهادة الانتماء. وكل ذلك بأسلوب شعري خاص متميز، تظهر فيه ملامح صاحبه، وتنتصب فيه شاعريته الأصيلة التي شقت طريقها وسط كون شعري تعددت صوره وأصواته وتجاربه. فقد قرأ الشاعر لأسلافه ولمعاصريه، واحتك بتجارب غيره، وأرهف السمع والذوق لكل صوت شعري عذب، لكنه توقف عند عتبة هذه التجارب الشعرية القديمة والحديثة، فلم يتخذها قوالب جاهزة، ولم يتخذ أصحابها أوثاناً مقدسة، ولم يكتفِ بترديد ما سمعه وترتيل ما قرأه، وإنما صاغ حمولته الشعرية صياغة تحكمت فيها موهبته وذوقه الخاص، وغذتها ثقافته الأدبية وحساسيته الجمالية. وقد عبر الشاعر عن أصالة شاعريته بقوله «لا أستطيع القول إنني تأثرت بشاعر معين من هؤلاء بحيث حاولت أن أنسج على منواله، ولكني استفدت منهم في تكوين ذخيرة شعرية وذوق أدبي. فالشاعر الملهم يجب أن يكون له أسلوبه الخاص وطابعه المميز».

العدد 3864 - الجمعة 05 أبريل 2013م الموافق 24 جمادى الأولى 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً