العدد 3867 - الإثنين 08 أبريل 2013م الموافق 27 جمادى الأولى 1434هـ

فضاء للفتاوى ومحاور خير وشر

محمد حميد السلمان comments [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

مؤتمران عقدا في نهاية مارس/ آذار الماضي كانت بهما إشارات جدُّ مهمة فيما يحيط بالعرب اليوم وهم إما بعلم كبير به وبعضهم يغوص في أتونه حتى الثمالة، ومعظمهم غائب عنه، واما ليس ضمن أجندتهم الآنية. ففي غمرة انشغال الكثير من العرب حالياً بأحداث الفوضى الخلاقة في دول الربيع العربي أو الحريق العربي كما يسميها البعض، لم يعد هناك من يقف ضد ما يحدث من تشويه للإسلام أو توطين وتمكين نسيجي للكيان الصهيوني في الجسد العربي الإسلامي.

المؤتمر الأول هو «المنتدى الاجتماعي العالمي» الثاني عشر في تونس، وهو يعد أكبر تجمع سنوي في العالم لمنظمات المجتمع المدني المناهضة للعولمة النيوليبرالية. وهذا المنتدى هو النسخة المضادة لمنتدى «دافوس» الذي يعقد في سويسرا، ويجمع صُناع القرار السياسي والاقتصادي في العالم. وشارك في منتدى تونس الذي عقد تحت شعار «الكرامة» عشرات الآلاف من نشطاء المجتمع المدني و4500 منظمة غير حكومية و200 نقابة من 135 دولة.

والثاني هو مؤتمر «هرتزيليا الصهيوني الثالث عشر»، الذي يعد أحد أهم المؤتمرات التي تضع استراتيجية الكيان الصهيوني. ويمثل مؤتمر «هرتزيليا» ما يمكن أن نسميه بـ «عقل إسرائيل»، حيث تشارك فيه جميع النخبة الإسرائيلية، سواء في الحكم أو في المعارضة، مدنية أو عسكرية، علمانية أو دينية، للنقاش في أهم القضايا التي تواجه «إسرائيل»، وطرح رؤى لكيفية التعامل معها ومواجهتها، وترتيب أولويات «إسرائيل» لمدة عام كامل. وهذا المؤتمر تأسس في العام 2000 على يدي مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الجنرال عوزي أراد، ويعقد اجتماعاته السنوية بمشاركة شخصيات وفعاليات عربية بارزة أطلعت قادة الصهاينة على المسائل المتعلقة بصعود الإسلاميين في بلدان الثورات العربية! أما عن أهداف المؤتمر فتتركز في البحث عن السبل الضامنة لأمن «الكيان الصهيوني» وتطلعاته المستقبلية.

وما يعنينا تماماً هنا ما يخص «المنتدى الاجتماعي العالمي» في تونس، هو مناقشة وضع النساء وحقوقهن، وخصوصاً في دول الربيع العربي، التي انتقل فيها الحُكم منذ عامين إلى أحزاب إسلاموية تواجه اتهامات بالتمييز ضد المرأة. وقد حضر «الجلسة العامة للنساء» في المنتدى مئات من الناشطات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، وقد حذّرن من فتاوى تنحصر في إهانة المرأة العربية خصوصاً والمسلمة عموماً. وجاء التحذير من فتاوى هذا الزمان العجيبة التي لا تكاد تفارق النواحي الجنسية فيما تلقيه على مسامع الناس عبر الإعلام الرهيب، وأبرزها فتاوى «جهاد المناكحة» التي تهين المرأة في زمن الثورات العربية، كما ذكر بعض الباحثين، التي تظهر انشغالات الإسلامويين، بما ليس مهماً لدى الإنسان العادي، بقدر اهتمامهم بالعدد الوفير من العقد التي لها أول وليس لها آخر.

وقد وصفت قيادية في حزب «حركة نداء تونس» المُعارض، توريط فتيات تونسيات فيما يُسمى بـ «جهاد النكاح» في سورية، بالعار على تونس، ودعت إلى ضرورة معالجة ظاهرة تدفق الجهاديين التونسيين للقتال في سورية بالحوار الآن وقبل استفحالها. وأعربت عن خشيتها من تأثير التطورات المرتبطة بالملف السوري في القضية المركزية للعرب، أي القضية الفلسطينية التي أشارت إلى أن الاهتمام بها تراجع كثيراً خلال العامين الماضين ارتباطاً بالحراك الشعبي الذي تعيشه بعض الدول العربية.

أضف إلى ذلك، ما تدعمه الرأسمالية العالمية اليوم ومن خلال المال العربي للأسف، في حروبها، لتشويه صورة الإسلام بطريقة فجة. ذلك عن طريق دعاة وفي خضم الصراعات الداخلية في دول الربيع العربي يقدمون فتاوى لا يمكن لأي عقل قبولها، كفتاوى مسلسل التفجيرات في العراق وسورية، وإباحة القتل على الهوية العرقية والدينية والمذهبية، وسبي السوريات بالجهاد ثم الزواج بهن دون رغبتهن، وفتوى شرعية تزويد السلاح لأي ثائر ضد نظام بلاده ولكن بحسب الحاجة لذلك. وفتاوى أغرب من الخيال، مثل فتوى حرمة اختلاء الرجل بالشاب الوسيم، وحرمة جلوس المرأة وحدها على جهاز الكمبيوتر إلا بوجود محرم بجانبها!

في أي زمن يريد هؤلاء أن يعيدوا المسلمين إليه؟ ومن هو المستفيد الأول من مثل هذه الفتاوى والقضايا؟ ألا يسمعون ضحكات أعداء الأمة من هذا الصخب الفتوي إن صح التعبير، فما بالكم كيف تحكمون؟ ألا يوجد علماء أجلاء يقولون كلمة حق في وجه طوفان تشويه صورة الإسلام التي أرساها الرسول (ص) للبشرية بحلةٍ ناصعة البياض ومدنيةٍ ذات حضارة سامية. أولا ينظرون في الجانب الآخر لما يفعله ويخططه الصهاينة ومعهم داعمهم الأكبر، الولايات المتحدة، في مؤتمر «هرتزيليا»؟ وأخطر ما توصل إليه ولسوف يطبقه بشكل أكبر، ضرورة تشكيل البيئة الإقليمية من المنظور الصهيوني في تكريس الصراع السني - الشيعي من خلال السعي لرسم محورين، واحد للخير تدعمه الصهيونية العالمية، وآخر للشر تحاربه الصهيونية العالمية. أي ان الكيان الصهيوني صار هو من يحدّد عالمياً من يجب أن يُحارب ومن يجب أن يُسالم! ولربما قريباً تصدر الفتاوى الشرعية من تل أبيب أيضاً.

وسيقوم الكيان الصهيوني وهو ينسج خيوطه ضمن العباءة العربية بقيادة محور الخير مع العرب وبالذات ممن يخشون من وصول قطار الثورات إليهم، عن طريق تشجيع دول المنطقة العربية الغنية لتوفير موارد كافية لمساعدة الدول العربية التي تعاني من تدهور اقتصادها مثل مصر والأردن.

وتمعنوا جيداً في هذه العبارة المنقولة من المؤتمر «وانتقد المؤتمر سياسة الاختفاء من أمام العاصفة، التي اتبعتها «إسرائيل» منذ بداية الاضطرابات في المنطقة قبل عامين، وأكد أن استمرار السلبية الإسرائيلية من شأنه أن يعرّض مستقبل إسرائيل للخطر في شرق أوسط يتشكّل، وأن إسرائيل قادرة على إحداث تغيير ويجب أن يكون هذا هو المهمة الأولى للحكومة الجديدة».

فانظروا وتأملوا أي هوان يعيشه العرب اليوم بعد عامين فقط من ثورات شعبية كان من المفترض أن تنقذ العالم العربي الزاخر بالثروات من الدكتاتورية والاستبداد القديم والفساد المبدد للثروة؛ فإذا بها تتحوّل بسرعة البرق، بفعل فاعل، إلى عالم يعج بالفتاوى الجنسية والتكفيرية والفساد أكثر من السابق. بينما الصهيونية العالمية بجميع رموزها هي التي تخطط للأنظمة الجديدة مستقبلها فتصنف لها مواقعها في معسكرات ومحاور هي من يرسم خطوطها، فتصنف إلى محاور شر يجب القضاء عليها، ومحاور خير يجب إبقاؤها ولو بالقوة المسلحة لأنها ستحافظ على أمن واستمرار الكيان الصهيوني لأمد أطول ولو إلى حين. ففي أي عالم عربي مسلم نعيش اليوم؟ وماذا بقي من ربيعنا المقبل على صيف ساخن جداً جداً.

إقرأ أيضا لـ "محمد حميد السلمان"

العدد 3867 - الإثنين 08 أبريل 2013م الموافق 27 جمادى الأولى 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 5:34 ص

      ما يهمنا هرتزيليا الصهيوني الثالث عشر

      هذا المؤتمر ركّز على العدو الاول للكيان الصهيوني وبالطبع هناك من الامة الاسلامية من شارك الكيان الصهيوني استعداء هذا المكون من العالم الاسلامي
      وعلى ما اظن ان الكلام مفهوم من هو المقصود بهذا الاستعداء ولماذا؟
      ونقول للكيان الصهيوني مهما فعلت فلن تستطيع الانتصار على هذا الفكر فهم موعودون بنصر الهي عليكم

    • زائر 1 | 1:35 ص

      أحسنت. استغرب أن التعليقات فقط غلئ المقالات المحلية

      هذه المقالات تستحق التعليق عليها لتنويرها القارئ ومحاولة الدفع باتجاه تغليب الحكمة والتخطيط السليم لقيادة الأمم بعقول حكمائها لا من يرتقى منصب الإفتاء ولا يعلم عدة من توفت عن زوجها. (لا عدة عليها)- ستراوي

اقرأ ايضاً