العدد 3981 - الأربعاء 31 يوليو 2013م الموافق 22 رمضان 1434هـ

ديمقراطية النصوص وديكتاتورية النفوس

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

ليس صعباً أن تقول بأنك عالِم، لكن الصعوبة في أن تُثبِتَ أنك كذلك في حضرة العلماء وإفاضاتهم. وليس صعباً كذلك أن تقول بأنك صاحِب بصيرة وبُعد نَظَر، لكن الصعوبة في أن تُثبِت ذلك وأنتَ في أتون الفِتَن، عندما يُقْبِلْنَ عليكَ مُشبِّهات، ويُدبِرَنَ عنك مُنبِّهات. هذه هي المعادلة.

وبناءً على هذا القياس، فإنني عادة ما أتذكر بعض الأنظمة السياسية المتكلِّسة، التي تدَّعي بأنها ديمقراطية، لكنها تفشل في أبسط اختبارات الديمقراطية. «تتدَستَر» بالدساتير، المتضمنة كلماتٍ حقوقية وقانونية متقدمة وبرَّاقة، لكنها غير قادرة على «دَستَرَة» أفعالها على الأرض!

ماذا يُفيد، لو أن دستورَ دولة تضمن مادةً تقول: «لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية، وما يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية» في الوقت الذي يمتلئ فيه ذلك البلد، بالقوانين العرفية وتفسيراتها، المُقيِّدة للحريات، والتي تتعارض مع أبسط ملامح الديمقراطية!

ماذا يُفيد، إن تضمَّن الدستور مادة تقول: «المواطنون متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب العرق أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي» في الوقت الذي نرى فيه مواطنين بمنازل مختلفة، فيكون لهذا حظوة على ذاك، والسبب، هو دواعٍ طائفية، عرقية، مناطقية، شلَليَّة؟

ماذا يفيد إن حَرَّم الدستور «جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية» وقال أنه «لا عبرة لأي اعتراف انتزع بالإكراه أو التهديد أو التعذيب»، في الوقت الذي يُوجد فيه مواطنون، قَضَوا تحت التعذيب، وبعضهم أصيبَ بعاهات مختلفة في جسده، وفي نفسه؟

هذا النوع من الدول، مصابٌ بالانفصام في الشخصية. دولة، تكذب على نفسها وعلى مواطنيها. وعندما توجد دولة مُنفصِمة، فهذا يعني أنها دولة مريضة، لا يُمكنها أن تمنح العلاج من أسقام هي عاجزة عن توفير دوائها لنفسها! وعندما تصبح دولة كاذبة، تُصبح الثقة فيها مُنعدِمة وغائبة. وعندما تنعدم الثقة ينعدم كل شيء، حيث تصبح الريبة هي الحَكَم.

ليس ذلك فحسب، بل إن ابتعاد العنوان عن المُعنوَن، والقول عن الفعل، والموضوع عن المصداق في الدولة، يجعل من تلك الدول، دولاً مستجيبة للأزمات. فالناس، لا يسدُّ جوعها الشعار، ولا النص المكتوب بعناية، بل يعنيها في نهاية الأمر، أن تتذوَّق فِعل تلك الشعارات وتلك النصوص.

وربما قَبِلَ البريطانيون، أن يعيشوا بدون دستور مكتوب، ومواد مُنَصَّصة، مادامت تلك المواد فاعلة على الأرض، ويشعر بجدواها الناس، وتُنتج لهم مجلساً للعموم، قادراً على التدقيق حتى في فواتير البنزين الخاصة برئيس وزراء بريطانيا، دون أن يكونوا بحاجةٍ إلى دستور مُنمَّق في كلماته ومواده.

كلنا بات يشاهد، أنه وعندما تُحاصَر الأنظمة الفاسدة، بفساد سلوكها، تلجأ إلى اعتماد الحيلة. فمرةً تدَّعي بخصوصية البلد، ومرة تدَّعي بكفر مفهوم الديمقراطية، كونها إنتاجاً غربياً. ونحن نتساءل هنا: هل تلك الخصوصية المُتذرَّع بها تمنع سرقة الثروات الوطنية، وتمنع القيام بالانتهاكات والتمييز بين الناس، أم أنها تجيز تلك الأفعال المشينة؟

ما هذه الخصوصية التي لا تستطيع أن تستوعب مفهوم التشاركيَّة في السلطة، ولا إقامة العدل، ولا إبعاد بطانة السوء، ولا ضرب أيدي الفاسدين؟ ما هذه الخصوصية التي لا تستطيع إلاَّ أن تجعل الدولة، دولة طائفية، في خطابها وسلوكها؟ فإن كانت الخصوصية التي يرومونها، (ويريدون من الناس أن يقبلوا بها) تُعرَّف بهكذا تعريف، فلعنة من الله والناس على هذه الخصوصية ما بقي الدهر.

لا يوجد أكثر من خصوصية الهند العرقية والثقافية، التي فيها الهندوسية والإسلام والمسيحية والبوذية والسيخية واليانية، وفيها من اللغات ما يعجز المرء عن إتقانها، ما بين هندية آرية، ودرافيدان، وواحد وعشرين لغة أخرى يعترف بها الدستور الهندي، وألف وستمئة واثنين وخمسين لهجة، لكنها تحوَّلت إلى دولة ديمقراطية، ولم تتذرَّع بالخصوصيَّات الوهمية.

أما إذا كان البعض لا يريد للديمقراطية أن تسود، كونها مُنتَجاً غربياً، فليس هناك أدنى مانع من أن نستبدلها بعنوان آخر، شرط أن يكون هذا العنوان، قادراً على منح الناس سلطة مراقبة الحكومات عبر مجالس تشريعية حقيقية، وإنهاء الفساد! فالناس لا تريد من الديمقراطية لفظها اللاتيني، وإنما جوهرها، وليكن البديل، يحمل عنوان الكونفوشيوسية، أو المنسيوسية، الهرمنتيكية وغيرها من العناوين الملائمة وغير اللائمة، إن كان هذا مريحاً للذين يخافون أن يكفروا!

نعم، لا نريد عناوين، نريد مُعنونات. ولا نريد علباً، بل نريد ما فيها من نفائس. لأننا ندرك بأن هذه الحجج ليست نابعةً من دواعٍ أخلاقية، ولا هي خوفٌ منهم أن يتشَطَّطوا في الدِّين، بقدر ما هو خوفٌ منهم على السلطة التي يملكونها، والثروات التي يستحوذون عليها. ولو كانت الديمقراطية سبيلاً لهؤلاء كي ينالوا ما عندهم اليوم، لما تردَّدوا في أن يُشرِّعوا صوابية الأخذ بها.

السبب في أن هؤلاء آمنوا بالديمقراطية كنصوص، ولم يتخلصوا من الديكتاتورية في النفوس. لا يستطيع مَنْ لم يتعوَّد أن يُحاسَب، ومَنْ لم يسمع إلاَّ الطاعة والتسليم المطلق، أن تأتي اللحظة التي تكون فيها تلك النفس، نفساً عادية كبقية الأنفس، التي تشقى وتتعب، وتُسوِّي أشياءها بيديها، وتستمع لما لا يسرها من قول، أو حتى تنسحب حين ترى أن مَنْ هو أجدر منها قد حَضَر.

هؤلاء لم يتعوَّدوا أن يحكموا دولةً متسامحةً، مُستوعِبةً للجميع. ولم يتعوَّدوا النزول إلى الناس في بيوتاتهم وأزقتهم (وليس في المجالس المُجلَّلة، والموائد المُطبرَزَة) ويروا ما يأكلون وما يشربون، أو يُجالسوا الفقراء والكهول، ويعرفوا مَنْ منهم مَدِينٌ بِدَيْنٍ يَهمُّه في الليل، ويذله في النهار. هذه هي المشكلة، ما بين أن يكون لدينا نصوصٌ ديمقراطية، وبين أن يكون لدينا نفوس ديكتاتورية.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 3981 - الأربعاء 31 يوليو 2013م الموافق 22 رمضان 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 7 | 6:03 ص

      نعم المقالة

      هذا المقال هو من خيرة ما خطت يداك صدقا وموضوعية على أنك قد كتبت الكثير من المعاني الطيبة ولكنك اليوم تكتب صادقا يجتاحك ألم عميق، تكتب وهم يسمعون الناس صليل سيوفهم، يزيدون ويرعدون ، يريدون من الناس قبول ما عرضوه من بضاعة تافهة قد ركزوا بين السلة والذلة

    • زائر 5 | 4:55 ص

      القذافي مثال

      القذافي لم تعجبه الديمقراطية واختلق مصطلح اللجان الثورية والشعبية لكنها كانت أسوأ من الديكتاتورية نفسها

    • زائر 4 | 1:03 ص

      من باع الذّر على فحّام ,ضيّعه.

      إعمل الخير لأهله.. ومن عمله لغير أهله ضيّعه.

    • زائر 3 | 12:40 ص

      البصري((دكتاتوريه اللصوص وديموقراطيه الفلوس))

      دخل عبد الله ابن عباس على علي قبل حرب الجمل في خيمته وكان يعتقد ان يراه وحوله القاده العسكريين اصحاب القلوب الصخريه او الفولاذيه أو بين يديه خوارط الهجوم على العدو ..!!! أبدا وجده جالس يخصف نعله فمتعض فنظر اليه علي وقال بكم هذه يعني نعله فقال له لا تساوي شيئ ، فأجاب أن خلافتكم هذه لا تساوي عندي شسع نعلي الا ان آمر بالمعروف وأنها عن المنكر . ألتفت علي الى احدهم ينظر الى قميصه البالي فلتفت اليه علي عليه السلام فقال مالك تطيل النظر الى سمالي لان خرجت من الكوفه بغير....

    • زائر 6 زائر 3 | 5:13 ص

      رجاء أكمل....

      ماذا حصل لإبن عباس؟ ماذا فعل؟ كيف رد على إبن عمه على بن أبيطالب؟ كيف إنتهى فى صحراء الشام؟ من سرقه؟ لماذا؟ كل المعايير المعنوية تضمحل أمام المال. رجاء أعد قراءة تاريخ ابن عباس.

    • زائر 1 | 11:08 م

      الإنسان الحيوان

      ردا على أسئلة المقال والتى تبدأ مع عبارة ما الفائدة؟: إن الصراع هو بين الإنسان الحيوان و الإنسان المتظاهر بالحداثة و التطور. فى داخله حيوان و فى ظاهره ما يريد أن يعرفه عن نفسه و يتظاهر بها. لذلك يخالف الإنسان الحيوان كل ما أقره فى الإنسان المتظاهر بالحداثة. هذه حالة عامة و موجودة فى البشر فى كل العالم. المخالفة للقوانين لأصحاب النفوذ و المال و التنصل من العقاب أمر عادى فى أكثر الدول إدعاء بالديموقراطية و العدالة و حقوق الإنسان.

اقرأ ايضاً