العدد 3988 - الأربعاء 07 أغسطس 2013م الموافق 29 رمضان 1434هـ

سيْبَويه والكسائي وعصرنا

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

كان عالِم اللغة الجهبذ أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر البصري، المعروف بـ «سيْبَوَيه» فقيراً مِعْوز الحال. فَقَصَدَ بغداد آملاً أن يحظى بعطاءٍ من الخليفة العباسي هارون الرشيد. وعندما سَمِعَت دار الخلافة بمقدمِه، أوسَعَت له المجلس، وأفاضت عليه من الحظوة الكثير.

فغاظَ ذلك أبا الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز المعروف بالكسائي، وكان عالِماً مشهوراً في اللغة أيضاً. وكان يُمثِّل مدرسة الكوفيين في النحو ويؤمّهم، في حين كان سيْبَوَيه يُمثل مدرسة البصريين، وكان بين المدرستَيْن جولات نقاش وسجال.

فاستغلَّ الكسائي، طلب يحي بن خالد البرمكي وزير الرشيد منه أن يُناظِر سيْبَوَيه في محضر الخليفة. فاستدعى نَفَراً من الأعراب، ليُعاضدوه في حجَّته، ولقَّنهم ما يريد من أقوال. وعندما تقابلا وحضر الجمع في محضر الرشيد، سأل الكسائي سيْبَوَيه عن هذه المقولة: كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي (أو) فإذا هو إياها؟

فأجاب سيْبَوَيه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب. فقال له الكسائي: لحنت. ثم سأله عن مسائل أخرى، فردَّ سيْبَوَيه في كل ذلك بالرفع دون النصب. فقال الكسائي: ليس هذا كلام العرب، فالعرب ترفع في ذلك كله وتنصب. وكان قبل هذا قد سأل الأحمر سيْبَوَيه عن ثلاثٍ فخطَّأه فيها، وسأله عن: أبون، وأبين وأيت أو أويت فَخطَّأه في ذلك متعمداً أيضاً.

فقال البرمكي بعد أن استمع للحُجَّتيْن: قد اختلفتما (الكسائي وسيْبَوَيه) وأنتما رئيسا بلدَيْكما فمن ذا يحكم بينكما؟ فقال الكسائي: هذه العربُ بِبَابِك، قد جَمَعتُهم من كلِّ أوْب، وَوَفَدَتْ عليكَ من كل صِقْع، وهم فُصَحَاء الناس، وقد قَنعَ بهم أهلُ المِصْرَيْن، فيُحضَرون ويُسألون. فقال يحيى: أنصفت.

فأمر بإحضارهم، وسُئِلوا فانتصروا للكسائي. فاستكان سيْبَوَيه، ثم أقبل الكسائي على يحيى فقال: أصلحَ الله الأمير، إنه قد وَفِدَ عليكَ من بلدِهِ مُؤمِلاً (أي سيْبَوَيه) فإن رأيتَ ألاَّ ترده خائباً. فأمَرَ له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصَيَّرَ وجهه لفارس، فأقام هناك حتى مات غَماً ولم يَعُد إلى البصرة. ومذ ذاك، سُمِّيَت هذه الواقعة، بالمسألة الزنبوريَّة.

أورِدُ هذه القصة، لأتناول شيئاً من قضايا النحو والصرف، التي لازالت بعض معاهد العلم، تصرُّ على تدريسها مثلما جاءتنا ناشفة غامضة. وقد مَرَّ علينا في دراستنا الأكاديمية، مستويات عِدَّة، من النحو المُغلَّظ، ضمن ما هو مُقرَّرٌ علينا في دراسة اللغة. وكم كانت ساعاتها مُرهِقة، مليئة بالزنبوريَّات، لولا قدرة مُعلِّمينا الأفاضل على تيسير المطالب العلمية فيها.

الحقيقة، أن طراوة اللسان من دون لحن، وحلاوة المكتوب من دون هفوة، لهو أمر جميل، يزيد من روعة الكلام، فيكون أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع (كما وَصَفَ عبيد الله بن زياد ألسِنة أهل النهروان) لكن البعض، أصبح يُغالي في اجتهاده صوبَ قواعد النحو والصرف، إلى الحد الذي ألزَمَ نفسه وألزمنا بما قرَّره الكوفيون والبصريون، بمشاربهم اللغوية المتعددة، وسارَ على حججهم، وكأنه لا يوجد عِلم أهم من تلك التفصيلات.

بل إنني خِلتُ أن لا كلمة عربية تجافي الصواب، في رفعها أو نصبها من كثرة التخريجات اللغوية، التي طَرَقَها أولئك البصريون والكوفيون، ونقلوها إلينا، فأصبحت كثير من الكلمات متساوية في صحتها، نظراً لنصرة فريقٍ من النحاة لها، وكأنها تخريجات الشيخ عبد الكريم الجيلي في مسائل الحق، كما ذكرها في كتابه الإنسان الكامل.

وربما نستحضر هنا ما كان بين الكوفيين والبصريين من سِجال ورَّثونا إيَّاه حول إعراب نِعْمَ أو بِئسَ، حين اعتبر البصريون أنهما فعلان ماضيان «والمُحلّى بأل بعدهما فاعل والمرفوع بعد ذلك المخصوص». في حين قال الكوفيون أنهما إسمان «لشبههما بالحرف الذي كان حقّه أن يُوضع للمدح أو الذم، لأنهما من المعاني الجزئية التي تُؤدَّى بالحروف، فهما مبتدأ والمُحلّى بأل بعدهما بدل أو عطف بيان، والمخصوص هو الخبر، ويجوز العكس»!

وبين ذلك كله سجالات لغوية عميقة لا تنتهي، لكنها وفي الوقت نفسه لا تنتشل غريقاً، ولا تسدُّ رمقاً، ولا تشفي غليلاً، فضلاً عن أنها لا تشبع المرء علماً، وهو يعيش حركة دائمة في مواضع العلوم ومراتبها في هذا العصر، الذي رفَعَت من وتيرة نشاطه ثورة الاتصالات، وقدرة الناس على تحويل اهتماماتها طبقاً لمقتضيات أوضاعها وحاجاتها.

لقد كان الإمام أبو حنيفة النُعمان يقول: «بأن المُكثِر من النحو، كالمكثر من غرس شَجَرٍ لا يثمر». وكان أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ يقول: «وأما النحو، فلا تشغل قلبك منه إلاَّ بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن، ومن مقدار جهل العوام في كتابٍ إن كَتَبَه وشعر إن أنشده، وشيء إن وَصَفَه، وما زاد على ذلك فهو مشغلة عما هو أولى به».

خلاصة الحديث، حاجات الناس تتبدَّل باستمرار. ليس عندنا نحن العرب أو المسلمين فقط، بل لدى جميع الأمم. والعلوم ما دامت في خدمة الناس فهي أيضاً تتطوَّر. وقد وجدنا كيف أن علوم القرن الثاني عشر الميلادي، تختلف عن علوم القرن السابع عشر في أوروبا، كالنظرة إلى التاريخ، ما بين كونه فناً أو علماً. بل إن علوماً جديدة ظهرت، وتزامنت مع حركة الأحداث، حين وقعت المتغيرات السياسية والاجتماعية، ما بعد العام 1789.

لذا، ما يتمناه المرء، هو أن تتساوى حاجاتنا من اللغة مع ما يُلزَم به الدارسون لها، فذلك أولى، كي يُتاح لهم إنصاف بقية العلوم.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 3988 - الأربعاء 07 أغسطس 2013م الموافق 29 رمضان 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 5 | 10:22 ص

      سؤء المقال الصحفي

      اخي محمد انت فين والناس فين اكتب موضوعات جديدة احنا في عصر الانترنت والفيسبوك وعيرها من التطورات العلمية وانت فاعد سيبوية والكساني والاقحواني والحيزبوني لايكون انت خارج السرب تحياتي

    • زائر 6 زائر 5 | 1:14 م

      تعقيب على الزائر 5

      يا اخي الثقافة ليست سرب واحد ولا هي انشغال بالسياسة او الاقتصاد فقط هي عناوين كثيرة ومن يقرر لنفسه ان يعيش في سرب واحد فلن يفهم شيء في حياته. التنوع مطلوب

    • زائر 1 | 12:27 ص

      اصل الكلمات

      (فخرج وصير وجه لفارس فاقام هناك حتى مات)كما هو ظاهر ان اهل فارس اجلتهواكرمته واعتبرته احد من ابنائها سيبويه او سيب بوي كلمه اعجميه تعني رائحة التفاح لو حيذا يتكرم لنا الكاتب لماذا سمي او لقب به0

    • زائر 2 زائر 1 | 5:26 ص

      تسميته

      شكرا على المقال والمعلومات التي تضمنها. وردا تساؤل الزائر فإن أبو بشر عمرو بن عثمان سمي سيبويه لأن وجنتيه كانتا كالتفاحتين بديع الحسن كما قال الحربي. وقال العيشي: كنا نجلس مع سيبويه في المسجد وكان شابا جميلا نظيفا قد تعلق من كل علم بسبب وضرب بسهم في كل أدب مع حداثة سنِّه

    • زائر 3 زائر 1 | 5:57 ص

      قال مات غما

      إلايرانيين جابو ليه العله ومات غما ، وين اعتبرته واحد من أبناءها

اقرأ ايضاً