فتوى السيستاني

قاسم حسين

كاتب بحريني

نشرت وكالة (يو بي آي) الخميس الماضي خبراً عن فتوى المرجع الديني آية الله العظمى السيد علي السيستاني، بعنوان: «السيستاني يؤكد أن سبّ أصحاب النبي وزوجاته مخالفٌ لما أمر به أهل البيت شيعتهم».

وفي متن الخبر، أكد السيّد أن «سبّ أصحاب النبي محمد (ص) أمرٌ مُدانٌ ومستنكرٌ جداً»، وكان ذلك رداً على استفتاء قُدّم إلى مكتبه في العراق الذي يشهد منذ سنوات استقطاباً طائفياً حداً.

وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، صورةٌ لنص الفتوى الصادرة عن مكتب المرجع الديني الأعلى في النجف، حاضرة الفقه الشيعي وعاصمة الفكر والثقافة والتاريخ العريق، حيت تحتضن أقدم جامعة إسلامية تمتد جذورها لأكثر من ألف عام. وهي مدرسةٌ فكريةٌ فقهيةٌ حافظت على استقلاليتها المادية والمعنوية طوال هذه القرون، رغم تقلب العراق تحت مختلف أصناف الحكومات المستبدة، ملكية وجمهورية، وكان أقساها بعد العثمانيين، حكم البعث الدموي، الذي قاد العراق إلى كل هذه الحروب والكوارث الإنسانية الكبرى. وفي حقبته المظلمة حدث لأول مرة أن اقتاد الطاغية صدام حسين زعيم الحوزة العلمية المرجع الأعلى السيد الخوئي إلى بغداد دون مراعاةٍ لكبر سنه أو منزلته العلمية أو الدينية.

اليوم، يقف خلَفُهُ السيد السيستاني على رأس الحوزة العلمية، وهو شخصيةٌ موضوعيةٌ تحترمها كافة الأطراف لأخلاقيتها ومناقبيتها وعدالتها. ورغم ما تعرّض له من حملات تشويه من القوى الطائفية، إلا أن التاريخ سيذكره باعتباره الشخصية التي جنّبت العراق من الانزلاق إلى حرب أهلية تحرق الأخضر واليابس. وفي الوقت الذي كانت القوى التكفيرية تعلن عن مخططها لدفع العراق إلى أتون الاحتراب المذهبي، وتمارس القتل على الهوية، وقف الرجل بكل ثقله في وجه هذه العاصفة الهوجاء، وخاطب أتباع المدرسة بقوله: «لا تقولوا إخواننا بل قولوا أنفسنا». وهي حقيقةٌ يعرفها الجميع، جعلت أحد الكتاب الأجانب يدعو إلى منحه جائزة نوبل للسلام، مع يقيننا بأنه أكبر من جوائز نوبل وسواه، وجائزته الكبرى هي رضوان الله وراحة الضمير.

السيستاني بقي طوال السنوات الماضية بمنآى عن السياسة، واحتفظ بمسافةٍ من السياسيين، واقتصر دوره في السياسة على النصح والتوجيه. والرجل الذي اتهم ظلماً وزراً بأنه رحّب بالاحتلال الأميركي، نآى بنفسه عن مركز العاصفة حين هبّت أعاصيرها على العراق، إيماناً منه بأنها ليست حربه ولا حرب الشعب العراقي، وإنما حرب الكارتلات النفطية مع نظام دكتاتوري مستبد، تسلم عنوةً حكم العراق بلداً للعسل والنفط، وسلّمه عظاماً وجماجم ومقابر جماعية منتشرة في كل المحافظات. والذين كانوا يهدّدون الأميركيين بتحويل أسوار بغداد إلى مشانق للعلوج ويفترض أنها معركتهم الكبرى، هربوا من ساحة المواجهة، وتفكّك الجيش النظامي وتبخّر الحرس الجمهوري، وفرّ كبيرهم إلى مخبأ في أحد البساتين سبعة أشهر حتى دلّهم عليه أحد حرّاسه المقرّبين.

الفتوى الأخيرة جاءت رداً على استفتاء، بعدما انتشر مقطع مصوّر خلال الأيام الماضية يُظهر مجموعة من الشبّان يردّدون شعارات مسيئة لصحابة النبي وبعض زوجاته (رض)، أثناء مرورهم بمدينة الأعظمية ذات الغالبية السنية. وهو عملٌ مدانٌ ومستنكرٌ ومرفوضٌ تماماً، لدى أتباع مدرسة أهل البيت النبوي الشريف، علماءَ وعامةً، ممن تشرّبوا أفكار ومبادئ هذه المدرسة المتمسكة بأواصر الوحدة الإسلامية، ومبادئ التسامح والإخاء، حتى في أحلك الساعات حين يستحر القتل ويستهدف الأبرياء قتلا وتفجيراً بالعبوات.

السب والشتم ليسا من مبادئ هذه المدرسة الإسلامية العريقة، ومن يقرأ تاريخ أئمة أهل البيت لن يجد فيها غير نقاء السيرة وعفة اللسان. وهذه فتوى تاريخية من أكبر مرجع ديني، وهي حجةٌ بالغةٌ على الجميع.

العدد 4055 - الإثنين 14 أكتوبر 2013م الموافق 09 ذي الحجة 1434هـ

التعليقات (47)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً