العدد 4109 - الجمعة 06 ديسمبر 2013م الموافق 03 صفر 1435هـ

لماذا نخشى المُغامرة؟

ياسر حارب comments [at] alwasatnews.com

يُحكى أن مدينة في وسط الصحراء كان لها نظام غريب في المُلك. ففي كل خمسة أعوام يختار الناس ملكاً منهم، وكان مسموحاً لأي شخص بترشيح نفسه، وبعد انتهاء المدة المحددة، يُنفى الملك خارج أسوار المدينة دون طعام أو ماء.ولأن أقرب واحة منها تبعد مسيرة أسبوع على الأقل، فإن المنفيين كانوا يموتون في الصحراء خلال أيام. وفي إحدى السنين، وبعد أن انتهت مدة حكم أحد الملوك، نُفي خارج السوق وأُعلن عن فتح باب الترشّح للمنصب، إلا أن أحداً لم يتقدم.

وبعد أيام، أراد أحد فقراء المدينة أن يُرشح نفسه، فحاولت زوجته منعه، إلا أنه لم يأبه بكلامها وتقدم إلى مجلس المدينة، وبما أنه كان المترشح الوحيد فإنه نُصّب ملكاً على الفور.

كانت إحدى ميزات المنصب أن للملك حُكماً مُطلقاً، يفعل ما يشاء دون أن يُحاسبه أحد.بدأ الملك الجديد، في بداية حكمه، بالخروج بقافلة كبيرة محملة ببضائع كثيرة، ثم يعود بها بعد أسابيع دون بضائع. وبعد مدة، أخذت القافلة تخرج دونه، ثم تعود لتحميل بضائع جديدة وتخرج مرة أخرى.استمر الأمر على هذا الحال لخمس سنوات، وعندما انتهت مدة الحكم جاءت زوجة الملك وأبناؤه يبكون مصير والدهم.ابتسم وأمرهم بالاستعداد للخروج معه، حاولت زوجته أن تَعْدِله عن رأيه فرفض. كرّرت المحاولة ووعدته أن تخرج معه إن أبقى أبناءهما في المدينة، ولكنه رفض وأقسم عليهم أن يرافقوه جميعاً.

وفي يوم الخروج، اجتمع الناس عند باب المدينة لتوديع الملك وأسرته، وعندما فُتحت الأبواب تفاجأ الجميع بقافلة تقف خارجها.خرج الملك مبتسماً واتجه إلى قائد القافلة الذي نزل وحياه مع أسرته ثم دعاهم للركوب. وعندما انطلقوا سألته زوجته عمّا يجري، فقال لها إنه قضى تلك الأعوام الخمسة يبني مدينة جديدة في إحدى الواحات تكون أكثر إنصافاً من مدينته، وقد غامر بقبول منصب الملك حتى يتمكن من تحقيق حلمه!

ما قيمة الحياة التي نقضيها خلف جدران الخوف، ومكاتب التردد، وأمام شاشات التلفاز والهواتف؟ والأسوأ من ذلك أن نقضيها خلف طاولات المقاهي الفخمة، والقهوة المكرّرة التي نحتسيها في مدنٍ مُكررة، نعيد زيارتها كل عام، ونظن أن في ذلك سَفراً ومُغامرة!

ما قيمة الحياة عندما نتردد في البوح بمشاعرنا، وعندما نستحي من الحب؟ إنها حياةٌ منتهية الصلاحية. لماذا نُكابر فنكبت جماح اندهاشنا من الأشياء الجميلة والجديدة حتى لا يُقال عنا (ولد فقر!..ما شاف خير!). ونستحي من قول أو فعل كثير من السخافات التي نعلم في قرارة نفوسنا بأننا نحبها؟

انظر إلى كثير من الخليجيين عندما يسافرون. يستقلون شركة الطيران نفسها، يأكلون في المطاعم نفسها، ولا يخرجون عن الشوارع التي اعتادوا زيارتها كلما سافروا. يبحثون عن المطعم الهندي أو الإيراني أو اللبناني، ولا يجرأون على الأكل في مطاعم محلية في البلد الذي يزورونه. ما أتعس هؤلاء، يخافون حتى من تغيير مطاعمهم!

يستمعون إلى المواعظ نفسها كل أسبوع، لديهم الأصدقاء نفسهم منذ أن كانوا في المدرسة. يكرّرون الأدعية ذاتها، في المسجد ذاته كل يوم، وإذا سمعوا دعاءً جديداً قالوا بدعةً... ليس لأنه كذلك، ولكن لأنهم يخافون الخروج عن المألوف. يعيشون على مبدأ «سَكّن تَسْلَم».

إن العالم الذي لا يدفعنا للذهاب حتى أطرافه عالمٌ بائسٌ وكئيب. والحياة التي لا تدعونا إلى المغامرة لا تستحق أن تُسمى حياة. الفرق بين المُغامر والقابِع مكانه أن الأول يرى في كل مشكلة فرصة للتعلم، في كل جدار مُتعة للقفز، وفي كل صحراء واحة تستحق المسير إليها. أما الثاني فإنه يرى الفُرَصَ صَدفاً أو حظاً، أو أُعطيات ينتظر الحياة أن تهبه إياها. يرى في كل جدار نهاية، ولا يثق بالواحات لأنه لم يقرأ عن المغامرات يوماً.

جرب القيام بشيء جديد. خذ طريقاً مختلفاً للعمل، تناول أطعمة غريبة، البس أشياء مُضحكة، اقرأ كتباً بعيدة جداً عن مجال عملك، تعلم كلمات من لغة جديدة، تعرّف على أناس جدد... باختصار، توقف عن فعل الأشياء نفسها كل يوم. توقف عن استخدام كوب القهوة نفسه في عملك. شاهد قنوات أخرى. مارس رياضة جديدة.

قرأتُ يوماً أن الشيء الوحيد الثابت في الحياة أنها تتغير باستمرار. لقد خُلق هذا الكون حتى نستكشفه، ولم توضع به الأسرار عبثاً، بل دعوة للشك والتفكير والترحال والبحث والفضول، أليس من أجل كل ذلك كله وُجِدَت العقول!

نحن لن نعيش إلا مرة واحدة، وعندما نقترب من النهاية فإن كل واحد منا سينظر خلفه ولا شك. فكّر الآن ماذا تُريد أن تقول حينها؟ بماذا تريد أن تشعر وأنت تهبط السلالم الأخيرة؟ فالفشل العظيم هو أن ينظر الإنسان خلفه ويقول «ليتني فعلتُ كذا وكذا».أنا شخصياً أريد أن أبتسم وأقول:»الحمد لله أنني لم أعش حياة عادية».

إقرأ أيضا لـ "ياسر حارب"

العدد 4109 - الجمعة 06 ديسمبر 2013م الموافق 03 صفر 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 16 | 1:21 م

      جميل

      مقال جميل ورائع

    • زائر 15 | 1:50 ص

      التغيير للتغيير ليس هدف شريف

      الازدياد في الخير هو الصح
      ====================================
      ====================================
      ملاحظ للبنات : إذا طاوعنا الكاتب ، حتى الزواج لازم نغير ونتزوج ثانية وثالثة !
      ====================================
      ====================================

    • زائر 12 | 2:59 م

      ابداع التفكير

      ارجوا انت تستمر بهذا النهج الجميل في الامل وضخ الاحاسيس الرائعه فانت مبدع يا ياسر

    • زائر 10 | 12:30 م

      من اروع المقالات

      قصه رائعه وتحليل جميل جداً واعجبني تفكيرك جداً وانا من المؤمنين به وحياتي سلسله من المتغيرات والتي اخلقها خلقاً وبذلك تعلمت اشياء كثيره وصادقت الكثيرين في مختلف التخصصات لانني مارست وتعلمت الطب اولاً وثم الفن من الرسم الى النحت والكتابه واتمتع بالغناء وسماع الموسيقى والرياضه واليوجا ولست مدمنه على الانترنت واحب الطبيعه من الصحراء الى البحور والسماء والنجوم ولكنني نادراً ما اجد اشخاص مثلي واهنئك على المقاله الرائعه

    • زائر 9 | 6:50 ص

      نصٌ رائع !

      موضوع جَميل جدًا ، دُمتَ كاتِبًا نحوَ الأمَل !

    • زائر 6 | 6:00 ص

      الى زائر رقم ثلاثه مع تحية الإسلام السلام

      الصلاه والصيام ليست من الأركان ولا من الثوابت وعليك عزيزي الرجوع لما قاله الإمام علي عليه أفضل الصلاة والسلام!

    • زائر 11 زائر 6 | 1:53 م

      ويش؟

      الامام علي عليه السلام قال الصلاة و الصيام مو من الثوابت!

    • زائر 3 | 4:14 ص

      المقال جميل والقصة اجمل لكن به مغالطات فكرية عقيدية

      هناك ثوابت لابد منها الصلاة الصيام الدعاء لايمكن الغاؤها لتكرارها مضامينها ثابتة والاكل والمطاعم ممكن التغيير بشرط حليتها وطهارتها او اباحتها لكن الموضوع جميل وخصوصا المغامرة فهي تعطي الحياة نكهة مميزة لكن الناس تخشاها خوفا من الخسارة ولهذا نموت على الامل المجمد ونودع في القبر بلا مغامرة

    • زائر 2 | 1:26 ص

      كلام جميل

      كلام جميل استاذي الفاضل يمنحني في هذا الصباح الأمل و التفاؤل بأن القادم أجمل .. مع التغيير لحياة أفضل وعدم التخاذل في صنع حياة جديده

    • زائر 1 | 12:26 ص

      ذكرتني بواحد

      يشتري جزر في شرق اسيا بس ما عنده 5 سنوات

اقرأ ايضاً