ملاحظات عابرة على هامش كتاب «إنقاذ الأمل» لنادر كاظم (1)

محمد نعمان جلال

سفير مصر الأسبق في الصين

إن ما يعجبني في البحرين هو وجود نخبة مثقفة يتجاوز حجمها حجم الدولة، ولعل من بين أولئك شخصيات مثل محمد جابر الأنصاري الذي تألق على مستوى عالمي ودولي، وعلى فخرو، ونادر كاظم وإبراهيم غلوم وعبد الله المدني وعلوي الهاشمي وكمال الدين صلاح وغيرهم كثيرون. ولكنني أتساءل كما تساءل نادر كاظم وآخرون عن ضياع حصيلة الموجات الثورية الثلاث التي عاشتها المنطقة العربية بل والدول الإسلامية الشرق أوسطية، أقصد بذلك تحديداً باكستان وإيران وتركيا، باعتبارها أقرب الدول الإسلامية للتطور السياسي والفكر السياسي والقضايا الكبرى في المنطقة العربية، وفي مقدمتها قضايا الدولة الوطنية والوحدة القومية، والجامعة الإسلامية، وتحرير الإنسان العربي بشقيه الذكور والإناث، وأخيراً بناء النموذج العربي للتقدم.

ولابد أن أبادر بالقول أنني اقدر وأشيد بأحدث إصدارات الباحث نادر كاظم المعنون «إنقاذ الأمل: الطريق الطويل إلى الربيع العربي»، وأشاطره الرأي في إبراز حقيقتين من هذا العنوان، الأولى مفهوم «إنقاذ الأمل» وهو مفهوم ايجابي، والثاني في مفهوم «الطريق الطويل للربيع العربي»، انه طريق طويل حقاً، بدأ بالانقسام الشديد في نهاية عصر الخلفاء الراشدين وقيام السلطة الاستبدادية السياسية والفكرية. وإذا كان الاستبداد السياسي هو أمر منطقي، لأنه يعبر عن الطموح والسلطة والسيطرة، وهذه إحدى النوازع الإنسانية منذ قتل قابيل أخاه هابيل، ولكنه مرفوض منا معشر المثقفين. والأخطر منه الاستبداد الفكري، فأصحاب المدارس الفكرية في الحضارة الإسلامية كان بعضهم يدعو للحرية والعقل أمثال المعتزلة، فلما تمكّنوا من السلطة والنفوذ اضطهدوا مخالفيهم وهكذا.

إنني أعتقد أن الفكر هو القوة الدافعة دون أي إقلال من قيمة وأهمية البنية التحتية للتطور، وهي البنية الأساسية للتقدم، أي الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا، ولكن دور الإنسان الفرد أو القائد أو الزعيم وفكره وديناميكيته، لا يمكن إنكاره أو التقليل منه. فالفكر الماركسي ارتبط بكارل ماركس، والإسلام ارتبط بمحمد بن عبد الله (ص)، والمسيحية ارتبطت بالسيد المسيح عيسى ابن مريم (ع)، واليهودية ارتبطت بموسى (ع)، والدولة الأميركية ارتبطت بجهود جورج واشنطون ولينكولن وغيرهما، والثورة الصينية ارتبطت بصن يات سن ثم ماوتسى تونج، وبعد ذلك دنج سياوبنج. والفكر القومي العربي الحديث ارتبط بالعديدين وفي مقدمتهم ساطع الحصري، أما الفكر القومي العربي من الناحية الحركية فقد ارتبط بحزب البعث ثم بجمال عبد الناصر الذي نقل الفكر النخبوي وأنشطة الكوادر السرية إلى مجال العمل الجماهيري. والفكر الاخواني ارتبط بحسن البنا وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي. والفكر المعاصر ارتبط بتطبيق ونموذج أردوغان، ما له وما عليه، ونظرية ولاية الفقيه وتطبيقها العملي ارتبطت بالخميني ونموذجه الإيراني وهكذا.

ومفهوم الفكر ودوره من وجهة نظري المتواضعة، تعني ثلاثة أمور هي صاحب الفكرة ومضمونها والداعون إليها وبلورتها في شكل رؤية شاملة متسعة متسامحة، وليس مجرد الفكرة ونقيضها والتأليف الجديد، كما عبر عن ذلك هيجل، وأقول الفكرة والداعي إليها لأن أية فكرة بلا داعية لها ستظل فكرة تعيش في عالم الغيب والخيال. الداعي هو الذي ينقلها إلى نطاق وعالم الواقع، ثم الرؤية المتسعة الأبعاد والمتسامحة أو المتعصبة / المعتدلة أو المتطرفة، وهي التي تحقق الحفاظ على قوة الدفع نحو التقدم، وجمع صفوف قوى المجتمع للعمل دون إقصاء.

.إن التقدم أساسه العمل الجماعي، والبناء في مجالات الثقافة والاجتماع وغيرها، وللأسف فإن هذا العمل الجماعي والبناء التراكمي هو أحد أخطر النواقص التي واجهتها الدولة الإسلامية منذ عصر الخلفاء الراشدين، والأسوأ هو العصور اللاحقة عليهم. ومن ثم حدث عجزنا نحن المثقفين عن التسامي أو الارتفاع عن مستوى الحاضر، بل حدثت أكبر نكسةٍ لنا بالعودة أو الدعوة إلى العودة للماضي الذي اعتبرناه عصراً ذهبياً، نحلم باستعادته. ففي الوقت الذي حدث التقدم في أوروبا وآسيا وأميركا، حدثت عدة أمراض مزمنة في فكرنا وممارساتنا الفكرية والحياة العملية في قطاعات عديدة أولها إننا حيث عشنا وما نزال نعيش أحلام الماضي، ولا نتجاوزه كثيراً. وثانيها المرض المزمن حيث إننا لا نثق في ذاتيتنا، والثقة في الذات هي أولى ركائز التقدم. ولتوضيح الموقف أقول إن ذلك تجلى في مفكري عصر النهضة العرب والمسلمين من جمال الدين الأفغاني إلى لطفي الخولي، ومحمد سيد أحمد، ومحمود أمين العالم إلى النبهاني وفكره الإسلامي الماضوي في حزب التحرير الإسلامي، إلى حركة البعث، وهي ذاتها تحمل المعنى من اللغة العربية بأنها حركة رجعية غيبية، حتى ولو كانت تصور ذاتها كفكر تقدمي، خذ الشعار»أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»، ما هي هذه الرسالة؟ هل هذه رسالة يقصد بها الإسلام؟ وهل الإسلام خاص بالعرب وحدهم؟ وهل البعث العلماني يتحدث عن الإسلام؟ أم أن الكلمة غير المعروفة معانيها هذه من الغيبيات. وأين هي الأمة العربية الواحدة؟ ومتى قامت في الماضي؟ بل أين الممارسة العملية لحزب البعث الذي جر المنطقة العربية إلى نكبات، وانقسم على نفسه ما بين بعث سورية وبعث العراق، عاشا في حرب داحس والغبراء.

كذلك ما سمي بالصحوة الإسلامية في إيران الشيعية، أو في مصر السنية، أو حتى تركيا الأردوغانية. إنه فكر رجعي ماضوي سلفي بامتياز، يعيش أوهام الخلافة الإسلامية والحاكمية الإسلامية وأحلام الخلافة الفاطمية أو الخلافة العثمانية أو الدولة البويهية أو الصفوية التي تتماهى مع التاريخ الفارسي في عهد سيروس العظيم والشاهنشاه الطاووس منذ العصور القديمة وحتى الحكم الإسلامي الراهن. وهذا التماهي العثماني والصفوي والسلفي باختلاف طوائفه لا يعبّر عن التقدّم، ولا يعطي الأمل بل يزيده إحباطاً في نفوسنا. وأنا لا ألوم هؤلاء الذين أصبحوا تابعين لهذا الفكر الديني الماضوي، والفكر الطائفي الانقسامي الإقصائي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فهذا اختيارهم وتصورهم، ولكنني ألوم المثقفين المفترض إنهم يقرأون التاريخ الحقيقي للشعوب ويعملون في ظله سعياً لتغييره وليس تكراره أو تغييب وعي الجماهير بأفكار طوباوية لا يمكن تحقيقها وتؤدي بالشعوب إلى كوارث جمة.

إنني معجب بالباحث المدقق نادر كاظم في استمراريته وتمسكه بكثير من الأمل وعدم يأسه أو تخليه عن فكره وانضمامه لصفوف اليسار الجديد الذي تحوّل إلى دعاة الديمقراطية الأميركية وحقوق الإنسان التي هي كلمات حق أريد بها باطل، لأنها قضت على المشروع القومي والنهضوي العربي، وسارت في ركاب الاستعمار الجديد بدلاً من ابتكار أساليب حديثة للنهضة والعمل التراكمي. أنا أدرك الإحباط الذي أصاب كثيرين منا معشر المثقفين، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والتجربة الشيوعية. هنا نجد المرض الثالث الذي وقع فيه الفكر العربي لماذا نريد وبإصرار أن نكون ذيلاً للاتحاد السوفياتي وكارل ماركس وأنجلز وفيورباخ؟ أو نريد أن نكون ذيلاً لأميركا وبريطانيا والليبرالية؟ أو نريد أن نعيش ذيلاً للفكر الماضوي السلفي؟ ونعجز عن بلورة فكر لأنفسنا كأجيال جديدة، بعمل تراكمي وبإحساس بالثقة بدلاً من الإحساس بالدونية في مواجهة الآخر.

إنني أعجب أشد العجب عندما أجد يسارياً أو قومياً عربياً يسير ذليلاً لفكر ماضوي في ركاب رجل دين لا يفهم من أصول الإسلام الحقيقية إلا النذر اليسير، ويعيش فيما يسمى بتراث إسلامي ابتعد عن جوهر الإسلام منذ قرون، بفضل اجتهادات فقهاء خدموا السلاطين القدامى والجدد عبر العصور. إنني أعجب أن يعيش كثير من المثقفين والسياسيين في بلادنا في عصر المرشد الديني أياً كانت طائفته من الطائفتين الكريمتين أو غيرهما من الطوائف والفرق والملل والنحل، بدلاً من أن يقود هو بفكره، مهما كان محدوداً، حركة التقدم في المجتمع الحديث في إطار تراكمي، حتى ولو على مستوى محدود.( يتبع)

العدد 4137 - السبت 04 يناير 2014م الموافق 02 ربيع الاول 1435هـ

التعليقات (1)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم