العدد 4203 - الإثنين 10 مارس 2014م الموافق 09 جمادى الأولى 1435هـ

لم ينقص من شأن بلغريف إلا دكتاتوريته وسجن المطالبين بالإصلاح

السفير تقي البحارنة يروي سيرته في سلسلة «حينما كنت سفيراً»: (3)

يجول الأديب تقي محمد البحارنة بنا في هذه الفصول التي كتبها بوهج محطات الحياة العابقة في الذاكرة، متنقلاً بين التجارة والسلك الدبلوماسي، ليقف بنا معه في تلك المحطات بفصلها الأول متحدثًا كأول سفير وأول سفارة للبحرين... أليس ذلك رائعاً؟

في الذاكرة، مسارات عديدة ضمن العمل في السلك الدبلوماسي... مع قادة وشخصيات في ترحال ضمن توقيت زمني متعدد بين عالم التجارة والأدب والعمل الدبلوماسي بين البحرين والقاهرة وبغداد ولبنان... ووجهات عديدة أخرى نجدها براقة في هذه الحلقات:

«حديث السفارة»... بعد وفاة المرحوم علي الوزان، كان على أخي صادق أن يعهد إلى إدارة شركتنا، ويتحوّل للجلوس بمكتبه في شركة الوكالات العالمية مع ابن المرحوم وهو السيد عبدالرحمن الوزان.

لهذا، حين علمت بقدوم أخي صادق إلى محلنا لرؤيتي، وذلك في يوم من بداية شهر أغسطس/ آب من العام 1971، أحسست بأن هناك شيئاً ما يريد إخباري به.

قال لي بلهجة جادة، وهو يرمقني بنظراته: «لقد استدعاني السيد محمـود العلوي – وزير المالية – وأخبرني بأن صاحب السمو الأمير الشيخ عيسى حاكم البحرين قد اختارك بعد مشاورات لتكون أول سفـير للبحرين في جمهورية مصر العربية وممثلاً للبحرين في جامعة الدول العربية»، ثم أكد لي أنه سيدير العمل في غيابي ولا داعي للقلق. وحاصرتني الحيرة عند سماع الخبر، لكنني طلبت مهلة للتفكير.

كانت أعمالنا جيدة وظهرت في السوق بداية واعدة للاستثمار في شراء الأراضي التي ارتفعت أسعارها فيما بعد بصورة خيالية، وجنى منها المستثمرون أرباحاً طائلة، ومن الناحية المعنوية فإن الاستجابة لرغبة أمير البلاد وخدمة الوطن لا تقدّر بثمن، وفي حياتي ما كنت لأعير المصلحة المادية ذلك الاهتمام الكبير، ومن المعروف عني لدى الأصدقاء أنني كنت أهدر وقتي أثناء العمل في لقاء أديب أو مفكر أو شاعر، أو في كتابة مقال أو نظم أبيات من الشعر، حتى أن بعض الأصدقاء كالأستاذ معن العجلي كان كثيراً ما يوبخني بعصبية، وأنا أكتم ضحكتي: «كم مرة قلت لك يا تقي دع التجارة لأخيك فإنها مقـبرة للمواهب».

كيف سأكون سفيراً؟

ولكن الحيرة أخذتني إلى موضع آخر، وتواردت إلى ذهني أسئلة شتى مثل: «كيف أكون سفيراً وأنا لا أعرف الكثير عن السفارات والسفراء؟ ولم يتح لي تدريب على ذلك؟ ولم أدرس شيئاً عن البروتوكولات والمراسم الرسمية؟ والأهم من ذلك، إنني سوف أبدأ من الصفر خلافاً لسفير يأتي بعد سفير ويجد سفارة جاهزة بكل مقوماتها، ومنزلاً مفروشاً وجهازاً إدارياً مكتملاً كما فعل خلفي من بعدي السفير المرحوم عبدالعزيز الشملان؟».

وتصوّرت حالي وأنا أنشيء سفارة وأختار موظفين واشتري مقراً للسفارة ومنزلاً للسفير، وأقيم علاقات مع الوزراء والسفراء، وأتبادل المذكرات والتقارير في بلد لم أعش فيه من قـبل، وليست لي فيه معارف وأصدقاء، إلى غير ذلك من أسئلة تخص انتقال العائلة ودراسة الأبناء والتدرب على المراسم والبروتوكولات، و «أتيكيت» الموائد في الدعوات الرسمية والاستقبالات والزيارات، وتقديم أوراق التعيين الرسمية واستعراض حرس الشرف، وكل ما يخطر ببال سفير جديد.

ثم توكلت على الله وقلت سأقبل هذا التحدي وأسخّر له كل إمكانياتي وجهودي وخبراتي عسى الله أن يوفقني لأن أكون عند حسن الظن من قبل عاهل البلاد ومن الحكومة ومن أفراد الشعب.

ذهبت بعد يومين لمقابلة المرحوم السيد محمود العـلوي – وزير المالية – فبادرني بالسؤال عن موافقتي فقلت، نعم من حيث المبدأ – ولكنني سأزور وزير الخارجية للاستفسار عن بعض الأمور، فقفز في ذهنه موضوع الراتب المخصص للسفير -وذلك بحكم نظرته المادية للأمور- وقال: «إن كنت تريد السؤال عن الراتب الشهري المقرر فهو 700 دينار في المجموع»، فأجبته، ليس اهتمامي بمقدار الراتب، وهو في نظري مجرد مكافأة قلّت أو كثرت، بل هي أمور أخرى سعادة الوزير، هو صاحب الاختصاص فيها، ثم غادرت مكتبه لزيارة مكتب سعادة الوزير.

«مناجم الفحم» في البحرين

المعروف عن المرحوم السيد محمود العلوي نزاهته وإخلاصه وتفانيه في عمله، وكان يعيش حياته في عالم الأرقام والحسابات. كانت له قدرة فائقة على التعامل مع الأرقام جمعاً وطرحاً دون اللجوء إلى آلات الجمع والطرح. لقد وجد فيه مستشار حكومة البحرين السيد تشارلز بلغريف خلال عمله في البحرين (1926 – 1957 )، خير سند ومعين في ضبط مالية الدولة.

ومعروف عن المستشار بلغريف عنايته وتركيزه على الأمور المالية وتشدده في موضوع الأمانة والذمم المالية، ولم يقتصر ذلك على أموال الدولة، فقد كان يتدخل في الذمم المالية للأفراد والمؤسسات الخاصة والعامة. عزل القضاة ممّن رماهم بقلّة الذمة أو الإسراف، وأنشأ مجالس البلديات والأوقاف لمنع استغلال أموالها، وفرض رقابته الشخصية عليها، ثم إنه استفاد مما ينشأ بين العائلات من خلافات حول المواريث لينشيء دائرة أموال القاصرين، وقال في بعض كتبه عنها إن أحد زواره الأجانب كان يسأله عن مدى تطور إدارة شئون المناجم في البحرين واسمها باللغة الإنجليزية (MINORS AFFAIRS )، وقال إنه صحح مفهومه بأنها تعني الأيتام والقاصرين، وأن البحرين ليس بها مناجم للفحم أو المعادن.

البحرين ليست بحاجة إلى محامٍ لـ 100 عام مقبلة!

منذ تولي بلغريف منصبه، أنشأ جهاز محاسبة وتدقيق للمالية معتمداً من قبل شركة محاسبة من الهند، وكانت تقاريره المنتظمة إلى حاكم البلاد وإلى الحاكم العام في الهند ووزارة الخارجية البريطانية، تتضمن تفاصيل دقيقة عن الدخل وكيفية توزيعه وعن المصاريف، ملحقاً بها ملاحظاته واقتراحاته.

ويلاحظ في تلك الميزانيات المالية، قلة المبالغ نسبياً المخصصة للتعليم على أهميته في ذلك الوقت، الذي كانت تنتشر فيه الأميّة في البحرين بشكل كبير، وإذا فهمنا السبب قل العجب كما يقال، فقد ذكر في بعض مذكراته أن أهل البحرين وطلاب المدارس تكفيهم الدراسة الابتدائية لكي ينخرطوا بعد ذلك في تجارة آبائهم أو يمارسوا مهن الأجداد كالزراعة والحدادة والنجارة والبناء وغيرها مما تحتاج إليها البحرين، ولعله لم يخطر بباله موضوع الدراسات العليا إلا ما كان من بعثة ثمانية طلاب في العام 1928 إلى الجامعة الأميركية في بيروت، ثم لم يستطيعوا أن يكملوا الدراسة فيها.

ويبدو أن نظرة السيد بلغريف للتعليم العالي لم تتغير بمرور الأعوام وتغير الأزمان، ففي العام 1954 كتب إلى أخي حسين - وكان يحضر للدكتوراه في القانون الدولي، ولم تمضِ على ابتعاثه إلى بريطانيا سنة واحدة - يدعوه فيها للعودة إلى البحرين، قائلاً إن البحرين لن تكون بحاجة إلى محام يحمل درجة الدكتوراه لمدة 100 عام مقبلة! ولكن أخي واصل دراسته على حسابه الخاص بعد ذلك حتى حصل على درجة الدكتوراه من الجامعة بامتياز.

لوحة الإعلانات السوداء الكبيرة

المستشار بلغريف له أيضاً محاسن تذكر، فمنذ أن دخلت المدرسة الابتدائية، كنت إذا تجولت في السوق أتسلّى مع غيري بالنظر إلى لوحة الإعلانات السوداء الكبيرة في سوق التجّار لقراءة تفاصيل الموازنة العامة للحكومة، إضافة إلى الإعلانات ومعظمها إعلانات من المحاكم أو البلديات أو دائرة التسجيل العقاري (الطابو)، أو من مكتب المستشار، وكانت الدوائر الحكومية آنذاك بما فيها الأوقاف، تنشر موازناتها السنوية لإطلاع الجمهور، بالإضافة إلى نشرها في جريدة البحرين.

وكانت لبلغريف عناية خاصة بالاقتصاد في المصاريف، كان يوزع رسائل التوبيخ بشأن الإسراف المالي يميناً وشمالاً سواء على المسئولين في الدولة أو البلديات والأوقاف خاصة حتى يصل اهتمامه إلى مستوى توظيف السعاة (الفرّاشين) ورواتبهم.

وكان من عاداته توفير الأوراق الرسمية، فيجيب على الرسائل العادية في أسفل الصفحة قبل إعادتها إلى المرسل، ويستعمل ظروف الرسائل (لاسيما أثناء الحرب العالمية)، مرات عديدة حتى تبلى تلك الظروف.

بلغريف الدكتاتور... الناقم!

ولا ينقص من شأن بلغريف إلا دكتاتوريته وتسلّطه ومواقفه السياسية ضد المطالبين بالإصلاح وإيداعهم السجون أو الحكم عليهم بالتسفير خارج البلاد، وكذلك عدم اكتراثه بتشجيع التعليم العالي لأبناء البحرين (لإبعادهم عن السياسة)، ونقمته على الشباب المتعلم عموماً أو من يسمّيهم بالمثقفين.

ومعروف عنه أيضاً أنه كان يتلكأ في زيادة مخصصات أفراد العائلة الحاكمة، ويعترض على اشتغالهم في التجارة وهم في مناصب حكومية، فيصبوّن غضبهم على السيد محمـود.

كان صديقي وزميلي في المدرسة الثانوية ورفيق الدرب، المرحوم دعيج بن علي بن خليفة، يرغب في فتح محل تجاري بعد حصوله على وكالة مشهورة للأصباغ، وكان موظفاً في دائرة الأشغال العامة أواخر الخمسينات الماضية، فاضطر إلى الاستقالة من الأشغال، هو يقول لنا إن «السبب هو السيد محمود العلوي».

لقد ورث السيد محمود بعضاً من خصال المستشار بلغريف، لكنه اكتسب التجربة والحكمة المالية، ومن ذلك أنني لمّا راجعته بخصوص شراء دار السكن للسفير وعن مبلغ الإيجار المطلوب لدار السفارة واختلافي معهم على السعر، قال لي: «يا تقي... انظر إلى المستقبل والاختلاف في حدود عشرة بالمئة في السعر لا يغير في قليل أو كثير»، وكان ما قاله صحيحاً؛ فمنزل سكن السفير الواسع الجميل الذي اشتريته بمبلغ 83 ألف جنيه مصري، باعته وزارة الخارجية فيما بعد بنحو ثمانية ملايين جنيه مصري.

كُتب العلوي في «كاري»

في طريقي لمكتب وزير الخارجية تذكرت مواقف غريبة عن السيد محمود العلوي، كنت أقابله أحياناً كثيرة في طريقي ماشياً في نفس الطريق الذي يسلكه إلى السوق، فأسلّم عليه فيرد التحية باقتضاب، ويواجهني بقوله: «أنتم يا معشر (المـسقّفين)، بالسين لا بالثاء، في نادي العروبة أخذتم كتبي من البيت دون علمي ردّوها أحسن لكم»، وهو يعلم بالطبع أن زمان ذلك قد فات، وأنه لا دخل لي بهذا الموضوع، ولا ناقة لي فيه ولا جمل.

وقصة ذلك أن نادي العروبة عند تأسيسه في العام 1939 كان بحاجة إلى تكوين مكتبة للنادي وماليته المحدودة عاجزة، فتبرّع المؤسسون والأعضاء وغيرهم، وامتنع السيد محمود، فغافله أصدقاؤه الذين يحبهم ويحبونه -ومنهم رئيس النادي محمد دويغر، أحمد الكشاف، علي التاجر، ميرزا العريض، جعفر الناصر وآخرون- وهو خارج المنزل واصطحبوا عربة نقل (كاري) وأوهموا من في الدار أن السيد محمود العلوي أمر بنقل مكتبته للنادي، فنقلوها وهم يضحكون. لقد دخلوا داره كأصدقاء، وعليه أن يصبر على هذا «المقلب».

العدد 4203 - الإثنين 10 مارس 2014م الموافق 09 جمادى الأولى 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 7:12 ص

      والله زمان

      نعم في حقبة الخمسينات والستينات وبداية السبعينات فترة لا وجود للطائفية ولا وجود للمتخلفين وانما فترة من لديه الثقافة والتعليم لمخلف الطوائف ولكن منذ بداية الثمانينات انتشرت المذاهب والشتم وزادت في هذه الفترة لانتشار التواصل ما يسمى بالاجتماعي وهو ليس اجتماعي وانما التواصل الحقدي والطائفي

اقرأ ايضاً