العدد 4373 - الأربعاء 27 أغسطس 2014م الموافق 02 ذي القعدة 1435هـ

عندما كنتم «صغاراً» أيها «الكبار»

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

يُنقل عن زرادشت أنه كان يقول: «العقل المتأمل الراضي أفضل ما يمكن امتلاكه». إنه قولٌ من الحكمة، أصابَ به أمراً مركزياً في حياة البشر. فالتأمل في الأشياء حولنا هو من أكثر الأمور أهمية لرؤية الحقيقة، بل إنه رافد أساسي حتى لتثبيت وتقوية الإيمان لدى الناس عبر «التفكُّر».

لو تأملنا في كل شيء فَعَلَهُ البشر فإننا سنجد أنه كان في لحظة ما صغيراً أو عَرَضياً أو حتى تافهاً، لكنه سرعان ما تحوَّل إلى قيمةٍ للتندُّر أو سبباً في تشكُّل أحداث جديدة بل ونَقَلات، بعضها كان مُتصوراً وآخر كان أكبر من الحلم في حياة الناس، أفراداً وجماعات.

خلال سقوط الطائرة الماليزية فوق الأراضي الأوكرانية نهاية يوليو/ تموز الماضي حَدَثَ أمر غريب. فقد أُعلِنَ أن رجلاً اسكتلندياً يُدعَى باري سيم وزوجته وإيزي وابنهما قد نجوا بأعجوبة، بعد أن حاولوا عبثاً الحصول على مقاعد على متن تلك الطائرة لكنهم لم يستطيعوا، الأمر الذي اضطرهم للحجز على متن الخطوط الجوية الهولندية (KLM).

نَجَت العائلة بقدرة إلهية عجيبة. ولو صَعَدَا ومعهما طفلهما لكانوا ضمن الـ 298 ضحية الذين لقوا حتفهم بعد تعرض الطائرة لصاروخ أنزلها إلى الأرض مُحطَّمة، ولم نكن لنقرأ قصتهما الآن، ولمَا ذهب باري إلى عمله مرةً أخرى، ولما بدأت دورة حياة جديدة له، قد تكون فيها أحداث تصنع مستقبلاً يجهله، ونجهله نحن، لكنه في طور التشكُّل.

هذا الخبر (وكل الأخبار التي على شاكلته) تجعلني أفكر مَلِياً في أشياء كثيرة. ربما خبر العائلة الاسكتلندية يبقى أمراً صغيراً، لكن عندما نتفكر في حادثة أو حالة أكبر من ذلك كظاهرة أدولف هتلر مثلاً، لأخَذَنا التتبع ثم التفكير، إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، وكأنه صُدَفٌ (وهو غير ذلك طبعاً) لولاها لما حَصلت أشياء غيَّرت مجرى التاريخ.

لذا فإنني أتساءل: لو أن ألويس والد هتلر، لم يتزوَّج امرأة ثالثة ويحصل على إذنٍ بابوي من الكنيسة بذلك هل كان هتلر قد جاء إلى الحياة؟ ولو لم تَمُت عمته ليرث منها مالاً وفيراً هل كان سيبدأ حياته قوياً وبطموح جبار نحو الزعامة؟ ولو أن هتلر لم يقع بين يديه صدفة كتاب عن الحرب الفرنسية البروسية فهل كانت ستنعقد في نفسه التساؤلات القومية الحادة، فتُؤسسه نازياً متطرفاً يهوَى الانتقام ممن أذلُّوا ألمانيا والألمان؟

وعندما وصل إلى السلطة، ماذا سيكون مصير أوروبا لو أن بريطانيا استسلمت كفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية؟ وكيف سيكون شكلها اليوم؟ وهل أن حلفاً للناتو سيتشكَّل؟ بل هل ستبقى أوروبا نموذجاً مدنياً ديمقراطياً يقبل بشعوبه المتباينة قومياً؟

أكثر من ذلك، كيف سيكون شكل العالم العربي لو أن هتلر لم يفتح له جبهة مع الاتحاد السوفياتي ليدحره الثلج وجَلَدَ الروس، فهل كانت جيوشه ستأتي إلى فلسطين لتقضي على اليهود فيها وهو الذي يعتبرهم عدواً أول له؟ وهل سيكون النازيون بمثابة التتار على العرب كون الآريين (حسب معتقد الرايخ الثالث) ينظرون إليهم بدونية واحتقار؟

الحقيقة، أن كثيراً من الحوادث الصغيرة ثم المركبة، غيَّرت من مجرى التاريخ. ربما يكون تاريخ أفراد أو جماعات أو حتى شعوب. فلو لم تتعارض مصالح صغيرة في الشام لما انهارت زعامة البحتريين التّنّوخيين، ولما تسيَّد آل معن على الدروز. ولو لم يُقتل زعيم آل معن لما انقسم الدروز إلى قيسيّة ويمنيّة. ولو لم ينتصر القيسيون لم تنقسم الأخيرة إلى يزبكيّة وجنبلاطية، وكانت زعامتهم اليوم بالشكل الذي نراه في لبنان بالتحديد.

هذا الأمر يجعلنا نتفكّر في حدود وطاقات البشر. فلو تمعنا جيداً في الأحداث، لرأينا أنها مجموعة من الدوافع والأقدار، التي يبقى الإنسان فيها مُنفِّذاً أو ممثلاً لأدوار لا أكثر. «ولولا دَفْعُ اللَّهِ الناسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ...» (الحج، الآية 40).

كثيرون ممن هم اليوم يُشكِّلون صورة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية كبرى، لم يكونوا شيئاً مذكوراً لما قبل خمسة قرون! وبعضهم لم يكن ذا وزن إلى ما قبل ذلك بكثير، ربما عشر سنين أو أقل، لكنهم جميعاً يدينون إلى الأقدار والتدافع الذي شكَّلهم أو شكَّل محيطهم وجعلهم أسياداً وأبناء ذوات! هذه هي الحقيقة التي لا يجب أن تغيب عن أحد.

ولأنها كذلك، فمن اللازم على الجميع، أن ينظر إلى نفسه كما هي وبحدودها. يجب أن لا يرى أحدٌ منا أنه قد خَرَقَ الأرض أو بَلَغَ الجبال طولاً، أو أن العالم يدور مداره، أو أنه صانع الأحداث، ومانح النعم والحياة، وقاطع الأرزاق والأعناق، بل هو ذرة تسبح في مجرَّة لا نهاية لها، قد يأتي دورٌ يعود فيه عَرَضَاً لا بؤرةً، وهامشاً لا مركزاً.

أكثر من ذلك، فهذه الأرض، لم يرثها بشر اليوم وهي قاع صَفْصَف، بل جاءت على أثير عَمَارة الإنسان منذ أن وُجِد. اليوم، يتم التباهي بما يُسمى بالثورة النيوليثية أو الزراعية، لكن كثيرين ينسون، أن المجتمعات النيوليثية الأولى قبل أحد عشر ألف عام هي التي أنتجت عبر هذه الثورة، خلاصات علمية عندما كان الإنسان فيها يُحوِّل من النباتات والأشجار والفواكه مواد مُعالِجَة، ومن المواد الخام والحيوانات النافقة منتجات غذائية.

في المحصلة، وأمام كل ذلك ألا يجب على مَنْ يعتبرون أنفسهم اليوم كباراً أن يعرفوا ويعترفوا، أنهم وفي لحظة ما كانوا صَرْفاً في حوادث كبيرة وتدافع عارم جعلهم على ما هم عليه اليوم بعد أن كانوا نسياً منسياً؟

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 4373 - الأربعاء 27 أغسطس 2014م الموافق 02 ذي القعدة 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 11 | 2:17 م

      مقال رائع

      تسلم أستاذي على هذا المقال الثري

    • زائر 9 | 6:18 ص

      طبعا انها مشيئة الله وقوع هذه الاحداث ولنا في سورة الكهف قصة نبي الله موسي مع

      الرجل الصالح والقصص الثلاث: خرق السفينة ، قتل الغلام و إقامة الجدار في قرية اللئام فموسي عليه السلام علي علم بالحقيقة ولكنه بالشريعة أعلم والرجل الصالح علي علم بالشريعة ولكن بالحقيقة اعلم، لذلك قال تعالي" قال انك لن تستطيع معي صبرا" ، إن علمي أنت تجهله.. ولن تطيق عليه صبرا، لأن الظواهر التي ستحكم بها على علمي لن تشفي قلبك ولن تعطيك تفسيرا، وربما رأيت في تصرفاتي ما لا تفهم له سببا أو تدري له علة.. وإذن لن تصبر على علمي يا موسى. كشف العبد الرباني لموسى شيئين في الوقت نفسه.

    • زائر 7 | 4:30 ص

      موضوع رائع

      بالتوفيق

    • زائر 6 | 2:44 ص

      تريد ياأستاد ان تعرف

      لأن الأنسان لايفكر الي في حاضره وستقبله المنظور ولدلك فانه غير مهتم بما سيحدث بعد ان يموت لأن همه ينحصر في مايريد تحقيقه لنفسه وليدهب الاخرين الي الجحيم .

    • زائر 5 | 2:44 ص

      نتيجة حتمية

      باختصار هو هلاك بعض البشر من اجل ارتفاع آخرين وضد اناس غيرهم ترمي بهم الاقدار الى الهاوية

    • زائر 12 زائر 5 | 3:13 م

      انت كبير

      ثقافتك كبيرة شخصيتك اكبر أيها الزميل القديم

    • زائر 4 | 1:47 ص

      بوركت

      القراءة لك شيء رائع وثري ... ولو كنت في بلد آخر لربما كنت اقرأ لسفير او وزير خارجية .

    • زائر 3 | 12:44 ص

      غرهم الغَرور

      غرور الإنسان وغرقه في تعقيدات واقعه يجعله لا يعرج إلى مستوى التأمل لرؤية كل هذه الحقائق كما هي

    • زائر 2 | 12:24 ص

      موضوع مهم تناولته أيها المتمكن كاتبنا الفهيم

      كلام مبسط تناولته اليوم واليك بولادة بوتين وقصة والدته التي كانت ستذفن لكن انقادها زوجها من بين الجثث وانجبت هذا الرئيس العظيم وأقول لسقطت روسيا اليوم وسوريا لكنه القدر أيضاً ال بيت النبوة مع يزيد كيف هم ان يقتل الامام علي بن الحسين عليه السلام وكيف تغير وجه الاسلام من بعد المحاولة أيضاً لله أسبابه ما أرغبه وارتجيه هو سقوط تلك الدول التكفيرية وباسبابه

    • زائر 1 | 11:53 م

      الأخ محمد

      بعد وفاة الرسول ارتدت القبائل عن الإسلام ومنها البحرين وهذا سبب ظهور مداهب غير إلي أوصي به الرسول فهل يوجد رجل رشيد يتفكر بذالك

    • زائر 10 زائر 1 | 2:09 م

      لم يرتدو

      أنصحك يا أخي بقراءة تاريخ البحرين من كتب مؤرخون حقيقيون. أهل البحرين لم يرتدو عن الاسلام بل رفضو المبايعة وبالتالي دفع الزكاة.إلا للذي حضروا بيعته في غدير خم

اقرأ ايضاً