العدد 4410 - الجمعة 03 أكتوبر 2014م الموافق 09 ذي الحجة 1435هـ

«مزرعة» تكساس و«مقبرة» العراق

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

في الأزمات تختفي الحقائق. وفي الحروب يكثر الكذب (كما هو ما قبل الانتخابات وخلال الحرب وبعد الصّيد كما كان يقول أوتو فون بسمارك). وحين نعلم أن الحياة بحد ذاتها «مُعضِلة» فهذا يعني أننا نعيش في عالَمٍ ملؤه الكذب، أو على أقل تقدير مأسور لديه، ويعيش على أثيره صباح مساء، وسط ميزان مختل للقوى، لا حد له ولا مدى حتى.

العراق ليس استثناءً من ذلك الكذب الذي يخنق العالم من أقصاه إلى أقصاه. فبعدما كان هذا البلد يعيش في الحد الأدنى للحياة قبل احتلاله منذ أحد عشر عاماً، أصبح اليوم وبـ «كِذبة» يُكابد كي يتنفس لا أكثر. بمعنى أنه بات أقل حتى من حدِّ الكفاف المقبول.

اليوم، يقضي مَنْ شرَّع الحرب، وهو الرئيس الأميركي السابق جورج بوش يومه في مزرعته بمنطقة كروفورد بولاية تكساس مُستجِماً يقرأ الروايات والصحف ويحتسي الشاي، بينما العراقيون يقضون يومهم في دفن موتاهم أو زيارتهم أو البحث عن جثثهم في مكبَّات القمامة، أو في مشارح العراق المُكتظة بالأجساد المتفحِّمة.

الذي أعرفه أن الصحافيين، وفي سبيل حصولهم على المعلومة، يقرأون عشرات التقارير والمقالات والأخبار فينتفوا الوبر عن القشر للظَفَرِ بعصارتها. لكن التجربة علّمتهم يوماً بعد يوم، أن كثيراً من الحقائق لا تحتاج إلى بحث ولا استقصاء ولا نَتفٍ ولا تقشير ولا تفكير ولا أي شيء آخر.

ليس ذلك اختزالاً ولا إراحةً للعقل من التفكير، بل هي الحقيقة. كثيرون باتوا يعتقدون أن ما جرى لا يقل ولا يزيد عن «مؤامرة» حِيْكَتْ على العراق. هذه الكلمة التي يمقتها كثيرون، أجِدُ أنها الأنسب لما جرى ويجرى في ذلك البلد منذ ما قبل العام 2003. إذْ كيف يجري كل هذا للعراق، ثم يُقال بأن صداماً عصى الغرب، فأراد الأخير عقابه بإزالته وكفى! لم يعد هذا المنطلق لينطلي على عاقل أبداً، لعدم اتساق الأحداث ولا تناغمها ولا تسلسلها بشكل منطقي.

هل من المعقول أن يتم كسر أحد أهم نقاط الغرب الآسيوي النفطي، حيث السعودية والكويت من الجنوب، وتركيا من الشمال، وسورية والأردن من الغرب، وإيران من الشرق، وبمساحة تصل إلى 438.317 كم2. ويمرّ به أهم منابع المياه في العالَم، وصاحب أقوى جيوش المنطقة، ثم يُقال بأن ذلك مجرَّد خلاف سياسي أو حتى بذريعة وجود أسلحة دمار شامل لديه؟

هنا، ربما يضحك المرء من «بعض» الساسة العراقيين وكيف أنهم لازالوا يعتقدون بأنهم هم مَنْ أقنع الأميركي للدخول لغزو العراق! في حين أن الحقيقة تقول بأن المشروع كان عبرهم كواحدةٍ من أدوات عدة أرادت الولايات المتحدة الأميركية استخدامها للدخول إلى العراق وفِعل ما فعلته منذ العشرين من مارس/ آذار 2003 ولغاية الساعة التي نحن فيها.

بلد يساوي احتياطيه من النفط كل احتياطيات الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك وأوروبا الغربية وأستراليا، ونيوزيلندا والصين، وكل آسيا غير الشرق أوسطية، لا يمكن أن يكون سلوك القوى العظمى معه إلاّ بتلك الطريقة الامبريالية المُخطَّط لها على مدى بعيد، وليس بطريقة اعتباطية أو نتيجة دعوة غبية من «معارضي» نظامه.

قال لي أحد الصحافيين الكبار ممن أمضوا أربعين عاماً في الصحافة الدولية والعربية، بأن نَفَس الأميركيين كان أن تصل خسائرهم إلى ثلاثين ألف قتيل في العراق قبل أن يخرجوا منه، وليس خمسة أو أربعة آلاف كما هو الرقم الفعلي على الأرض، وبالتالي، هذا الأمر يعطينا انطباعاً أنهم كانوا مستعدين لتجرّع فيتنام أخرى في سبيل الهدف الموضوع، وهو ما آل إليه العراق اليوم، ومن بعده المنطقة من انحلال اجتماعي وديني مخيف.

لن تُزكَم الأنوف من هذا المنطق مادام منطقياً. فلو لاحظ كل مراقب ومنذ أن انهدَّت الدولة في العراق على يد الأميركيين، فإنه لن يجد سوى تفرُّغ إسرائيلي، وصراع عربي – عربي، وآخر عربي – إسلامي، وتفسُّخ في الوحدة العراقية، باستقلال كردستان شبه الحتمي، حيث تنافح عن ذلك «إسرائيل» علناً! هذا الأمر ليس تدافعاً طبيعياً بل هو حالة مدروسة، سار فيها بعض العرب والمسلمين ببلاهة مع شديد الأسف.

أتذكر هنا، أن صاحب كتاب «إمبراطورية الشر الجديدة»، وأحد مؤسسي بعض شركات النفط عبد الحي زلوم، قال في أحد اللقاءات التلفزيونية، بأنه وعندما كان طالباً جامعياً في الولايات المتحدة الأميركية في العام 1955، طُلِبَ منه أن يتحدث عن بلاده في محضر عام. ولأنه فلسطيني، فقد قام وتحدّث عن مدينة القدس وعن دير ياسين وعن بقية الجرائم التي تعرض لها الشعب الفلسطيني على يد الاحتلال الإسرائيلي.

وفي آخر كلامه وقف إليه أستاذٌ في العقد السادس من عمره (كما يعتقد)، فقال له: «يا بني: كم بلغَ عدد قتلى (مجزرة) دير ياسين؟» فردَّ عليه زلُّوم: قُتِل مئتان أو ثلاثمئة أو أربعمئة! قال: أنتَ تتكلم عن هذه المئات، «ونحن قتلنا شعباً بأكمله (عشرون مليوناً من الهنود الحمر). تعلَّم يا صغير»، فالولايات المتحدة الأميركية ترى بأن «القوة هي الحق، والدولار لدينا يشتري كل شيء، بما فيها البلدان. فقد اشترينا ولاية (ألاسكا) بأكملها من روسيا، وولاية (لويزيانا) من فرنسا، وأنتَ تأتي لتتكلم لنا عن مئتي قتيل»!

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 4410 - الجمعة 03 أكتوبر 2014م الموافق 09 ذي الحجة 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 12 | 8:44 ص

      نعم شهيد العصر الطاغية صدام بالبحراني. ابرم روح ترجمها

      يا جماعة احتل الكويت كلكم بدولكم بقادتكم برجال دينكم برجال عسكركم بشخصياتكم شتمتموه وحاربتوا وللتاريخ من أضاع القضية الفلسطينية وشردم الامة العربية وفجر الخلافات المذهبية هو تهوره واحتلاله للكويت التي لن ينسى شعبها اجرامه ولمن يترحم عليه اللهم لا تقصر معه واحشره مع صدام وزمرته ونقول ساتحالف مع الشيطان لاسقاطه لكان دولنا بعيدة عن حماية امريكا لها التي لو تركتها لوحدها لسقطت أنظمتها بأسرع من البرق روح نام ولاتامن غدر امريكا فهي التي أدرت بحبيبك صدام مع حلفائها ههه

    • زائر 11 | 7:21 ص

      أمة لا تقرأ

      حتى البهائم تتعلم من أخطائها إلا فئة ممن يعيشون على هذه البسيطة وقد صدق من قال عنهم حينما قال هم أنس للقفار وحشو للنار.

    • زائر 10 | 7:06 ص

      يتبع . ما اكذب العرب

      ولكن الاعراب و اعلامهم ابى الا ان يصفهم بالارهابيين . وانت ايها الكاتب كجزء من اعلام عربي تعرف جيدا ان طاغية العراق تجاوز حد المعقول واللامعقول في اجرامه و وضع قوانين قطع الالسن والاذن و وسم الجباه ومع ذلك رحت تدافع عنه وتسمي القوات المحررة للعراق بانها قوات احتلال وانها قد دمرت العراق في حين ان من دمر العراق هم العرب واعلامهم و ارهابيوهم المجرمون . ان بوش صاحب فضل كبير علينا وقد انقذ 80% من الشعب العراقي من موت بطئ كان يكابده ولكنكم تابون الا ان تكونوا عربا اعرابا .
      علي جاسب . البصرة

    • زائر 9 | 7:01 ص

      ما اكذب العرب

      ما اكذب العرب . انهم امة متخلفة في كل شئ الا في فن الكذب و تزوير الحقائق التاريخية حيث لا تسبقهم امة فيه ابدا . تاريخهم مزور و كاذب و اعلامهم كله عبارة عن كذبة يطلقونها و يصدقونها فالارهابيون عندهم في العراق هم طلاب حق وانهم يدافعون عن السنة المهمشين بينما مظاهرات تخرج في بلد اخر ترفع الاعلام هي مظاهرات ارهابيين ! احتل الحوثيون اليمن ولم يعتدوا على مصرف او مركز شرطة ولم يذبحوا اي شخص ولم يفجروا جسرا او مشفى بل انهم لم يقتلوا اي فرد ........سلفي رغم ما يحمله هؤلاء من حقد شديد على الحوثيين . يتبع

    • زائر 8 | 5:44 ص

      صدام

      بمناسبة استشهاد الزعيم الخالد صدام حسين شهيد العصر اللة يرحمة ويدخلة فسيح جناتة واللة ينتقم من الدين ظلموة وسلموة للمريكان وتم اعدامة علي عملاء امريكا والدين جاؤا معة علي الدبابات والان اصبح العراق خرابة فانتشرت السرقات والفوضي والفتل علي الهوية والتهجير وتقسيم العراق بعد ان كان قويايخافة الاعداء والان بلد المهزلة ارجوا النشر ياوسط لاني عارف مسبق بتنشرين للدين يؤيدون ايران

    • زائر 7 | 5:37 ص

      قصيدة صدام الشهيرة

      لاتاسف علي غدر الزمان لطالما رقصت علي جثث الاسود كلاب لاتحسبن برقصها تعلوا علي اسيادها تبقي الاسود اسودا والكلاب كلاب ياقمة الزعماء اني شاعر والشعر حر ماعلية عتاب اني انا صدام اطلق لحيتي حينا ووجة البدر ليس يعاب فعلام تاخدني العلوج بلحيتي اتخيفها الاضراس والانياب وانا المهيب ولو اكون نقيدا فالليث من خلف الشباك يهاب هلا دكرتم كيف كنت معظما والنهر تحت فخامتي ينساب والقادة العظماء حولي كلهم يتزلفون وبعضكم حجاب عمان تشهد والرباط فراجعوا قمم التحدي ما لهن جواب انتم اساري عاجلا اواجلا مثلي وفد تتشا

    • زائر 6 | 5:05 ص

      متابع

      اقتباس (( الصحافيين، وفي سبيل حصولهم على المعلومة، يقرأون عشرات التقارير والمقالات والأخبار فينتفوا الوبر عن القشر للظَفَرِ بعصارتها )) . . . . . . أحب أن أعرف من الكاتب ما هي التقارير والصحف التي يقرأها يوميا للحصول على معلوماته القيمة ، و المحللون الذين يحب أن يقرأ لهم ، ما هي الأشياء التي يراجعها و يبحثها ليخرج لنا مقالا عالي الجودة و ( كامل الدسم ) كل يومين ، نحب أن نعرف سر المهنة . . . .

    • زائر 5 | 4:57 ص

      للزائر 3

      المترحمون على صدام يعني أنهم يترحمون على كل الذين أعدهم صدام المجرم من عشيرة الجبور والعبيد وزوبع وشمر وغيرها من العشائر العراقية الشريفة. ان الترحم على الطاغية استهزاء بالأكراد الذين أبادهم في في حلبجة والشيعة الذين قتلهم في الجنوب والسنة الذين دمرهم في الفلوجة وهيت

    • زائر 3 | 2:26 ص

      دمروا العراق العظيم

      اليوم ذكرى رحيل القائد صدام حسين بعد أن شنقه الأمريكان بأيدي عراقية وهو القائد الذي لن ينسى مهما طال الزمن ، يرضي من يرضى ويزعل من يزعل ، العراق الآن في مهب الريح بقيادته الجديدة المتخلفة ورجع العراق 50 سنة للوراء من التخلف والجهل ، ماذا استفاد العراقيون الآن من عدم الوقوف مع قائدهم وقيادتهم الوطنية غير تدمير العراق ؟ وظهور الدواعش الذين كانوا في تلك الأيام كالفئران مختبئين في جحورهم ، سيقى العراق على حاله مدمرا مادام تحت هذه القيادات التي لا هم لها غير مصالحها الشخصية ، لقد كان العراق عظيما.

    • زائر 2 | 2:15 ص

      مؤامرة شارك فيها العراقيون أنفسهم.

      هي فعلا مؤامرة على العراق وقيادة العراق ولكن كان بالإمكان إفشالها لو توحد العراقيين مع بعضهم ضد أمريكا وضد العراقيين الذين توافدوا على الدبابات الأمريكية وكانوا يسمون أنفسهم معارضة عراقية في الخارج بينما هم شلة متآمرين مع الأمريكي على بلدهم ، لو كانوا يدا واحدة لما استطاع الأمريكي أن يطأ أرض العراق ولما استطاعوا احتلال العراق في غضون ايام ولكن المصالح الشخصية طغت على مصلحة العراق وقيادة العراق الشرعية وهام الآن يحصدون ثمن تآمرهم على بلدهم ، وهاهو العراق يغرق في بحر الدماء العراقية وهم فرحون .

    • زائر 1 | 1:31 ص

      من قدم لهم التسهيلات اللوجستية هم سبب بلاء العراق

      اسقطوا صدام الذي تم وصفه بالطاغية عندما شحنوه واكدوا سلاحا ومالا ليحارب ايران وارتداد انتهاء تلك الحرب هي احتلاله للكويت ومنها تم تدمير أمة العرب وانظر لمن هو المسؤول ستراها تلك الدولة او الدول التي قدمت التسهيلات المالية واللوحوستية وفتحت المجال البري والبحري والجوي لقوات التحالف الغربي والنتيجة الدواعش والتدمير ونهاية العرب الوشيكة وكل ذلك للمحافظة على عروشهم

اقرأ ايضاً