العدد 4448 - الإثنين 10 نوفمبر 2014م الموافق 17 محرم 1436هـ

غسل الأموال وتمويل الإرهاب

سليم مصطفى بودبوس slim.boudabous [at] alwasatnews.com

-

احتضنت مملكة البحرين أعمال «اجتماع المنامة بشأن سبل مكافحة تمويل الإرهاب، نوفمبر/ تشرين الثاني 2014»، وذلك بتنظيم مشترك بين وزارتي الخارجية والمالية، وبمشاركة 29 دولة. ويأتي هذا الاجتماع في وقت تعاظم فيه حجم التحدّي الذي ينطوي عليه العامل المالي والمصرفي في رفد جهود المجتمع الدوليّ من أجل مكافحة الإرهاب؛ إذْ يعيش العالم عموماً، والعربيّ منه على وجه الخصوص، فترة غاية في الخطورة نظراً لانتشار جريمتين على قدر كبير من التعقيد والتشابك، وأعني جريمتي غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وبقدر ما تقع مجابهة هذين الجريمتين على عاتق المؤسسات المصرفية والأمنية، تتولّى المؤسسات التعليمية والتثقيفية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني والعائلات أيضاً مجابهة هذه المخاطر.

لقد تضافرت جهود المجتمع الدولي منذ عقود في التصدّي لجريمتي تمويل الإرهاب وغسل الأموال، حيث تشكلت لهذا الغرض مجموعة العمل المالي المعروفة اختصاراً باسم «فاتف»، التي شجّعت بدورها على إنشاء مجموعات عمل مالي إقليمية، من بينها مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الوسط وشمال إفريقيا والمعروفة اختصاراً أيضاً باسم «مينافاتف»، التي تمّ الاتفاق على قيامها في العام 2004، والتي تتخذ من البحرين مقراً لها، وهي تتكوّن من غالبية الدول العربية مع تمتّع بعض الدول الأخرى والمنظمات الاقتصادية فيها بصفة المراقب.

وفي هذا الإطار تتنزّل جهود «مينافاتف» التي تهدف إلى تبنّي تنفيذ التوصيات الأربعين لمجموعة العمل المالي حول مكافحة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب، إضافةً إلى تنفيذ معاهدات واتفاقيات الأمم المتحدة ذات الصلة بالموضوع. ولقد قامت «مينافاتف» بدور كبير في هذا المجال من خلال تشكيل شبكة ربط قوية بين مختلف دول العالم لتحديد الطرق الفعالة لضبط هذه الجرائم المنظمة والتصدي لها والتقليل من مخاطرها.

وتعتبر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، محطة مفصلية في مقاومة الإرهاب وتمويله؛ فلقد انتبه المختصون وبشكل أكثر دقة، إلى أوجه الشبه التي تجمع بين آليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومن ثمة أولت معظم الدول أهمية لمحاربة تمويل الإرهاب من خلال تجريمه وفقاً للمعايير الدولية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

غير أنّ هذه الجهود الأمنية والتشريعية، وهذه المؤتمرات واللقاءات المنعقدة على أعلى المستويات، لا يمكن أن تَفِيَ لوحدها بالغرض نظراً للتحديات الكثيرة والخطيرة التي تقف أمام تلك الجهود؛ فعلى المستوى التشريعي لاتزال جريمة تمويل الإرهاب وإثباتها، موضوع بحث المختصين؛ إذْ لا يوجد تعريف متفق عليه لظاهرة الإرهاب دولياً، فكيف يتسنّى للمشرّع أن يعاقب على تمويل فعل ليس له تعريف قانوني واضح كما تتطلب ذلك أساسيات ومبادئ القانون الجزائي. هذا بالإضافة إلى اعتبار بعض الدول والمنظمات والجمعيات الخيرية أنّ بعض الأعمال التي تصنفها دولةٌ ما إرهابيةً من منظورها، تقدّرها تلك الجهات أو دول أخرى من وجهة نظرها بأنها دفاع مشروع عن مبادئ العدالة والحقوق المعترف بها دولياً وإنسانيّاً. ولعلّ الجهود المبذولة من الهيئات والمنظمات الدولية بالاستناد إلى التعريفات المعتمدة في أدبيات الأمم المتحدة يمكن أن ترفد المشرع مع اعتبار خصوصية البلد في وضع القوانين الكفيلة بردع مرتكبي جرائم تمويل الإرهاب وغسل الأموال.

كما أنّه يظلّ على عاتق المؤسسات التعليمية والإعلامية والتثقيفية والمنظمات والجمعيات المدنية المُحبّة للسلام واجب رفد هذه الجهود الأمنيّة والتشريعيّة، وذلك بنشر ثقافة السلام والحبّ والتعاون، وبالتحذير من آفة الإرهاب المحلّي والدولي، والاستخدام المزدوج للانترنت، إذْ يستخدم في أحيان كثيرة وللأسف في تدمير عقول الشباب والتغرير بهم نحو الكارثة. لذلك على المؤسسات التربوية (المدارس الثانوية والجامعات) أن تعقد ندوات تحسيسية للطلاب من أجل توعيتهم بمخاطر تمويل الإرهاب والانخراط فيه بأي شكل من الأشكال.

كما أنّ من دور وسائل الإعلام تخصيص مساحات أوسع لمحاربة هذه الظواهر، وخصوصاً من خلال الوسائل السمعية البصرية وشتى أشكال التواصل الالكتروني. ولا يمكن الاستغناء البتة عن دور المؤسسات الثقافية وخصوصاً من خلال الفنون المختلفة، لتوصيل رسالةٍ تُعلِي من شأن السلام والحوار بين الأمم. كما أنّ بمقدور المنظمات العلميّة والثقافيّة، عقد الندوات واللقاءات التحسيسيّة بين المواطنين، لا في القاعات المغلقة، من أجل التواصل المباشر مع أخطار الإرهاب وتمويله وغسل أو تبييض الأموال غير المشروعة، وكذلك تسويد الأموال المشروعة، إذْ لا يخفى على أحد أنه من مصادر تمويل الإرهاب ما يتبرّع به الطيّبون إلى الجمعيات، لكن قد تتحوّل تلك الأموال المشروعة إلى سبب في الدمار والخراب. وهو ما يدعو إلى التحرّي في تقديم المساعدات والمعونات ومتابعة مجالات صرفها.

إنّ لآفتَيْ غسل الأموال غير المشروعة وتمويل الإرهاب تأثيراً بالغاً على الأنظمة والمؤسسات المالية والاقتصادية، وحتى الأسواق العالمية، لكنّ القضاء عليهما لا يمكن أن تنفرد به جهةٌ ما، وإنما هو جهد أمني وتشريعي وتثقيفي وتعليمي وتربوي، لابد للجميع أن يقوم بواجبه في تعاونٍ لحماية الحاضر والمستقبل.

إقرأ أيضا لـ "سليم مصطفى بودبوس"

العدد 4448 - الإثنين 10 نوفمبر 2014م الموافق 17 محرم 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 6 | 2:34 م

      مقال ممتاز

      مشكور على طرح مثل هذه القضايا

    • زائر 5 | 11:27 م

      هذا كلام عدل

      وبقدر ما تقع مجابهة هذين الجريمتين على عاتق المؤسسات المصرفية والأمنية، تتولّى المؤسسات التعليمية والتثقيفية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني والعائلات أيضاً مجابهة هذه المخاطر.

    • زائر 4 | 2:46 م

      دورهم عظيم

      المؤسسات التعليمية والإعلامية والتثقيفية والمنظمات والجمعيات المدنية المُحبّة للسلام

    • زائر 3 | 2:15 ص

      جريمتان

      تقع مجابهة هذين الجريمتين على عاتق المؤسسات المصرفية والأمنية،

    • زائر 2 | 1:48 ص

      موضوع خطير

      تمويل الارهاب : ضروري نتحرى في صدقاتنا وين رايحة؟؟؟؟؟؟؟

    • زائر 1 | 11:26 م

      بوركت يا أستاذ

      إنّ لآفتَيْ غسل الأموال غير المشروعة وتمويل الإرهاب تأثيراً بالغاً على الأنظمة والمؤسسات المالية والاقتصادية، وحتى الأسواق العالمية، لكنّ القضاء عليهما لا يمكن أن تنفرد به جهةٌ ما، وإنما هو جهد أمني وتشريعي وتثقيفي وتعليمي وتربوي، لابد للجميع أن يقوم بواجبه في تعاونٍ لحماية الحاضر والمستقبل.

اقرأ ايضاً