العدد 4464 - الأربعاء 26 نوفمبر 2014م الموافق 03 صفر 1436هـ

شهداء وجبابرة... وصالحون وفاسدون

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

منذ بدء الخليقة، غَيَّبَ الموتُ أناساً كثيرين. بعضهم ماتوا وهم شهداء، وآخرون هَلَكوا وهم جبابرة. ومثلهم رحلوا وهم صالحون وآخرون فاسدون، أو أسوياء أو ربما أشقياء. لكن (وهي المفردة التي عادةً ما تكون كلمة الفصل في الأفكار، حينما نعلم أنها تأتي للاستدراك أو التوكيد) يجب أن نفترض أشياء أخرى فيما خصَّ تلك النعوت وحامليها.

بمعنى، أننا يجب أن نُفكِّر فيما هو أبعد من لحظة تلك النهايات، التي خَتَمَت أعمار أولئك البشر وهم على ما هم عليه، من شهادة أو تجبُّر أو صلاح أو فساد وغيره. فالشهيد قد لا يكون شهيداً لو لم تتدافع الظروف أمامه فتُشكِّل له إطارَ حياة لها ظروف مُحدَّدة كي يموت فيها شهيداً. فما يصنعُ من الشهيدِ شهيداً هو القضية لا الموت كما قيل.

نعم، قد تأتي ظروف أخرى، فيها من الأحداث السياسية والاجتماعية والفكرية ما تجعل الطريق سالكاً أمام ذلك «الشهيد المفتَرَض» لأن يصبح جباراً في الأرض. وربما وجدنا صوراً قريبة من ذلك، حين يتحوَّل المجاهد «الذي شاءت الظروف أن لا يموت شهيداً في المعركة» إلى حاكم ظالم أو فاسد، حين تتهيأ له الطرق، ويصبح متأمِّراً على البلاد والعباد.

الظروف ذاتها قد تنطبق على الجبابرة، فلو أن تلك الظروف لم تأتِ إليهم ليكونوا حكاماً وملوكاً، لما رَفَلوا في النعيم والنفوذ ليتلمَّظوا حلاوته، وبالتالي حوَّلوا السلطة، من سيادةٍ على الناس عبر العدل والقسط، إلى مُلْكٍ بالحديد والنار. ولو سِيْقَت لهم ظروفٌ كظروف «الشهيد» لربما صاروا شهداء في قضية، يُتنَدَّر بأسمائهم، وتُشَيَّد لهم تماثيل مُخلَّدة.

أضرب مثالاً هنا من التاريخ المنظور. فالجنرال الأرستقراطي القوي أغسطين دي إيتوربيد، الذي أرسلته إسبانيا الإمبريالية لمحاربة الفلاحين المكسيكيين في بداية القرن التاسع عشر، تحوَّل وبمجرد وصوله إلى المكسيك ومشاهدته للبؤس الذي يعاني منه الفلاحون والثوار هناك، إلى ناصرٍ لهم ثم رائداً لاستقلال بلدهم في العام 1821. وعندما أعدِم في باديلا بعد قدومه من المنفى، تحوَّل إلى مَلاكٍ عند المكسيكيين بل واللاتينيين كلهم.

مثالٌ آخر أذكره من التاريخ ولكن في صورة معاكسة. فنابليون بونابرت إمبراطور فرنسا (1769– 1821)، الذي كان ثورياً إصلاحياً مدافعاً عن حقوق الإنسان والقيم التي أوجدتها الثورة الفرنسية العام 1789 في بداية حياته ومشواره السياسي، تحوَّل إلى ديكتاتور، يحمل أطماعاً إمبريالية توسعية، حين غزا أراضٍ مجاورة وبعيدة، وارتكب مجازر بحق شعوب تلك الدول والأراضي الآمنة والمسالمِة. وخَتَمَ حياته على تلك الصورة.

هذا الأمر يسري على الصالحين والفاسدين أيضاً، كلٌ والظروف والعوالم التي يُصادفونها. فالصلاح في بيئة صالحة لا يُعتَبَر أمراً نادراً، والفساد في بيئة فاسدة لا يعتبر أمراً غريباً، لكن العكس هو الصحيح. فحين يبرز رجلٌ صالحٌ في بيئة فاسدة فهذا هو التميُّز، وحين يكون هناك رجلٌ فاسدٌ في بيئة صالحة، فهذا ما يُنسِي ما قبله ويُتعِب ما بعده من فعل لغرابته وخروجه عن المألوف والسليقة.

نعم، لا تخلو القاعدة من نماذج نقية في مواقفها إن كانت جيدة أو سيئة، لكن ورود خلاف ذلك أمر قائم ومستمر، وحصل في السابق. بمعنى أن الأصالة في كِلا الأمريْن حقيقية. فاللازمة الداخلية (أو لنقل الدَّالَّة نحو الصلاح والفساد) موجودة. هذا الأمر يجب أن يكون معلوماً، لكنه أيضاً يبقى قليلاً أمام عوامل البيئة الخارجية وتأثيراتها على حياة البشر.

أمام هذه القاعدة يجب أن نُدرك، بأن مَا يُشكِّل حياتنا وفعلنا بشكل أساسي هي الظروف المحيطة وليس داخلنا، الذي يُصبح أسيراً (في الغالب) لذلك المحيط، فينداح في أُتُونِه مستسلماً له. لذا، فإننا وأمام ذلك نكون أمام مسئولية تشكيل أنفسنا من خلال المجموع، وفي نفس الوقت تشكيل المجموع من خلال أنفسنا، في علاقة تبادلية دقيقة.

فحين نحكم على مجتمعٍ ما، بأنه كثيرُ الجريمة، فلأن هذه الصفة هي إجماليةٌ ومُختَزَلة، لكنها في الأساس نابعة من فِعل فردي. أي أن تكرار فعل الجرم من 100 شخص من بين 1000 هو الذي يعطي المسألة شكل الظاهرة، لكنها وقبل أن تتحوَّل إلى ظاهرة كانت حالات فردية، وهذه الفردية تورَّطت فيها الاتجاهات والنزعات الداخلية للنفس والقرابة والشللية حتى أصبحت عامة.

إذاً، نحن كأفراد مسئولون عن تكوين الظواهر الإيجابية والسلبية في مجتمعاتنا كي نُشكِّل الصورة العامة. نعم، هذا الأمر مرتبطٌ بأسباب أخرى، تتعلق بالنظام السياسي والتعليم والاقتصاد وبالتالي الطبقة الوسطى، لكن الواقع يقول بأن هناك أوزاناً مختلفة لدى الناس، يمكنها أن تقوم بإنتاج التوازن الداخلي، عبر المبادرة والجرأة في مواجهة الخطأ.

فالقيام بالفعل الجيد وإثبات جدواه وتمكينه من الواقع وإدامته هو المعركة الحقيقية للناس اليوم. وهذه المعركة تحتاج إلى وسائل قتال مدنية صلبة كالأخلاق والقلم واللسان. فـ «بإمكان كذبة مثيرة، التغطية على حقيقة مُمِلَّة»، كما كان يقول هكسلي، إن لم نجعلها في السياق الصحيح للحقائق. وبالتالي نستطيع تقديم الأفضل من خلال «الإرغام» القائم على إنتاج الفعل الإيجابي وإثباته وتمكينه وديمومته وهو أساس كل شيء.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 4464 - الأربعاء 26 نوفمبر 2014م الموافق 03 صفر 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 7 | 7:39 ص

      مقال جميل

      عودتنا أستاذ محمد على روعة ما يخطه قلمك
      فالأفكار سلسة والموضوع مفعم بالفائدة
      شكرا لك أستاذي

    • زائر 6 | 2:44 ص

      متابع

      بالنسبة لمثال نابليون الذي بدأ ثوريا خيّرا وانتهى امبراطورا متجبرا ، حضرتني مقولة لرئيس الأوروغواي خوزي موخيكا : السلطة لا تغير الأشخاص ، هي فقط تكشفهم على حقيقتهم .

    • زائر 5 | 2:36 ص

      متابع

      اقتباس (( فحين يبرز رجلٌ صالحٌ في بيئة فاسدة فهذا هو التميُّز، )) . . . . حضرتني عند هذه الجملة شخصية الحر بن يزيد الرياحي ، الشخصية التي نتمنى لو كنا مكانها ووقفنا بموقفها
      فعلا كان الحر كما سمته أمه .
      يقولون الزهرة التي تنبت في الصحراء بين الصخور ، هي أجمل و أنضر الزهور .

    • زائر 3 | 11:58 م

      كلام ينطبق على واقعنا

      وهذه المعركة تحتاج الى وسائل قتال مدنية صلابة كالأخلاقوالقلم واللسان وهذا ما نقوم به في واقعنا البحريني الذي تحول فيه الكذب الى حقائق فعليه نحن سائرون في هذا الدرب لانتزاع الحقوق

    • زائر 2 | 10:39 م

      نهاية الناس هي الحكم في كل شيء

      ولكن تبقى الخاتمة هي التي تحكم سمعة الناس

    • زائر 1 | 10:31 م

      افكار جديرة بالتامل فعلا

      مقال في غاية الروعة وافكاره قد لا تكون حاضرة لدى الكثريين لكن قلمك المتميز يقدمها بشكل فريد . بارك الله في جهودك استاذ محمد وتحياتي للوسط الحبيبة

اقرأ ايضاً