العدد 4543 - الجمعة 13 فبراير 2015م الموافق 23 ربيع الثاني 1436هـ

إعدام سقراط

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

في مثل هذا اليوم، وقبل 2414 عاماً كان سقراط يترقَّب قَدَره وهو في سجنه. فقد صَدَرَ بحقه حكم بالإعدام بسبب آرائه وأفكاره. وكان من الصعب حينها القول أن «محكمة يونانية» هي التي أصدرت عليه الحكم الذي أنهى حياته، بقدر ما كان الأمر خاضعاً لمزاج شعبي يدفعه الدهماء، حتى جُيِّر كي يكون عدواً لسقراط فيُجاز «بهم» قتله.

وقد جاء في كتاب «الملل والنحل» للشهرستاني في وصفه لسقراط بأنه «كان حكيماً فاضلاً زاهداً، واشتغل بالرياضة، وأعرض عن ملاذ الدنيا»، و«نهى الناس عن الشرك وعبادة الأوثان فثارت عليه العامة، وألجأوا ملكهم إِلى قتله فحبسه ثم سقاه سمّاً فمات» بعد أن قضى 30 يوماً في السجن. وقيل بأن ذلك السم كان سم الشّوكران القاتل.

كان سقراط ابن سوفرونيسكوس واحداً من كبار فلاسفة اليونان، الذين أنجبتهم المدرسة الفيثاغورسية العظيمة. وكان صاحب أخلاق وحجَّة بعكس ما كان سائداً من أفكار تعتمد على اللسان الجدلي، الذي برَّر للخرافة والظلم، وإشاعة أن الموجودات مجرد خيال لا حقيقة.

عاش سقراط سبعين سنة (469 ـ 399 ق. م). قضى شطراً كبيراً من حياته في التعليم. ورغم ما أوتِيَ من علم وبيان، إلاَّ أنه كان متواضعاً. وكان يردّد دائماً «إنني لست معلماً للطلاب، وإنما أهيئهم كي أستثمر فكرهم، وأستخرج من داخلهم المعارف المغيّبة، كي يقف المتعلم على ما كان يعلمه بالفطرة بشكل مبسوط، كما هي القابلة، التي لا تخلق الطفل في الرحم، وإنّما توجد الظروف المناسبة لتلد الأُم ما كانت تحمله في بطنها».

وقد عاش سقراط فقيراً ليس له يسار في العيش. وعندما كان يقول له أهل الملك: ما أفقرك يا بن سوفرونيسكوس؟ يردُّ عليهم: «لو عرفتم راحة الفقر لشغلكم التوجّع لأنفسكم عن التوجّع لي، فالفقر ملك ليس عليه محاسبة».

وعلى رغم فقره فقد كان هشًّا بَشًّا طَلْق الوجه، وحين كان يُسأل: «لِمَ لا يظهر عليك الحزن؟ يجيبهم: لأني لم أتخذ ما إن فقدته أحزنني». لذا، فقد احتار في أمره مَنْ أرادوا تطويعه وآراءه من أهل السلطة.

الحقيقة، بأنه وبعد هذا التقديم، فإن من الأشياء المهم ذكرها هنا ونحن نتلو ذكرى سقراط، هو الوقوف على ما كان متبعاً في العصور الغابرة، والذي استمر لاحقاً إلى حين، وهو المتعلق بكيفية تحصيل العلم من قِبَل الطلاب. ما أعنيه هو أن الأوّلين كانوا يلجأون إلى المعلِّم القدير والنابه صاحب الأفكار والأخلاق لا لكونه مرتبطاً بلحظة تحصيلهم للعلوم، بقدر ما كانت ملازمة منهم له قبل وبعد الدراسة؛ لأنهم كانوا يؤمنون بأن العلم الحقيقي هو عند المعلِّم لا الكتب.

لذلك، نجد في سيرة إفلاطون بن أرسطوقليس الأثِينِي كمثال (وغيره أيضاً) بأنه أخذ العلم من سقراط. وقد ورد في تحقيق كتاب الأصفهاني أنه «اتصل بسقراط ولزمه مدة ثماني عشرة سنة». وعندما أعدِمَ سقراط قام مقام أستاذه «وجلس على كرسيه».

ولاحقاً وعندما عاد إلى أثينا بعد رحلة شاقة، أنشأ على أبوابها أكاديميته الشهيرة التي أمّها طلاب المعرفة من كل صوب، وراح يُعلِّم الحكمة ويعدّ رجالاً يستطيعون أن يديروا شئون المدينة وفاقاً لمقتضيات العقل» كما جاء، وكان لهذا الأخير تلامذة ملازمون له كطيماوس ‌وأرسطوطاليس.

نعم، لقد وجدنا العلوم والأفكار لا تموت بموت الفيلسوف أو المُعلِّم الملتزم، بل يتم تقليبها وتداولها بين أجيال وأجيال، حتى تتعزز وتتبلور أكثر. كان ذلك منهجاً متبعاً في السابق عند الفلاسفة والمفكّرين حتى عصر الأنوار كما هو في حالة فولتير وروسو، وكذلك في الشرق كما كان ياماموتو كاكي مع أستاذه باشو، فهو لم يغادره حتى وفاته، وغيرهم كُثُر.

وربما نجد مثل هذا النهج متبعاً إلى حد ما في المدارس الدينية منذ القِدم ولايزال، حيث يبقى العديد من الطلاب ملازمين لمعلميهم ردحاً من السنين وكأنهم مريدون لهم، لكننا لا نجد لذلك في المدارس الأكاديمية مساراً واضحاً. فأغلب الطلاب المتخرجين من الجامعات تنتهي علاقاتهم بمعلّميهم الأكفاء حال تخرّجهم من الجامعة، وبالتالي ينقطع تحصيلهم العلمي الحقيقي، الكامن في عقول وأفئدة أولئك المعلمين.

فالمعلِّم الملتزم و«السقراطي» ليس الكتاب الواقع بين دفّتين، بل هو يستنهض هِمَم تلاميذه، ويقيس مستوى قابلياتهم، وبالتالي هو الأقدر على توجيه طاقاتهم وتنميتها بالشكل الصحيح. ولو دققنا في كلام سقراط لأدركنا حقيقة ذلك عندما قال: «أهيئهم كي أستثمر فكرهم، وأستخرج من داخلهم المعارف المغيّبة»، وهذا هو المهم في جوهر عملية التعليم كلها.

ليس ذلك فحسب، بل إن المعلِّم الحقيقي، يكون مدرسة مزدوجة، ليس في العلوم فقط بل في الأخلاق وكمال نفسية الفرد. وكان سقراط يؤمن بأن «حسن الخلق يغطّي غيره من القبائح، وسوء الخلق يقبّح غيره من المحاسن». وكان يزرع في تلاميذه ذلك، حتى قيل: الحكماء أحد عشر: «إفلاطون في الإلهيات، وبطليموس في الرصد والهيئة، والمجسطي بقراط وجالينوس وذو مقرط في الطب، وأرسميدس وإقليدس وبلينوس في الرياضيات، وإرسطا طاليس في الطبيعيات والمنطق، وسقراط وفيثاغورس في الأخلاق».

لقد أعدِم سقراط لكنه بقي حياً بعلمه وبتلاميذه الذين حملوا أفكاره وأخلاقه. وفي ذلك درسٌ للجميع كي يدركوا أهمية المعلِّم القدير قبل كل شيء في مسيرة التحصيل. المعلم الذي لا يقف عند ما يجب أن يعرفه تلاميذه، بل إلى ما هو أبعد من ذلك كما كان يشير الشاعر الألماني يوهان فولفغانغ غوته.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 4543 - الجمعة 13 فبراير 2015م الموافق 23 ربيع الثاني 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 14 | 10:55 م

      نحتاج لكثير من المقالات الدافعة لحب العلم

      مشكور على هذا المقال الجميل في زمن اصبح المعلم مجرد فصل او سنة وينسى من ذاكرة التلميذ
      فالمعلم الكفؤ يكون معلما طول العمر

    • زائر 13 | 9:32 ص

      مقال شيق

      احسنت استاذنا الكريم على ها المقال الشيق والمفيد

    • زائر 12 | 4:53 ص

      أعدِم سقراط لكنه بقي حياً بعلمه وبتلاميذه الذين حملوا أفكاره وأخلاقه

      ليس المهم بطل الفكرة، فالبطل قد يموت، ولكن المهم فكرة البطل، فتمسكوا بالفكرة وإن مات البطل.

    • زائر 11 | 3:32 ص

      مقالة كلها حكمة وتجربه

      شكرا للكاتب الموهوب الاخ محمد عبدالله
      وشكرا للوسط واسرتها المبدعة
      هذه ليست مجاملة وانما حقيقة ساطعة على ارض الابداع الإعلامي والى ابداعات بديعة اخرى ، وشكرا لكم .

    • زائر 10 | 3:14 ص

      آه

      من خلال مقالك الرائع لم أقابل معلم بهذه الروحية التي دكرتها سواء من البحرينيين او الاجانب ولا.......

    • زائر 9 | 2:21 ص

      لقد وجدنا العلوم والأفكار لا تموت بموت الفيلسوف أو المُعلِّم الملتزم، بل يتم تقليبها وتداولها بين أجيال وأجيال،

      نعم، لقد وجدنا العلوم والأفكار لا تموت بموت الفيلسوف أو المُعلِّم الملتزم، بل يتم تقليبها وتداولها بين أجيال وأجيال، حتى تتعزز وتتبلور أكثر. كان ذلك منهجاً متبعاً في السابق عند الفلاسفة والمفكّرين حتى عصر الأنوار كما هو في حالة فولتير وروسو، وكذلك في الشرق كما كان ياماموتو كاكي مع أستاذه باشو، فهو لم يغادره حتى وفاته، وغيرهم كُثُر.

    • زائر 8 | 2:14 ص

      فالفقر ملك ليس عليه محاسبة

      وقد عاش سقراط فقيراً ليس له يسار في العيش. وعندما كان يقول له أهل الملك: ما أفقرك يا بن سوفرونيسكوس؟ يردُّ عليهم: «لو عرفتم راحة الفقر لشغلكم التوجّع لأنفسكم عن التوجّع لي، فالفقر ملك ليس عليه محاسبة».

    • زائر 7 | 2:04 ص

      ذو العقل يشقى ......

      الذين حكموا على سقراط بالموت آنذاك هم من يلبسون عباءة الدين في هذا الوقت وللاسف فان سقراط العصر الحديث الذي يشنق كل يوم ، لم يستطع ان يترك شئ لان مناهج التعليم غير مؤهلة لان تَخَلَّق اجيال تفكر بالعقل مثل سقراط بل تكتفي بالمنقول و اضفاء الصفة الإلهية عليه وتقديسه ،،، شكرًا استاذ مقال رائع كالعادة

    • زائر 6 | 1:46 ص

      شكرا

      مقال ثري لكاتب مبدع

    • زائر 5 | 1:32 ص

      معلومة

      يكثر اسم سقراط في امريكا اللاتينية

    • زائر 4 | 12:45 ص

      امثال سقراط قله

      في كل زمان هناك قله يعرفون الله حق المعرفه لذا فإن إيمانهم راسخ ولا يهمهم من ملذات الدنيا شي و هم من يصنع التاريخ

    • زائر 3 | 12:19 ص

      تحية من الصباح لك استاذ محمد

      مقال جميل

    • زائر 2 | 11:41 م

      بحق

      ونعم المقال ونعم الكاتب ونعم الصحيفة التي نحبها ونحب ثراءها

اقرأ ايضاً