العدد 4544 - السبت 14 فبراير 2015م الموافق 24 ربيع الثاني 1436هـ

شهر فبراير العربي

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

ظلّ شهر فبراير يمثل لدى شرائح عريضة من الشباب العربي «شهر فالنتاين»، حتى تحوّل في العام 2011 إلى شهر انطلاقة «الربيع العربي».

فبراير 2011 بدأ صفحةً جديدةً في تاريخ شعوب المنطقة، من المغرب غرباً إلى ساحل عمان.

الحصاد حتى الآن مرٌّ ودامٍ وعسير، لكن المنطقة تغيّرت ودخلت مرحلة جديدة، ولن تعود كما كانت من قبل. حصادٌ هزيلٌ طبعاً، من ناحية الحقوق والحريات التي كانت مرجوّة، لكنها مجرد البدايات، لمن شاء أو أبى.

في السنوات الأربع، تم إعادة تدوير المنطقة وإعادتها إلى المربع الأول، بعد فترة انتقالية تبادلت فيها السلطات القديمة والقوى الطارئة على الحكم الأدوار مؤقتاً. لقد كانت عملية وضع خمرٍ جديدةٍ في دنانٍ قديمة.

في تونس التي انطلقت منها رياح الثورة، تم الإطاحة بحكم النهضة الاخوانية التي ملأت الفراغ مؤقتاً، ضمن ترتيبات أميركية تركية إقليمية كبرى، وأعاد النظام القديم أحد الوزراء القدامى، عمره 88 عاماً، كان يعمل وزيراً للاقتصاد في نظام بورقيبة، ليقود بلداً أغلب سكانه من الشباب المتطلع إلى الحرية والكرامة وفرصة عيش كريم.

في مصر التي حكمها الجيش ستين عاماً، كان أحد أسباب الغضب الكبرى تخطيط حسني مبارك لتوريث الحكم لابنه جمال، واستخدم كل أجهزة الدولة والحزب الحاكم لتنفيذ هذه الرغبة الملكوتية. وعندما تمت تنحيته جاء أقدم حزب سياسي في مصر (الاخوان) ليملأ الفراغ، وفق الترتيبات نفسها. ولم يمر عام حتى استعاد النظام القديم زمام المبادرة، مستغلاً كل تلك الأخطاء، كل تلك البلادة في الحكم والسياسة، ليطيح بحكم الاخوان، وليلقي بشباب الثورة في السجون. حكم الجيش مصر ستين عاماً، ويريد أن يحكمها ستين عاماً أخرى، دون أن يوضع في الاعتبار كل الاستحقاقات التي خرج من أجلها الشباب.

في سورية تم تحويل الثورة الشعبية السلمية ووضعها على خط النار، وفق تقاطع المصالح الأميركية الإقليمية، وما تلاه من صراع محاور في المنطقة، ولم تمض سبعة أشهر حتى بدأ تحويل الساحة السورية إلى تصفية حسابات بين الدول. وهكذا أخذت الأزمة تتغذّي بما يتم تحويله لها من فائض حركات تكفيرية متطرفة كانت أكبر تجلياتها الوحشية في «داعش». التحالف الدولي الذي تكوّن من 120 دولة قبل ثلاثة أعوام ووضع إسقاط بشار الأسد على رأس أولوياته، عاد اليوم لينادي بأن الأسد جزء من الحل. لقد ضاعت إحدى حركات الشعوب العربية بين المؤامرات والتدخلات الأجنبية وتصفية الحسابات والأخذ بالثارات.

أما في ليبيا، التي شاركت دولٌ عربية في أقصى المشرق في الغارات التي أسقطت نظامها الدكتاتوري السابق، على بعد آلاف الكيلومترات، لحسابات ومصالح غربية أساساً، فسقطت في ثقب أسود. ما كنا نقرأ عنه في كتب التاريخ من حروب بين القبائل والأفخاذ العربية قبل الإسلام، أصبحنا نشاهده في نشرات اخبار المساء، وما كان يجري من قتال بالسيف على ناقة وبعير وبئر ماء، أصبح اليوم يجري على بئر نفط، بين دبابات وطائرات.

حصاد مرٌّ ودامٍ وعسير، سيجمد حركة التاريخ مؤقتاً ويعيد الشعوب إلى ما قبل أوضاعها السابقة، التي طمحت لتغييرها. السلطات القديمة عادت للإمساك بزمام المبادرة بعدما جدّدت جلودها الثخينة. الشعارات التي دغدغت جيلاً عريضاً من شباب العرب أصبحت حلماً مؤجلاً يخبئونه في قلوبهم حيث الدفء والأمل. الآمال الكبرى التي طرحتها تلك الملايين التي نزلت الشوارع والميادين، تتعرض إلى عملية إجهاض متعمدة. أشواق الجيل الجديد في الحرية والمساواة والعدالة وتطبيق القانون على الجميع باتت مؤجلة إلى حين. ووسط كل ذلك، المشاكل الكبرى لم يجر الدنو منها لحلها وإيجاد أجوبة للأسئلة الوجودية الكبرى: «أحرار: نكون أو لا نكون».

شيء واحد يجب أن لا ينساه الجميع، وهو أن هذا الجيل الذي خرج كأشعة الشمس فجراً، لم يستأذن أحداً في نزوله للميادين: لا سلطةً رسمية ولا دينية ولا حزبية يمينة أو يسارية، ولا شيخ دين ولا شيخ دنيا. وهم ما لم نفهمه ولم نستوعبه بعد، من جيل خرج لتقرير مصيره وانتزاع حريته بيده وصنع مستقبل خال من الوصاية والاستبداد.

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 4544 - السبت 14 فبراير 2015م الموافق 24 ربيع الثاني 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 14 | 6:27 ص

      الربيع العربي فشل

      ماحد يعرفك يالامان إلا اللي بيده مردك

    • زائر 12 | 2:23 ص

      مقال رائع

      مقال متسلسل ف سرد الاحداث رائع يحكي ماساة الواقع العربي ف معالجته للثورات التي قامت لتحيا من جديد.

    • زائر 10 | 1:41 ص

      الجيل الجديد هو الذي سيقلب المعادلات

      الجهل والتجهيل ومحاولة اللعب على عقول البشر اصبحت من الماضي. والعدوّ الأكبر للحكومات الظالمة هو وعي الشعوب التي تقف عائقا امام تلاعب الحكومات بمقدرات الامة خاصة وانه ليس بالإمكان تغييب الفساد والظلم والسرقات

    • زائر 8 | 11:53 م

      الاسد جزء من الحل

      ذكرت في مقالك عن حسني مبارك والتوريث ولم تذكر حافظ الاسد ورث ابنه بشار في الحكم ومافعله بشار بشعبه ؟؟؟؟؟؟

    • زائر 15 زائر 8 | 7:47 ص

      كلهم يورثون

      الكاتب سيدقاسم واضح وصريح لا يؤيد الاسد ولا غيره من الدكتاتوريين. من سنوات هذا موقفه الذي نقرأه وموقف كل الاحرار والعقلاء ضد الدكتاتورية والاستبداد.

    • زائر 6 | 11:26 م

      هذه دروس التاريخ

      كل ربيع يثمر.عجلة التاريخ لا تدور للخلف.

    • زائر 17 زائر 6 | 2:42 م

      م

      ما من ربيع يدوم الا ايام معدودة ولا يدوم إلا الحق

    • زائر 5 | 10:41 م

      بسم الله نا شاء الله عليك

      عرص دقيق وسلس للأحداث بأسلوب السهل الممتتع ولديك القدرة الفائقة لشد القراء بأسلوبك الواقعي للاحداث ولكن لا تقل الربيع العربي بل قل الربيع الدموي فكل ما حدث للمسلمين والعرب للاسف الشديد لم يكن في ص صالحهم فكم من أنفس زهقت كذلك السجون اصبحت مكتظة وخسر النسلمون ةالعرب الكثير والكثير ولا نملك إلا أن نقول اللهم فرج هذه الغمة عن هذه الامة

    • زائر 9 زائر 5 | 1:20 ص

      أخي الكريم

      الربيع العربي الذي حول إلى ربيع دموي هو المصالح الإقليمية والدولية كما أوضح السيد

    • زائر 3 | 10:20 م

      بعد 14 قرن نقول يا خسارة تربية الاسلام فيكم يا مسلمين

      بعد 14 قرن لم يتغير الطبع القبلي المتعصب المتشنج و لم يختفي السيف الممرر على النحور فمازال يتخطفهم الخوف و مازالوا طرائق قددا

    • زائر 11 زائر 3 | 2:19 ص

      كلام درر

      أسطرك القليلة قالت الكثير والكثير ولا مزايدة على ذلك

    • زائر 1 | 9:29 م

      عودة الى زمن اهل الكهف

      ما سمي الربيع آنذاك ، أعاد مصر ، تونس ، اليمن الخ الى زمن اهل الكهف ولولا فشلة في البحرين لكنا الان لا قدر الله نعيش في غياهب الماضي السحيق حفظ الله البحرين والخليج العربي والوطن العربي عما يريدوه لها أعداء البشرية تحت شعار حقوق الانسان

اقرأ ايضاً