العدد 4651 - الإثنين 01 يونيو 2015م الموافق 14 شعبان 1436هـ

كوبا: بلا تبرم أو شكوى.. طوابير الانتظار جزء من الحياة اليومية

طوابير الانتظار أمام سوبر ميركادو وهو واحد من أكبر مراكز تسوق التجزئة التي تديرها الدولة في هافانا
طوابير الانتظار أمام سوبر ميركادو وهو واحد من أكبر مراكز تسوق التجزئة التي تديرها الدولة في هافانا

الوسط - المحرر السياسي 

تحديث: 12 مايو 2017

«سوبر ميركادو» هو واحد من أكبر مراكز تسوق التجزئة، التي تديرها الدولة في هافانا، ويعد بديل «تارغت» أو «وول مارت» تقدمه الحكومة الشيوعية، والذي تم إنشاؤه ليكون مركز تسوق متكاملا. ومن المحتمل أن يكون مصممو ذلك المركز أمام عملاء يحملون قائمة تسوق طويلة سبعة أماكن على الأقل يجب عليهم الانتظار في صفوف أمامها: صف من أجل الحصول على الزبد، وآخر من أجل الحصول على زيت طهي، وآخر للحصول على معجون الأسنان، وهكذا دواليك. وسأل رجل: «هل أنت آخر شخص يقف في الصف؟» وذلك بعد أن وصل إلى نهاية صف يتحرك ببطء من أجل الحصول على الجبن. وأومئ الشخص الذي تم سؤاله إيجابا.

وحسبما أفادت صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر اليوم الثلثاء (2 يونيو/ حزيران 2015)، تعد صفوف الانتظار الطويلة، في المصرف، أو محطة الحافلات، أو منافذ توزيع السلع المدعمة من الحكومة، جزء من الحياة اليومية للكوبيين، ولا يمكن الهروب منها مثل الحرارة أو الموسيقى. هل تريد بطاطس؟ هناك صف لذلك. هل أنت بحاجة لدفع فاتورة الهاتف الخاص بك؟ هناك صف مخصص لذلك أيضًا. أما في باقي أنحاء العالم، أتاحت ثورة الإنترنت إمكانية الحصول على السلع والخدمات، وتوزيعها، وتنظيمها، بكل سهولة وكفاءة وفعالية، لكن لم تهتم الثورة الاشتراكية في كوبا بتلك الأمور. لذا في عصر الإنترنت لا يزال المجتمع الكوبي يقف في صفوف الانتظار.

في ظل وجود طفرة في عدد السائحين الأميركيين، حيث وصلت نسبتهم إلى 36 في المائة خلال العام الحالي، طبقا لبيانات الحكومة، تعاني الجزيرة من نقص في عدد غرف الفنادق، والسيارات المعروضة للإيجار، والمقاعد في ملهى تروبيكانا. ويعني هذا أنه من المحتمل أن يضطر الزائرون الأميركيون أنفسهم أيضا إلى الانتظار لفترة أطول مما اعتادوا عليها. ويمكنهم معرفة الكثير عن مضيفيهم، الذين يمتلكون احتياطيا هائلا من الخنوع وعدم التبرم. وقال الرجل الذي يقف في صف انتظار الجبن بابتسامة الخبير: «يتحمل الكوبيون الكثير». وعرف نفسه باسم ماريو. وكان ماريو رجلا في منتصف العمر وهو ممتلئ قليلا، ويرتدي بنطالا قصيرا وقميصا رياضيا بلا أكمام، وقبعة مكتوب عليها «القوات الخاصة الأميركية»، مع ذلك لم يبد أنه أحد أفراد القوات الخاصة. وقال: «لقد أرسلها لي شقيقي الذي يقيم في كندا. وقد حصلت لتوي على التأشيرة لزيارته. سأصل إلى هناك في عيد الاستقلال». وأكد لي ماريو أنه لا يعتزم الهجرة إلى الولايات المتحدة، فهو لديه سيارة، ويجني مالا وفيرا من بيع مواد البناء في السوق السوداء، وأغلبها مسامير، وبراغي، وأشياء أخرى غير قانونية رفض ذكر اسمها. لهذا السبب رفض ذكر اسمه بالكامل. وقال: «إضافة إلى ذلك، سيكون هذا ضد ديني».

وأوضح ماريو أنه «بابالاو»، أي رجل دين ينتمي إلى الديانة السنتيرية. ويتطلب موقعه الديني أن يقيم في مكان مولده، في حين أنه من المسموح له القيام بزيارات خارج المنطقة لفترة قصيرة. وأضاف قائلا: «قال صديق لي قام بزيارة خارجية إن هناك شيئين افتقدهما بعد العودة من الولايات المتحدة: الحرية وهوم دي بوت».

يقف أمامنا في الصف عميل طلب كمية كبيرة من شرائح اللحم المقدد. وأحدث هذا الطلب شللا في القسم المخصص في السوبر ماركت بأكمله. وركض عاملان نحو ماكينة التقطيع، وبدأوا في إعداد طلبه، في حين وقف عدد آخر من العاملين يشاهدونهم. وتعد الصفوف من الأمور التي تظهر أفضل ما في البلاد وكذلك أسوأ ما فيها. من تلك الأمور الاستسلام والملل، لكن هناك أيضا أمورا أخرى تلفت الانتباه مثل الاهتمام بالضعيف والمحتاج، فدائما ما يتم السماح للسيدات الحوامل، والعجائز بالوقوف في مقدمة الصفوف. ويكون جزاء الذين يحاولون تجاوز أدوارهم تعبيرات تجهم جماعية. وكما يفعل الكوبيون في كل مكان، يقضون الوقت في النميمة، وإلقاء النكات، والدعابة، والشكوى. ويقف الكوبيون بشكل منظم، حتى أنه بات هناك ثقافة للانتظار في الصفوف. وكما فعل ماريو، على آخر شخص يصل أن يسأل بصوت عال: «من آخر شخص يقف في الصف؟» للتأكد من النقطة التي ينبغي عليه الوقوف بها. ويسأل بعد ذلك: «من يقف أمامك؟» بحيث إذا خرج ذلك الشخص من الصف للتجول ولم يعد، لا ينهار الصف. كذلك قبل حجز مكان في الصف، على ذلك الشخص انتظار وصول شخص آخر ليسأله: «من آخر شخص يقف في الصف؟» قبل أن يكون له حرية الخروج والتجول.

بطبيعة الحال هذا النظام معرض لبعض الإخفاقات، لكنه يسمح للمنتظرين باستغلال وقتهم بطرق أخرى، مثل الانتظار في مكان آخر أكثر راحة، الظل على سبيل المثال، أو إنجاز مهام أخرى، أو ربما الانتظار في صفوف أخرى. وإذا خسر المرء دوره في الصف، يعرف الآخرون كيف يبقون على النظام. ويمكن تحقيق ذلك بالحصول على بطاقات مرقمة مثل ثلاجات بيع الجبن أو اللحوم الموجودة في الولايات المتحدة. مع ذلك لا يتوافر هذا في كوبا، مثل بطاقات الائتمان، التي لا تقدمها المصارف المملوكة للدولة.

وصل رجل يرتدي زي عمل يعلوه الغبار ويصطحب معه صبيا. وكان يبدو أنه على عجلة من أمره. وعند وصوله إلى الثلاجة، توجه إلى المنتظرين في الصف مخاطبا إياهم وقال: «أعذروني أيها الرفاق، أنا بحاجة إلى شراء قطعة جبن صغيرة الآن. أنا آسف». وعند رؤية الطفل، وحال الرجل، قال له ماريو والآخرون إنه يستطيع فعل ذلك وإنهم لا يمانعون. ودفع الرجل 3 دولارات من أجل شراء قالب جبن جودة أبيض صغير، وهو نوع ندر وجوده في المتاجر التي تديرها الحكومة مؤخرًا.

وقال ماريو: إنه «ليس نوع جبن جيد، حيث يصبح طعمه مثل البلاستيك بعد مرور خمسة أيام على وجوده في الثلاجة».

ووصلت زوجة ماريو وابنته وانضمت إلى الصف. وتحرك الصف قليلا، ودفع الرجل الذي طلب شرائح اللحم المقدد حسابه. وفي تلك اللحظة وصل وقت انتظارنا إلى 15 دقيقة. وتغيرت دفة الحديث إلى موضوع آخر هو أنواع الصفوف الأخرى، وأي منها هو الأطول في هافانا هذه الأيام. ويتم بيع كل شيء تقريبا بسعر ثابت أو مدعم مثل البطاطس وتذاكر الطيران والخس العضوي.

وكان هناك صفوف انتظار طويلة بشكل خاص مؤخرًا أمام سفارة الإكوادور، وهي دولة لا يحتاج السفر إليها الكثير من المتطلبات بالنسبة للكوبيين الراغبين في الهجرة، أو ربما لشراء بعض الأشياء التي يمكن بيعها في السوق السوداء بكوبا. مع ذلك عادة ما تكون الصفوف، التي توجد أمام القنصلية الأميركية، والتي ينتظر بها المئات يوميًا، هي الأطول. وأشهر صف في المدينة هو ذلك الذي يوجد أمام متنزه كوبيليا للآيس كريم رغم توافر نكهة أو نكهتين فقط. وبعد الوقوف لما يزيد على الساعة، يطلب أكثر الكوبيين «سلاطة الآيس كريم» المكونة من خمس ملاعق مقابل 20 سنتا. بعد نحو 20 دقيقة من الانتظار، يحصل الجميع على الجبن الجودة، ويتوجه نحو صفوف أخرى في المتجر. وقال ماريو: «يمكنك زيارتي في أي وقت»، مشيرا إلى أنه يقيم في منطقة ريفية على أطراف المدينة. وسألني: «هل تحب اللحم المقدد في الفرن؟».





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً