العدد 6 - الأربعاء 11 سبتمبر 2002م الموافق 04 رجب 1423هـ

ناجي العلي... الضمير الباقي

اختار له القدر أن يولد على ارض فلسطين كأي طفل شغوف بالحياة والحرية والحلم، وكان قدره أن يقّتلع من أرضه ليكبر في صحراء غربته كالنبتة البرية فيسكن الوطن في قلبه الحزين ويجترع مرارة الألم كل صباح وهو يصيغ بخطوطه الرشيقة فكرة تفجر أسئلة الشك بواقع مخادع ومراوغ.

منذ البدء، اختار أن ينحاز بشدة إلى البسطاء، أولئك الذين تحرك خطواتهم حسهم الإنساني والفطري بكل صدق وتلقائية وسط تناقضات واقع مهين مفروض قسرا «يمعن في الإذلال». اختار أن يكون في أعماله كالشفرة الفاصلة بين الأبيض والأسود لا ينساق لأنصاف الحلول ويعتبر البوح بنصف الحقيقة رياء لا يحتمله أي كائن لائق يحترم إنسانيته. وأمام ذلك كان عليه أن يتصدى للنفاق السياسي ومروجيه من خلال أدواته الفنية البسيطة.

كثيرون كانوا يرون أن حصر الأبيض والأسود مسألة فيها تطرف وربما تقبل التصرف عندما تقتضي الحاجة!!، إلا أن ناجي كان واضحا في تشخيص تلك المساحة الرمادية التي يحاربها بين عتمة الظلال وضياء الغسق، مساحة تتسع باستمرار في مجتمعاتنا العربية الخاملة كالمستنقع لتبتلع كثيرين سواء كانوا ضحايا أو تائهين يغرقون في الوحل الرمادي فلا يبصرون.

ناجي لم تسجنه جغرافية الحدود فالتاريخ كفيل بتقديمه بامتياز كفنان عربي مبدع استطاع أن يلمس قلوب البسطاء بخفة الفراشة ويصفع بعنف وجوه القبح السياسي والتخلف الفكري كل يوم عندما يخترق نقاط التفتيش والجمارك المزروعة في العقول والمكاتب ليضعنا وجها لوجه أمام المشهد السياسي دون رتوش.

كان يصوغ أعماله بجنائزية مرهفة وبأبسط الشخوص وأكثرها حضورا في حياتنا العامة وهم افراد العائلة الفلسطينية - العربية البسيطة. أعمال لم يأسرها الروتين اليومي وإنما كانت أعمالا مفعمة بروح التحدي والرفض والمقاومة لكل أشكال التخلف والغبن، او لنقل مفعمة بروح تطمع بتواضع من أجل حياة اكثر إنصافا وعدالة.

ما بهرني في أعمال ناجي منذ البداية هو كبرياء رسومه الحزينة عندما يضع أمامنا بصدق أفكاره البسيطة والعميقة والعنيفة ايضا والأهم أنها مدهشة، ذلك الشرط الأساسي لأي عمل فني، هذا على رغم من أن ناجي لم يعر الجانب الفني الاهتمام في أعماله كما كان يقول في لقاءاته الصحافية. إن أعماله الحزينة على رغم ما تظهره من مرارة فإنها لم تكن يائسة وإنما محرضة وخطيرة وفي كثير من الحالات كانت كقصائد شعرية ذات مخزون فكري وبصري تجاوز السائد المألوف.

استوعب ناجي الدرس مبكرا بعجز المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية عن الفعل، لذلك لم يعول عليها كثيرا بقدر ما اتجه لنقدها بجدية ودون هوادة يقينا بأن في ذلك يكمن الخطر الأكبر. وكان يعي بأنه كلما بالغت الفرق السياسية والحزبية في التكاثر والتفريخ ازدادت إحباطات البسطاء في الأمل والمستقبل فكان لابد من مواجهة هذا الإفراط بشيء من السخرية الجادة.

وفي خضم التناقضات والانفعالات والصراخ والعويل كان أعداء ناجي يتزايدون بقدر ما كانوا يرتبكون إزاء الحقيقة التي يصفعهم بها ناجي كل يوم دون مجاملات أو تهاون. ظل ناجي منشغلا يبحث عن البعد الإنساني في الحوادث اليومية وهو شرط الحياة الأول ليولج بعيدا خلف الحوادث وخلف غبار اللحظة الأخبارية وهو شرط لم يكن من السهل التعامل معه في الكاريكاتير السياسي اليومي النازف.

تألق في اقتناص كاريكاتير الفكرة ليفسح المجال للقارئ للمشاركة الإيجابية وإعادة صوغ الحدث السياسي بعيدا عن اللافتات والدعايات الفاسدة وكان ذلك شيئا لا يحتمل للملوثين بالعفن والمتنفذين في الأرض. لم تكن معركة متكافئة، فكما اختار هو الحياة والحرية اختار أعداؤه الموت والقتل، فكان هدفهم في صبيحة 22/7/1987 لينفردوا به وحيدا في مواجهة مع رصاصة الخوف أملا في أن يموت... او هكذا كانوا يعتقدون!

العدد 6 - الأربعاء 11 سبتمبر 2002م الموافق 04 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً