العدد 6 - الأربعاء 11 سبتمبر 2002م الموافق 04 رجب 1423هـ

نحو حداثة إسلامية أصيلة

تذهب دراسة المفكر الفرنسي روجيه جارودي الموسومة بـ «الإسلام والحداثة» في اتجاهين. الأول منهما يعري خلاله الكاتب مفهوم الديمقراطية في صورتها الغربية عبرامتدادها الزمني، بدلائل ووقائع تؤكد الطابع الشعاراتي، والخلل النسقي التطبيقي. والثاني دعوة إلى ضرورة العودة إلى مظان الإسلام الأولى التي ملأت الدنيا حبا وشيدت حضارة عظيمة ذات أبعاد إنسانية خلاقة.

الحداثة، الديمقراطية، اقتصاد السوق أو ما يسميه جارودي بالاقتصاد الأحادي هي من سمات المجتمعات الغربية، وهي البانية لفرادته، والمؤكدة لخصوصيته، وجارودي كاتب معروف بدعوته المستمرة إلى إيجاد مجتمع متماسك، غير مقسم تلك القسمة الفاحشة ما بين فقير معّوز، ومالك ثري، كما أنه دائم الدعوة إلى إحياء الطابع الروحي الذي هرسته الآلة وسط زحمة «الرساميل» التي أصبحت بحد ذاتها سلعة.

ويؤكد الكاتب في تفصيل نقده للحداثة الغربية بما في ذلك التطبيقات الباهتة التي تمت خارج الأفق الجغرافي للغرب، أنها مرت بمراحل مختلفة، لكن قواسم مشتركة وسمت هذه المراحل، من بينها تحييد فكرة الإله والارتفاع بالإنسان إلى درجة الألوهية كما هو الحال عند (أندريه) مارلو الذي رأى في الانسان إلها يسود جميع العناصر، كما وجه نقدا لاذعا لمفهومات الديمقراطية وحقوق الإنسان والدفاع عن الحريات، مشيرا إلى أن هذه القيم كُرست بالكامل لخدمة مصلحة فئة معينة، وباتت طبقية لم ينتفع من مميزاتها إلا أصحاب النفوذ والسطوة من رجالات السلطة ورجال المال والأعمال. وأن أبرز النماذج التي توضع كحالات مثالية يجب الاحتذاء بها وتعميمها كما هو الحال في تجربة أثينا التي هي في الواقع تجربة هيمنة وعبودية بامتياز، مارسها قلة على أكثرية حرمت من جميع الحقوق.

ويضيف الكاتب في معرض نقده للديمقراطية وسلسلة المفاهيم والقيم التي تتفرع منها أنها أغفلت الجوانب الروحية، وبقيت في منأى عن الإيمان بالغاية النهائية للوجود، لذلك كانت الهوة الهائلة بين من يملك ومن لا يملك، وجاء في هذا السياق الاقتصاد الاحادي ويليه صندوق النقد الدولي ليكملا سلسة العبث بالقيم الروحية، وليفرضا الهيمنة الأميركية التي خلقت هذا المفهوم - ومن ثم الواقع - لتفرضه من ثم كأنموذج أوحد يرسخ قيم الفردية، ويسرع في تدمير التماسك، ليتحول الإنسان في علاقته بأخيه الإنسان الى ذئب متوحش لا هم له إلا الانقضاض والفتك بأخيه.

لقد أثبت النموذج الحداثي الغربي - يضيف جارودي - في أيديولوجية الرأسمالية الفظة التي هي عقيدته أنه نموذج يتخبط في إطار ضيق جدا وأنه مرتبط بكل الانهيارات التي حصلت للإنسان الغربي وغير الغربي ممن تسعى أنظمته الحاكمة إلى محاكاة هذا النموذج المادي، الذي حول كل شيء إلى سلعة بما فيها المال نفسه.

وينتقل بعد ذلك الكاتب إلى التأكيد على أن هذا الإفلاس الغربي الذي دمر كل القيم الجميلة سواء كانت اجتماعية أم ثقافية أم أخلاقية هو خير حافز إلى إعادة العمل على تكريس القيم العليا المثلى التي أدت إلى انتشار الإسلام في مختلف الأصقاع، وقد حددها الكاتب في ثلاث هي: اليقظة الدينية، الثورات الاجتماعية، التحولات الثقافية.

وتمثلت اليقظة الدينية في التسليم الإرادي للإله الواحد، والثورة الاجتماعية تحددت في العدل والمساواة، والتحول الثقافي من خلال العمل على استلهام كل ما يستجيب لمتطلبات العصر، وهذه العوامل الثلاثة هي التي ستؤسس مع العمل الجاد حداثة خاصة أصيلة غير تلك الغربية الملوثة بدماء الملايين من البشر، وبتجار الأسلحة والمخدرات والمال. حداثة تستثمر العلوم والتقنية الحديثة، وحداثة تتخلص من الدعوات الفردية والقومية الضيقة

العدد 6 - الأربعاء 11 سبتمبر 2002م الموافق 04 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً