تخرج كابول بعد أربعة وعشرين عاما من الحروب، على الأقل ظلت إحدى ناطحات السحاب واقفة مكانها، وهي مبنى الاتصالات المكون من ثمانية عشر طابقا. هذا ما قاله رئيس تحرير صحيفة «كابول تايمز» بكل فخر وهو يتحدث إلى مجموعة من الصحافيين الزائرين. ولم يكن يحمل معه بطاقة تعارف كما انه من المستحيل الاتصال به من الخارج حيث ان خطوط الاتصال الدولية معطّلة، والبريد الالكتروني ما هو الا حلم بعيد المنال.
ويطل عليك البطل القومي أحمد شاه مسعود، بابتسامة واثقة والفخر البعيد عن التكبر، من كل زاوية تقريبا بالطريق. فقد اطلق اسم مسعود العظيم على الشارع اسوة بالقائد الطاجيكي وقائد تحالف الشمال الذي اغتيل في سبتمبر/ ايلول الماضي.
وقد تحطمت طائرة مقاتلة من طراز ميج الروسية التابعة لسلاح الجو الافغاني إثر حادث تعرضت له الشهر الماضي اثناء احتفالات البلاد بالذكرى العاشرة لتحرير كابول من ايدي الغزاة الروس. ولقد اصبح الاحتلال الروسي مجرد ذكرى، ولكن لا تزال بصمات الطالبان واضحة على المدينة. فأشرطة الكاسيت المحطمة لا تزال عالقة بين الاسلاك الشائكة المحيطة بمبنى وزارة الأمر المعروف والنهي عن المنكر الشهيرة، والكائن بضاحية كولدا بيشتا. كما ان البيوت التي كان يقطنها أعضاء القاعدة تتوارى خلف جدران عالية وبوابات موصدة.
ولا تزال العاصمة الافغانية بلا نظام قضائي. والعديد من وزراء الحكومة الافغانية المؤقتة لا يملكون بيوتا في كابول، لذلك فهم يقيمون في فندق الانتركونتيننتال. وللمرة الأولى في تاريخ البلاد المضطرب توجد وزارة لشئون المرأة. وقد بدأت النساء في الخروج بلا مرافق، لكن القليلات تركن لبس العباءة الافغانية «بوركا» البرقع .
ويظهر وزير الري والماء اهتماما خاصا بالضيوف في الانتركونتيننتال ويوجه لهم دعوات شخصية لزيارته في مكتبه. ولكن لا يتقبل كل الضيوف النواقص الموجودة في كابول برضا، فأحدهم قال متذمرا: «ربما من الأجدر بالوزير التأكد من وجود الماء الساخن في الفندق بدلا من الدعوات.
هناك طوائف مختلفة في الجماعات الاثني والعشرين في أفغانستان المبعدون العائدون إلى أرض الوطن، والجنود الاجانب من قوات الامن الدولية، اعضاء الميلشيات من الهزارا، والمهجرون داخل الوطن بانتظار العودة إلى بيوتهم وموظفو مؤسسات (الاغاثة) إضافة إلى مقاتلين سابقين من الطالبان تنقصهم اللحى. والحياة كمقاتل في منطقة حروب هي الحياة الوحيدة التي لم يعرف سواها آلاف الافغان لذا فإن الاندماج في الحياة المدنية لن يكون أمرا سهلا ابدا.
وقد تشكلت الحكومة الافغانية المؤقتة في بون في ديسمبر/ كانون الاول الماضي. وكما يقول وزير الاعلام والثقافة الافغاني، مهضوم رحيم: «الوزراء يعملون بجد وجيوبهم خالية». وقد عاد رحيم إلى افغانستان بعد سنوات من المنفى قضاها في أميركا حيث اسس «منظمة السلام والديمقراطية في أفغانستان». العديد من وزراء الحكومة الافغانية المؤقتة كانوا مناضلين سابقين من اجل الحرية تصدوا للغزاة السوفيت ونظام الطالبان، وقد غادروا البلاد ثم عادوا اليها وهم يحملون الامل ويدعون الله ان يهيء اجتماع اللويا جيرغا (مجلس القبائل الافغانية) المنعقد ما بين 10 إلى 16 يونيو الطريق إلى سلطة انتقالية تنبثق (تتشكل) في 22 يونيو. وتقتضي الخطة وضع دستور وانتخاب حكومة جديدة خلال ثمانية عشر شهرا.
واللويا جيرغا مؤسسة تقليدية معّدلة لتتماشى مع متطلبات الوقت الحاضر. الاسم خليط من كلمتين مشتقتين من احدى اللغات المحلية الأفغانية «البشتون». فكلمة «لويا» تعني كبيرا، «جيرغا» تعني مجلسا او تجمعا او اجتماعا.
قد ظهرت هذه الفكرة من مؤسسة «جيرغا» والتي هي عبارة عن مجلس لكبار رجالات القبائل الافغانية، وبالاخص البشتون لحل الخلافات ومعالجة مشاكل الحياة اليومية.
وقد اختار اللويا جيرغا المنعقد في عام 1747 في مدينة قندهار الجنوبية القائد القبلي المسن احمد شاه دوراني حاكما ومؤسسا للامبراطورية الافغانية، مما اسس افغانستان التي نعرفها اليوم. اما مجلسا اللويا - جيرغا في عامي 1915و1941 فهما اللذان اتخذا القرار الحاسم بالبقاء على الحياد اثناء الحربين العالميتين بينما قام اللويا جيرغا في عامي 1924 و 1964 باجراء التعديلات الدستورية.
اما بالنسبة إلى مهمة مبعوث الامين العام لهيئة الامم المتحدة، الاخضر الابراهيمي كانت العمل على تجميع اعضاء اللويا جيرغا البالغ عددهم 1500 في كابول والتأكد من تقبل الناس لعملية الاختيار. فهو يأمل بان يتم اختيار رئيس الدولة و شغل جميع المناصب الحكومية المهمة. وسيقوم ثلاثون مراقبا من اعضاء الجمعيات الاهلية والوكالات التابعة للامم المتحدة بالعمل على رفع الروح المعنوية لدى الافغان. (لكن لم يتم بعد التوصل إلى شكليات المؤسسة والأمر لا يتعدى كونه ابحارا في الرؤية).
يؤكد الابراهيمي «ان الناس فقراء جدا، لقد كانوا رهائن الحروب التي نشبت على اراضيهم لاسباب وقضايا لم تكن لها أدنى علاقة بأفغانستان. انهم في أمس الحاجة إلى السلام. ولكن اذا وجد من يعتقد بأن اللويا جيرغا ستنشئ دولة مثل سويسرا (فانه يعيش في الوهم) فالافضل له ان يذهب إلى مكان آخر. انها عملية طويلة الامد. فالطالبان كانوا فئة تنتمي للطبقة الدنيا لكنها وصلت إلى قمة الهرم. والآن لم يعودوا في القمة لذا فالهرم بحاجة إلى استعادة توازنه».
في الماضي كان للجنود تأثير في السلطة السياسية. واستطاعت الانظمة السابقة البقاء في الحكم عن طريق قتل المعارضين وفكرة المشاركة في السلطة بحاجة إلى الكثير من الوقت للتعود عليها. كان الولاء سلعة يمكن شراؤها. وباستطاعة الحكومة الافغانية الانتقالية الدخول في صفقات تجارية مع قادة الحرب امثال الجنرال الاوزبكي دوستم الذي شكل ما يشبه مملكة ذات حكم ذاتي في الشمال، وصرح قائلا: «انني لا أريد القتال»، ولكن الامر قابل للتفاوض.
ويشغل دوستم الآن منصب نائب وزير الدفاع. أما قلب الدين حكمتيار والذي قام الطالبان باستيعاب حزبه المعروف بالحزب الاسلامي فهو خارج اللعبة، اذ يشتبه في ان قواته هي المسئولة عن القصف الاخير لمطار كابول وهو يصر على تخريب سير اللويا جيرغا.
ويعتقد بعض الافغان ان بقاء واستمرار الحكومة الافغانية المؤقتة يعتمد على وجود قوات حفظ السلام الاجنبية. يقول سوهراف البالغ من العمر 18 عاما، وهو الذي هرب إلى كويتا في باكستان بعد سقوط قريته في قبضة الطالبان وعاد إليها بعد وصول القوات الدولية: «اذا غادر الجنود سيعود الاشرار ويتقاتلون من جديد».
- يقول عزيز الله وهو طالب طب: «لدينا الآن اول وآخر فرصة للسلام».
هو يدرك تماما حقيقة ان قوات حفظ الأمن الدولية موجودة في العاصمة فقط، والأمر يعود إلى الشعب للحرص على عدم عودة اجزاء البلاد إلى حالة الحرب والفوضى مرة اخرى.
يقوم الاميركيون بتدريب الجنود الافغان من جميع الفئات العرقية على أمل ان يخلّفوا وراءهم جيشا وطنيا قويا قوامه 60 ألف جندي. اما جنود قوات حفظ الامن الدولية فهم يقدمون خدمات اجتماعية في النهار كاصلاح الطرق وتوصيل الغذاء إلى دار الايتام المحلية، بينما يقومون بدور الشرطة في الليل. والافغان لاتنقصهم القدرة على ابداء الآراء، فهم لا يترددون في التعبير عنها لدى قوات حفظ الامن. وعندما طلب منهم ملء استمارة استطلاع للرأي رد عدد منهم برسائل من أربع صفحات.
ان المرور بما كان أحد أرقى احياء كابول يشبه المرور بمقبرة من الفلل فبعدما دمّره الروس قامت جماعات المجاهدين المتنافسة بتدمير معظم اجزاء المدينة وحولتها إلى انقاض إثر المعارك المتواصلة للسيطرة على العاصمة.
يقول النحات أمان الله حيدر زاد وهو يحتسي قهوته في فندق انتركونتيننتال كابول ينظر إلى الخارج من خلال زجاج نافذة اخترقته طلقات الرصاص: «لقد حّل الكثير من الدمار في الاربع والعشرين سنة الماضية، لكنك اليوم ترى الابتسامات تعلو وجوه الناس. البلاد تم تدميرها، ولكن روح الشعب لا يمكن ان تدّمر».
لقد شوه طالبان تمثال البوذا في باميان تشويها كاملا، لكن حيدر زاد يرفض الاعتراف بالهزيمة، لذا فانه سيقوم باعادة بناء تمثال بوذا العملاق الذي يعود تاريخه إلى ألف سنة، في جبال باميان، والذي دمر اثناء حكم الطالبان الارهابي الذي انتهى العام الماضي.
عانى متحف كابول الوطني من المصير نفسه، الذي يضم تاريخ آلاف السنين والآثار، بدءا من عصر سكان الكهوف والاعمال الفنية التي تعكس التأثيرات الاغريقية والهندوسية والبوذية والاسلامية على البلاد، لكن وزير الثقافة مقتنع بان المتحف سيعود «واحدا من أفضل المتاحف في العالم».
وتذهب صابرة رحماني إلى عملها كل يوم في جاليري افغانستان الوطني. وهي فخورة بتاريخ وثقافة بلادها وتتطلع لاصدار كاتالوج يحتوي على الاعمال المعروضة في الجاليري. يبدو انه لا يهم فيما اذا لم تستطع شراء الفواكه المرسومة على لوحة بالالوان المائية، على الرغم من ان تلك الفواكه متوافرة في السوق المحلي «شارع الدجاج» الذي كان احد الشوارع المفضلة للهيبيز والخنافس في اوج موسم السفر خلال الستينات والسبعينات يعكس ظلا لما كان عليه في السابق. ولا يزال عدد السياح قليلا جدا، وترد تقارير عن اطفال يدفع لهم المال ليقوموا بغرز ابر في اجسام الاجانب المشكوك فيهم، مما يزيد من حدة الخوف بين الاجانب . لكن على الاقل بدأت شركتان بريطانيتان للسفر والسياحة في التفكير بترتيب رحلات إلى افغانستان.
وفي ذلك الشارع يوجد الكثير من السجاد بمختلف الاشكال والأحجام. ومجموعة متنوعة من معاطف جلد الارانب والثعالب إضافة إلى لفافات وفساتين ملونة جميعها بانتظار من يشتريها.
ولقد تحولت افغانستان بين ليلة وضحاها من دولة منبوذة دوليا إلى عضو في المجتمع الدولي. ويتوقع الافغان من هذا المجتمع ان يقف إلى جانبهم الان. ويؤكد القائم بالاعمال في السفارة البريطانية، دومينيك جيرمي، قائلا: «هناك شعور سائد بان الافغان حاربوا الشيوعية من اجل المجتمع الدولي لكنه تخلى عنهم، لذا فان الوضع لا يتحمل تخلي المجتمع الدولي عن افغانستان هذه المرة».
وستكون مهمة إعادة اعمار افغانستان شاقة جدا حيث ان الخدمات غير متوافرة، والاقتصاد يشهد انهيارا تاما، بينما البنية التحتية بالية تماما.
لكن الحصول على تبرعات ليست هي المشكلة اذ تم تخصيص اكثر من 4,5 بليون دولار اميركي للسنوات الخمس المقبلة، وذلك اثناء انعقاد المؤتمر الدولي حول مساعدات إعادة الاعمار في اليابان في يناير/ كانون الثاني وحضره ممثلون من 61 دولة و 21 منظمة. وكل من له شأن بالعمل في مجال المساعدات الدولية بدا موجودا في كابول. ومنذ نوفمبر/ تشرين الماضي وصل مجموع المساعدات البريطانية إلى 60 مليون جنيه استرليني.
كما ان السفارة اعادت فتح مقرها في كابول في اليوم نفسه الذي افتتحت فيه دائرة التنمية الدولية مكتبها في العاصمة الافغانية. وتتركز المساعدات على مشاريع ذات نتائج فورية وملموسة لسكان العاصمة كالصحة والتعليم واصلاح الطرق.
ويسهم مشروع منظمة (كير الدولية) لتوزيع المياه في توصيل الماء إلى 38 ألف بيت (اي اكثر من 250 ألف شخص) في كابول. ويوزع الغذاء على 60 ألفا من الارامل والاطفال والمدارس التي توفر فرص التعليم إلى 13 ألفا من الاولاد والبنات على اقل تقدير في ثلاث محافظات مختلفة. ويوفّر المركز الافغاني للاعلام والثقافة (آينا) الذي اسسه المصور الايراني المعروف عالميا، (كلمة آينا تعني مرآة: والمرآة تعكس البداية الجديدة). رضا ديغاتي، الذي كان مسئولا عن تطبيق برنامج الامم المتحدة الانمائي في شمال افغانستان في 1990، يوفر المساعدة المالية والارشادية للعديد من المطبوعات المستقلة مثل «كابول ويكلي» واول مجلة نسائية افغانية «مالالاي»، والمطبوعة الفصلية «أمة» وهي مجلة من 300 صفحة متخصصة في نشر الابحاث والصحافة الحرة تتقدم إلى درجة ان الصحافيين الطاجيك ينشرون عن حوادث القتل التي تعرض لها البشتون على ايدي الطاجيك لدوافع سياسية
العدد 10 - الأحد 15 سبتمبر 2002م الموافق 08 رجب 1423هـ