العدد 10 - الأحد 15 سبتمبر 2002م الموافق 08 رجب 1423هـ

هل الحرب حقيقة تحرِّر الشعوب؟

بدأت الآن حملة طوني بلير لكسب الرأي العام البريطاني لتأييد الحرب تدخل مرحلة القلق. يعلم بلير ان عليه اقناعنا من خلال جبهتين، الأولى: ان يقنعنا بأن صدام يمثل تهديدا مباشرا لأمننا. الثانية: ان الحرب ضد العراق ستجلب المنافع للشعب العراقي وللمنطقة برمتها.

هذه هي الطريقة التي تمّ بها تسويق الحرب في أفغانستان أيضا، فهي ليست فقط حربا لحماية أمننا ولكنها حرب لمساعدة الشعب الأفغاني. ومن ثم يتّهم من يقف ضد الحرب بأنه يرغب في إبقاء الشعب الأفغاني تحت حكم طالبان، وبالمثل اتهام من الذين يقفون ضد الحرب الآن بأنهم يريدون بقاء الشعب العراقي تحت هيمنة حكم ديكتاتوري.

وبسبب تركيز حجج الحرب على القضايا الإنسانية، فهناك نوع من الكبت للحمائم.

في الواقع هناك منشقون عراقيون يعتقدون بإخلاص ان الحرب ستؤدي إلى مستقبل أفضل للعراقيين والأكراد. ولكن هناك منشقون عراقيون كُثر لا يعتقدون ذلك.

ويجب ان نستمع لهم أيضا قبل ان نحكم بأن الحرب في مصلحة الشعب العراقي.

تحدثتُ أخيرا إلى عراقيين يقيمون في المنفى من أجل محاولة فهم أكثر لرأي الطيف العربي، من بينهم سيدة عراقية زارت العراق أكثر من مرة خلال السنتين الماضيتين، تحدثت بدورها إلى أسرتها ومعارفها وكوّنت بعض الأفكار عن مدى أمل العراقيين في الحرب المتوقعة.

تقول السيدة العراقية: «أستطيع ان أقول لكم بصراحة، إن محاولة تحرير الشعب العراقي من خلال الحرب أمر ليس صحيحا. الشعب العراقي منهك بسب الحرب والعقوبات. طبعا يريد ان يتغير النظام، ولكن الحرب أبغض شيء لديه.

يقول الشعب العراقي انه تأقلم الآن مع الوضع ولكنه لا يستطيع التأقلم مع الحرب. نتحدث عن ارهاب الحرب. لا ينسى الشعب تجربة العام 1991. مازال دمار القذائف موجودا في البلاد، ومازال رعبها في قلوب وأذهان الناس. سألوني مرارا ومرارا لماذا يتدخلون مرة أخرى في شئوننا؟ أليس الحصار والقصف كافيين؟ حتى الناس الذين هم ضد صدام قالو: كفى.

وبعد ظهور مصلحة محدودة بعد آثار هجمات سبتمبر/ أيلول، هناك الآن مساحة صغيرة في وسائل الإعلام الغربية إلى نشر وجهات النظر العربية. هذا يعني من السهل التحدث عن تغيير النظام من دون التفكير في الأرواح التي ستفقد في المباني المحترقة والأسر الحزينة والأرامل والأيتام: معاناة من هذا النوع إذا حدثت في مانهاتن ستكون مؤلمة حقيقة لنا. ولكن من البديهي ان العراقيين الذين تحدثت إليهم لا يكفّون عن الحديث عن مخاوفهم من موت الأبرياء وأسرهم وأصدقائهم. من يقرر ان كان هذا هو الثمن الواجب دفعه للتخلص من صدام؟

إذا كان العراقيون الذين تحدثت إليهم يشعرون ان ذلك ليس ثمنا مستحقا دفعه، لأنهم يرون ان لا أحد يستطيع التنبؤ بمستقبل العراق بعد الحرب. بالتأكيد، أحس كثير من العراقيين بانهم خدعوا عندما قررت الولايات المتحدة عدم الإطاحة بصدام في حرب الخليج الثانية على رغم الوعود الكبيرة. ولكن لا يعني ذلك بالضرورة انهم يرون ان طريق التقدم هو شنّ حرب جديدة على مواطنيهم.

أخبرني أحد العراقيين المعارضين أُجبر على مغادرة العراق: «ستخطىء الولايات المتحدة إذا اعتقدت انها ستجد ترحيبا في العراق (بعد الحرب)».

وأضاف: «يشعر شعب العراق انه أُسيئت معاملته بوحشية من جانب الولايات المتحدة وتمّ اهماله من قبل أوروبا». والولايات المتحدة تتحدث الآن عن الترويج للديمقراطية في العراق، ولكن تاريخها الداعم للأنظمة المستبدة في العالم - بما في ذلك صدام حسين في الماضي القريب - يجعل الحديث عن الديمقراطية تافها. التوجه الحالي إلى معسكر ما بعد الحرب هو ان الغرب الآن أدرك خطأ سياساته ويريد تصدير الديمقراطية. تتخذ أفغانستان مثلا بواسطة كُتّاب ما بعد الحرب على انها قصة النجاح العظيمة، ولكن مازال الوضع في العراق لا يمكن التنبؤ به، وإذا ما ذهبت إلى أفغانستان ستسمع حديثا مريرا جدا من قبل المواطنين العاديين عن استعداد الأميركيين للقيام بصفقات تجارية مع أمراء الحرب السابقين.

العراقيون الذين تحدثت إليهم غير مقتنعين بفكرة ان الحرب ستفتح طريقا إلى الديمقراطية. ويعتقدون ان النتيجة ستكون نظام «ألعوبة» بيد الأميركيين، بالإضافة إلى التخوف من تقسيم العراق، وتجزئته في حرب أهلية مهلكة. أخبرني منذر أدهمي، وهو عراقي وقع بيانا مناهضا للحرب نشر مؤخرا: «أعتقد ان الولايات المتحدة تستخف بإمكانية تقسيم العراق نتيجة حرب من هذا النوع. ربما ينتج عن الحرب وضع مضطرب، يمكن فيه استخدام أية أسلحة قذرة موجودة في المنطقة». وبدلا عن ذلك يتحدث الناس عن رغبتهم في ان يروا الترويج للديمقراطية بوسائل أخرى ذكروا منها رفع الحظر، الترويج للسلام في المنطقة بما في ذلك فلسطين، فتح قنوات الاتصال مع مواطنين عراقيين عاديين وتشجيع حركات المعارضة داخل العراق.

إذا لم يعتقد العراقيون العاديون بأن الحرب هي الطريق المثلى لتحررهم من النظام فعلينا ان ننصت لهم. بعد ذلك، لا ينفصل المبرران الآخران للحرب وهما حماية (مصالح) الغرب وجلب المنافع للشرق الأوسط، فهما متصلان.

العراقيون المتحررون الذين تحدثت إليهم يشككون في فائدة الحرب للعراق، وإذا كانوا على صواب فسنبقى غير آمنين حتى لو تمت الإطاحة بصدام.

وعلى رغم ان بوش وبلير يمثلان خطرا عظيما على أمننا كما صدام في الواقع، وإذا كنا قد تعلمنا شيئا من الارهاب غير المتوقع للحادي عشر من سبتمبر، فهو ان التهديد الوشيك الذي يواجهنا الآن لا يأتي من دول.

ويأتي التهديد الأكبر للغرب الآن من أقليات صغيرة في المجتمعات التي تم سحقها وتشرذمها، ولذلك إذا كان العراقيون يشعرون بأن الحرب ستؤدي إلى المزيد من الأذى لمجتمعهم المدمر أصلا، فيجب علينا ان نستمع لهم.

أخبرني أحد العراقيين يعمل أكاديميا حديثا في بريطانيا: «انه ربما يكون من الغريب استنتاج انه بطريقة ما أميركا هي التي طلبت الحادي عشر من سبتمبر، ولكن إذا كانت هناك حرب مع العراق، فإنها ربما تطلب المزيد من الارهاب»

العدد 10 - الأحد 15 سبتمبر 2002م الموافق 08 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً