العدد 13 - الأربعاء 18 سبتمبر 2002م الموافق 11 رجب 1423هـ

الحلقة المفقودة

الفلسفة الاسلامية الحديثة والمعاصرة

في الترسيمة الرسمية للفلسفة يصنف المؤرخون حلقات الفلسفة الاسلامية في دائرة الفلسفة الوسيطة، ويذهب كثيرون إلى إعتبار فلسفة الدين فلسفة وسيطية بصرف النظر عن حقبتها التاريخية، باعتبار ان الاسئلة التي تطرحها والمشكلات التي تعالجها انها تعود إلى المشكلات الكبرى في الفلسفة القديمة والوسيطة حيث ما قيل فيها قد قيل مرة واحدة. وكل اجوبة لاحقة على هذه الاسئلة انما هي اجوبة تؤسس على اصل قديم أو تبحث عن حقيقة متحصلة، ولا يهم سواء كانت هذه الحقيقة متحصلة في كتاب مقدس، كما هو الحال عند فلاسفة أهل الكتاب، أو في كلام تحول بدوره إلى جواهر الكلام واكتسب من علاقته بالنص المقدس، قدسية مستفادة لا تقل هالتها استشراقا عن مصادره.

واذا كانت الفلسفة الحديثة في الغرب الأوروبي، قد اخذت مكانتها من ما يظن انه قطيعة ابستمولوجية مع النص المقدس على تعدده، على رغم ان الوقائع تشير إلى انه حتى الفيلسوف الفرنسي ديكارت الذي ينظر إليه كمؤسس للفلسفة الأوروبية الحديثة، لم يكن النص الديني قد تعرض للنقد، باعتبار ان الشروط التي افترضها ديكارت لقبول «الفكرة» لدى العقل وهي الوضوح والبساطة والبداهة، لم يشترطها حيال النص الديني ومتعلقاته وهو الأمر الذي تنبه إليه الفيلسوف سبينوزا في مؤلفه الشهير «رسالة في اللاهوت والسياسة». وإذا كان المعلم الاول ارسطو، قد تعرض للنقد عند فلاسفة العصر الحديث بدءا من الاورغانون الجديد فرنسيس بيكون حتى مقالة «في الطريقة» لديكارت فإن ارسطو نفسه كان محل نقد مباشر ، وبطريقة غير مباشرة في حلقات الفلسفة الاسلامية من نقد المنطق الارسطي عند الاصوليين والاشراقيين إلى حملة الغزالي في على المعلم الاول في تهافت الفلاسفة.

لقد وجد ارسطو في حلقات الفلسفة الاسلامية من تولى الدفاع عنه، كما هو الحال في موقف ابن رشد. في شروحه الكبرى على فلسفة ارسطو أو في مؤلفه تهافت التهافت وكذلك فعل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصالات، و على رغم مؤثرات الرشدية اللاتينية على فلاسفة العصر الوسيط في الغرب الاوروبي فإن الموقف من الارث اليوناني كان متباينا بين وارث ووارث على قاعدة قول الشاعر الالماني غوته «لكل منا ان يكون يونانيا بإسلوبه الخاص لكن لابد لكل منا ان يكون يونانيا». فإن هذا الارث «للهجرة اليونانية» في الفلسفة كان مندرجا في سياق الفلسفة الغربية، لكنه بقي على اهميته في الفلسفة الاسلامية بعيدا عن اعتباره إرثا أو أصلا بالمعنى الدقيق لهذين المصطلحين كان الفلاسفة المسيحيون في العصر الوسيط ينظرون إلى الارث اليوناني، كفلسفة وثنية، فيها انصف المسلمون فلاسفة اليونان، واعتبروا تراثهم جزءا من الحقيقة المستفادة من مشكلات النبوة، بل ذهبوا إلى الحديث عن افلاطون الإلهي، وعن الشيخ اليوناني افلوطين ودافعوا بقوة عن وحدة الحقيقة الفلسفية كما هو الحال مع ابي نصر الفارابي. في كتابه الجمع بين رأي الحكيمين افلاطون وارسطو، هذا الجمع الذي اتخذ من وحدة الحقيقة الفلسفية مصدرا للتوفيق بين الحكمة والشريعة بإعتبار وحدة المصدر، وان الحق لايضاد الحق بل يشهد له.

لم يمنع القول بوحدة الحقيقة عند بعض فلاسفة المسلمين من توجيه النقد لارسطو، بما فيه منطق المعلم الاول. فوحدة الحقيقة نفسها التي وجدت نفعا عند الكاثوليك وقبول حذر من البروتستانت، وجدت تفسيرا جديدا عند المسلمين يقوم على اعتبار الحقيقة تلك المستفادة من مشكاة ومن حركة الوحي واعتبار العقل والوحي من مصدر إلهي واحد فالتوحيد في هذا الباب يؤدي إلى الوحدة. وعلى صعيد الانتاج المعرفي فلا تباين بين العقل والوحي. ان البحث في مفهوم العقل في الاسلام يؤدي إلى هذه النتيجة الصريحة التي على اساسها تكونت اتجاهات تسعى جاهدة إلى التوفيق بين الحكمة والشريعة في توصيف جديد للحكمة لا يجعل منها ما كان يشترطه اليونانيون في حاجة القول الفلسفي إلى تبرير عقلي. الحكمة ضالة المؤمن، لكنها ليست تلك الحكمة التي لاتستلزم تبريرا عقليا بل جلّ ما تطلبه هو الايمان والطاعة والعمل بهما. انها الحكمة التي يمكن على وجه اليقين تقديم تبرير عقلي لها، تتحول إلى مقصود القول الفلسفي ومعناه...

لا ادري اين تقوم حجية المبرر المنطقي والتاريخي، لاقتصار الترسيمة الرسمية لتاريخ الفلسفة في حلقاتها الاسلامية على اعتبارها من حقبة العصر الوسيط. والقول بعدم وجود فلسفة اسلامية حديثة ومعاصرة، كما هو الحال في مناهج التعليم الأكاديمية في غالبية جامعاتنا العربية، والاسلامية، لاننا اذا ما توخينا التحقيق و التدقيق والانصاف لظهر ان التحقيب التاريخي يشمل بأدواره الكبرى الفلسفة الاسلامية، فتكون لدينا فلسفة اسلامية حديثة، ومعاصرة. ان فلسفة كالحكمة المتعالية لصدرالدين الشيرازي يلزم ادراجها في حقبة الفلسفة الحديثة لانها تنتسب من الناحية التاريخية إلى هذه الحقبة، وكذلك من ناحية الموضوعات التي عالجتها والمشكلات التي ابدعتها، واضافتها إلى المشكلات الفلسفية الكبرى. ان مفهوم صدر الدين الشيرازي لأصالة الوجود والحركة الجوهرية واعتبار النفس مادية النشوء روحانية البقاء، ومباحثه في المعرفة ودفاعه عن العقل الذي قوّم تبريرا كافيا للحكمة الإلهية ثم مفهوم هذ العقل المستفاد من شروحه على «أصول الكافي» للكليني، كل هذه الابداعات الفلسفية تجعل من الشيرازي مؤسسا غير منازع للفلسفة الاسلامية الحديثة، الى جانب ذلك، إذا ما قارنا بين مفهوم «العلم» في الفلسفة الاسلامية عامة، ومفهوم العلم اليوناني نجد أن خاصية العلم الاسلامي هي الأصل والميراث بالنسبة للعلم الحديث. إن نظرية العلم في الاسلام تجعل منه علما إنسانيا، عالميا، لا يختص بحضارة معينة دون غيرها، إلى جانب فصل العلم، واستقلاله عن الفلسفة الأمر الذي لم يكن مقبولا في «العلم اليوناني» إنه مع العلم الاسلامي بدأ العصر الحقيقي للعلوم الحديثة من الناحية الابستمولوجية، وكذلك من الناحية التجريبية والتطبيقية، وإذا كانت القفزات العلمية قد حققت ثورتها العملية في الغرب، لكنها من ناحية اصولها العامة وخصائصها المعرفية، تحققت في «العلم الاسلامي» على وجه الخصوص.

لا شك أن الفلسفة الاسلامية الحديثة والمعاصرة حافظت بطريقة إبداعية على علاقتها بالفلسفة الاسلامية الوسيطة، ولا توجد قطيعة معرفية مع حلقات الفلسفة السابقة، وعلى رغم ان قيام هذه القطيعة في الفلسفة الغربية لا يصمد أمام محاولات الفقد الجادة لأن الفلسفة تتقدم في تاريخها لحلقات مترابطة ومتكاتفة وان كانت كل حلقة، تنظر إلى نفسها كحلقة تامة، قدمت أجوبة كاملة على الأسئلة الفلسفية، لكن تاريخ الفلسفة لا يقوم على نفي الحلقة اللاحقة للحلقة السابقة، وإن كان في موضوعات معينة يظهر في حال صراع. إن النظر إلى تاريخ الفلسفة على طريقة فوكو، كمجال لصراع البقاء بين تياراتها ومدارسها، لا يؤدي إلى القول بوجود انقطاع معرفي في تاريخ الفلسفة، ولا يجعل من هذا التاريخ صنوا لتاريخ العلوم وهكذا يكون في قولنا بوجود فلسفة إسلامية حديثة ومعاصرة ليس بحثا عن الحلقة المفقودة بل خلاصا لتاريخ الفلسفة نفسه من أخطائه وإنصافا لفعل الفلسفة، كما نكون قد أنقذنا يقظة الفلسفة من غفواتها وكبواتها كما من غفوة المشتغلين فيها على اختلاف مشاربهم وتياراتهم. ان الفلسفة الاسلامية الحديثة والمعاصرة ليست الحلقة المفقودة، بقدر ما هي الحلقة الثرية والقادرة على الثبات في ساحة الفكر الفلسفي كما في حوار الحضارات

العدد 13 - الأربعاء 18 سبتمبر 2002م الموافق 11 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً