مقاربة المتغير البحريني الجديد تظل في حاجة دائمة إلى شحذ واع ومتواصل لمفاهيم الثقافة وأدواتها المعرفية المتحررة. وفي الوقت ذاته فإن الحاجة أكيدة أيضا إلى إحداث تغيير مماثل في الأجهزة والسياقات الثقافية المعتمدة في إنتاج المقاربات.
في هذا الكتاب، يحفر الكاتب البحريني إبراهيم عبدالله غلوم في بنية الثقافة وتشريح امتداداتها اللعوب في الموضوع المحلي والعربي. غير أن تمسك الكتاب بمنهج اختلافي نسبي يسحب منه الكثير من شروط النجاح الكامل في القدرة على احتواء المشهدية البحرينية بكل جغرافيتها السياسية والثقافية، من دون أن ينفي ذلك بالطبع ما يتبوأ به الكتاب من جهد مخلص من أجل تأسيس رؤية ثقافية لحالة التنوع الثقافي والاختلاف المجتمعي والسياسي.
في الفصل الأول يشخص غلوم الواقع العربي الحديث من خلال إبرازه لما يسميه بالقوى المهيمنة في نسقنا الثقافي. ومنذ البدء يتلبس الكاتب بأحد مشوهات التقديم الثقافي، وذلك حينما يمارس اختزالا قاتلا يسبب مآلات محنطة من التعميم والتعمية. وهي وقوعات تتولد نتيجة الاستناد المنهجي إلى تأويل شديد الإشكالية لمصطلح الثقافة، والإرسال التسليمي لمؤدى عدد من المفاهيم والوقائع المتلبسة «العولمة، النظام العالمي الجديد، العلمنة...».
يحدد الكاتب الثقافة وفقا للمعايير الآتية: فهي نسبية زمانا ومكانا، وتتجاوز الواقع نحو الخيال والماضي والحلم، وتشتمل على العقلاني والأسطوري والخرافي. وفي ضوء ذلك تشير الثقافة في تحديدها النسبي إلى الكيفية المتشخصة التي تنتج الفكر والممارسة، وتشكل المجتمع بما فيه من تنوع واختلاف وتغير وثبات. ويعبر الكاتب عن هذه الكيفية بالقوى المهيمنة التي تفرز أشكال التباين والاختلاف، ومن ثم يختزل القوى المهيمنة في ثقافتنا العربية في التراث، بما يحتويه من أنظمة وطقوس انثروبولوجية وإحالات أيديولوجية وأبعاد لغوية وسياسية. ويرصد أهم تجليات الهيمنة التراثية في حضور التراث كذاكرة ثقافية، وكنموذج منازع لنموذج الغرب وكذاتٍ تفرض مركزيتها.
يقف الكاتب عند نسق الاستبداد باعتباره أبرز ترشيحات التراث المهيمنة على الثقافة العربية المعاصرة. وهو توقف نبيه ويحمل أكثر من معنى ومغزى، حيث يمكن من خلال هذا النسق تفسير الكثير من حالات الواقع العربي المعاصر، كما يتيح للعقل فسحة مغرية لتركيب نظام استدلالي منطقي يقوي خيارات العلاج التي يقترحها الكاتب في نهاية الفصل. فإلغائية الأصولي ووصولية المثقف و«دوغما» العقائد والسقوط أمام إسرائيل هو - بحسب الكاتب - نتاج الإرث الأكبر الذي توارثته ثقافتنا العربية والمتمثل في نسقية القمع. وفي المقابل فإن خطاب الكاتب الخلاصي يشير إلى سحرية العناوين المعروفة: العقلانية، الديمقراطية، العلمانية، مؤسسات المجتمع المدني، التعددية. وهو بذلك لا ينتج جديدا ولا يحيل على مجهول، ويكتفي بصياغة محدثة لحتمية العقلانية والعلمانية. وهذه آلية تتكئ ضمنيا على خطيئة إقصاء ما لا ينخرط مع الاستخلاص الحتمي وتغييب ما يخل بانسجام الرؤية. ففي الوقت الذي يحضر فيه، معاوية وأبو جعفر المنصور والغزالي ومحمد عبده، وأركون والجابري وأدونيس وخلدون النقيب والغذامي وعبدالله ابراهيم، يغيب علي بن أبي طالب وأبو ذر والنائيني وسعيد النورسي، وعلي شريعتي ومحمد باقر الصدر وطه عبدالرحمن وعبدالوهاب المسيري ومجتهد شبستري ومحمد حسين فضل الله.
وفي حين يعلن الكاتب خيبة أمله، وواقعيته اليائسة من تراجعات الواقع الثقافي العربي أمام تناقضات الأصولية الإسلامية وأوهام الخيار القومي، فإنه يطمئن قلبه برمي كتلة من التوصيات المعممة التي تستغفل الاستثناءات المهجورة أو المقصاة ويشيح بوجهه عن رؤية وقائع تحولية ونقلات مهمة تعاني أصلا من محنة الاستبعاد والتناسي. لربما هي مفردة استنساخية من مفردات النسق القمعي الذي يصر على الفاعلية والتأثير في أوساط النخبة المثقفة كما هو في أوساط الجماهير ويمكن استيعاب هذا الاستنساخ بالنظر إلى ما يرتكبه تحديد غلوم للثقافة من إبراز مفرط للتجريبي على حساب الممكن، وللوظيفي على حساب ما قد يبدو لا وظيفيا.
في الفصل الثاني يتناول الكتاب موضوعا شيقا حول الحراك الثقافي بين دول الخليج ودول المغرب العربي. ويحاول فيه الكاتب توصيف الرابطة الثقافية بين هاتين المنظومتين ما يؤكد سيرورة التاريخ الثقافي وحركيته غير المنقطعة، مختزلا هذه السيرورة في نموذج الرحلة بمعناها الشامل. وهو نموذج ذو خصوصية عربية وبفضله استطاع المثقفون والعلماء العرب اختراق العزلة السياسية العربية، وهو ما يشي بقوة الشروط الثقافية في تدعيم العلاقات الثقافية العربية بالمقارنة مع الشروط السياسية. يتحدث الكاتب حول هذا الموضوع عبر وصف مقارن يجادل بين السياسي والاثنولوجي في الخليج والمغرب العربي وطبيعة الروابط الثقافية بينهما. ويعرض - تمثيلا لتثاقف الرحلات الوطنية - رحلة الزعيم التونسي عبد العزيز الثعالبي إلى الكويت والبحرين «1924 -1925»، حاملا معه نضالا وطنيا وثقافيا كانت له مؤثراته الحيوية في ثلاثة خطوط، الأول افتضاح تيار العصبية الدينية «الكويت»، والثاني ترسيخ مدرسة الإصلاح الديني «الكويت»، والثالث قابلية البحرين لاستقبال أفكار الثعالبي الجديدة والاستعانة بها للخروج من أوضاعها المعقدة السائدة حينئذ.
يبحث الكتاب في فصله الثالث واقع الثقافة وتحدياتها في مجتمعات الخليج العربية. هذه التحديات ليست سوى معطيات واقعنا الثقافي/ الأنثروبولوجي على صعد الحياة المختلفة. وضمن ذلك يطرح العديد من الأسئلة المحورية حول جدلية العلاقة بين الثقافة والتحديات وما تثيره في إطارها المحلي أو الإقليمي أو العالمي، وما إذا كانت هذه الأسئلة نتاج ضغط المحلي والعالمي أو ضغوط الأزمات الطارئة، أو هي منتوجة وفق خطاب استراتيجي يعي الخلفية الثقافية لما يحدق بنا ولما نصنعه من أزمات وتحديات. ويخرج الكاتب من اتون هذه الاسئلة برؤية مزدوجة لفكرة التحديات، فهي قوى خلاقة للفعل الثقافي، كما أنها قوى مغلقة تعزل الثقافة عن معناها الخلاق. ويعاين الكاتب العلاقة الشبكية بين الديمقراطية والثقافة في الفصل الرابع. وتظل المقولة الثقافية جاثمة هنا ما يشعر بتماسك بنية الكتاب النصية ويوحي بتوحد خطابها، وخصوصا مع اعتلاء لغة نقدية صارمة ضد سياسات دول الخليج الثقافية لكونها لا تعترف بإمكانية التجاذب الإيجابي بين الديمقراطية والثقافية، بحكم عدم إقرار الأنظمة بالضرورة الديمقراطية لأسباب متعددة ومتداخلة. هذه اللغة النقدية بما فيها ترسبات دعوية تستلهم مبررها الواقعي - أو متبوعها الطبيعي - من تزامن كتابة مضمون هذا الفصل مع حوادث حرب الخليج الثانية.
يستكمل الكاتب حفرية البنية الثقافية بالإطلال على أدوات وتجليات المشهد الثقافي العربي المؤثرة هدما وبناء، ويعمل على توسيع الرؤية النقدية لهذا المشهد ليشمل المجلات العربية الثقافية ورهانات المثقفين. فالمفارقات التي تعكسها هذه المجلات تكشف أزمة حقيقية لرهانات المثقفين ولكيفية اندماجهم مع السلطة من ناحية أو إخلاصهم لمشاريعهم الثقافية من ناحية أخرى. ويتعمق منجز الإطلال النقدي للفصل الخامس مع استدعاء مشروع محمد جابر الأنصاري بوصفه نموذجا بحرينيا مفارقا. فهذا المشروع يوظف آليات نقدية مهمة في تحليل الواقع العربي وفي قراءة المنتوج الفكري العربي، إلا أن القاعدة النظرية التي يؤلف من خلالها الثنائيات المضادة لا تنسجم مع تلك الآلية فلسفيا وواقعيا. ويضيف غلوم اننا في ذلك كله لا نجد إلا مشاهد تحكي عمليات إعادة إنتاج الأزمات من غير الاعتماد على مرجعية ابستمولوجية محددة، وإنما من خلال آليات نقدية وجدلية وتاريخية.
الفصل الأخير من الكتاب يخصص بأكمله لما أسماه الكاتب بالحدث الديمقراطي في البحرين. واستنادا إلى عين المنظور الثقافي الذي يشتغل على تأسيسه الوظيفي يقرأ الكاتب هذا الحدث مستجلبا منظومة الثقافة المدنية والقيم التعددية والديمقراطية بوصفها مداخل تفسيرية تعكس المرغوبية المكبوتة وحجم الآمال المتوقعة في الوقت ذاته. من هنا يلملم غلوم الإرث الثقافي المشترك - في تاريخ البحرين الطويل - ويرسمه منبتا مباشرا للحدث الديمقراطي في البحرين، ويشيد بجميع الأصول الثقافية باعتبارها شريكا في الحدث ولها فيه صلاحية الانتفاع والاستفادة. ويلحق الكاتب قراءته الثقافية للسجل المحلي برؤية باحثة في احد ملفات التغيير والإصلاح في البحرين، وهو ملف الجمعيات وقانونها. هذا الانشغال يأتي متناسبا مع مشروع غلوم في تأصيل مفهوم الثقافة المنتجة للديمقراطية وضرورة استثمار ما يصطلح عليه بمناخ الثقافة المواتية للحرية، وفي هذا السياق يبدي غلوم وجهة نظر فاحصة وحصيفة حول قانون الجمعيات الذي استهدف المشتغلين في حقل الثقافة الإبداعية التي ترى التغيير في الوعي وتراكم التلقي. وضدا لذلك يدعو الكاتب - في خطاب مليء بالحسرة والتوق والاستعطاف - إلى إعادة الاعتبار إلى موقعية المثقف داخل التكوين الاجتماعي والقانوني على السواء، وذلك بفك العزلة المضروبة حول الجمعيات الثقافية وحلّ شبكة الرقابة والوصاية المفروضة عليها. تثبيت الشخصية الاعتبارية للجمعيات في ثقافة المجتمع والدول، بهذين المخرجين - يستخلص إبراهيم غلوم - يمكن إعادة النصاب لحركة التأسيس الديمقراطي المواتي للحياة والثقافة المدنية في البحرين
العدد 13 - الأربعاء 18 سبتمبر 2002م الموافق 11 رجب 1423هـ