لعل المترجم عبدالإله النعيمي احتار في ترجمة عنوان الكتاب قبل الشروع في ترجمة الكتاب ذاته. فكلمة Nation الإنكليزية ترتبط بمفهوم «القوم» والقومية، وترتبط بمفهوم الدولة القومية Nation State. بينما ترتبط كلمة «الأمة» بمفاهيم ذات جذور دينية وردت في القرآن الكريم. والأمة باللغة العربية أوسع من الكلمة الإنكليزية، لأن الأمة مطروحة في التراث الإسلامي بقوة وتعني تلك المجموعة البشرية المرتبطة برباط معنوي - ديني يعلو فوق البقعة الجغرافية التي ترتبط الكلمة الإنكليزية بها.
وسبق للبروفسور فرد هاليداي أن تطرق في كتابه السابق حول الإسلام والسياسة إلى «وهم» خلقه البعض يتحدث عن وجود شيء اسمه تصادم حضاري بين الإسلام والغرب. وأشار إلى أن الإسلاميين يتطرقون كثيرا لمفهوم «الدولة» دون تحديد ماذا يقصدون بالدولة وكيف تكون هذه الدولة المقصودة قريبة المعنى من مفهوم الدولة المطروح في الغرب. ولعله كان محقا في إشارته تلك، ولكن الترجمة العربية التي صدرت مع النسخة الإنكليزية في وقت واحد توضح كيف سقط الإسلاميون في فخ ترجمة كلمات دون الأخذ بمحتواها.
لقد وقع هاليداي في الفخ نفسه عندما ترجمت كلمة «الأمة» دون الأخذ بمحتواها المختلف والمطروح في الدين الإسلامي.
يعالج هاليداي في كتابه موضوعة تكوين الثقافة ويقول إن ما يحدد بوصفه ثقافة دينية أو قومية خاضع للتغيير، وإنه لا يوجد طرح «أصيل» أو «تقليدي» أو «حقيقي»، فكل هذه الطروحات خضعت وتخضع لتأويلات متباينة تستند إلى مصادر خارجة عن المنطقة الإسلامية أو أنها تستند إلى الماضي، وأن الجماعات المختلفة لم تتوقف عن إعادة التعريف وإعادة القراءة والانتقاء هنا وهناك لخدمة أغراض معاصرة. ويقول هاليداي إن ما يطرح حاليا بأنه التمثيل الصادق لتراث ماض ما هو في الحقيقة سوى «اختلاق» وإنتاج معاصر هدفه تلبية حاجات معاصرة ومصالح أولئك الذين يحدّون تعريف التراث. ويؤكد مرة أخرى بأنه لا يرى التأثيرات الخارجية على الشرق الأوسط ظاهرة تعبر عن تناحر أزلي، بل إنه تفاعل متغير ومتنوع يعكس حاجات سياسية واجتماعية، ذلك لأن الاكتفاء الذاتي ثقافيا مستحيل وقد كان مستحيلا على الدوام.
على رغم تأكيد هاليداي على استمرارية التأويل في المفاهيم والطروحات وتحول الأيديولوجية إلى وسيلة لذلك التغير المستمر، إلا أنه يعارض المفكرين الليبراليين الذين يؤمنون بالنسبية والخصوصية لأن هذه النظرة لا تؤمن بوجود قيم عالمية - كونية مثل منظومة حقوق الإنسان. وكثير من هؤلاء يذهبون إلى أن الحقوق أو المثل السياسية ليست قابلة للتطبيق إلا على الدول الغربية النخبوية، وهذه في الأساس فكرة استعمارية شاعت في القرن التاسع عشر واختلطت بأفكار الداروينية الاجتماعية التي تؤمن بأن البقاء للأقوى. ويشير إلى أن نسبية هؤلاء المفكرين الغربيين تجد لها مناصرين في الشرق الأوسط خصوصا أولئك الذين لا يحترمون قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان بحجة الخصوصية الثقافية، ويسمي هذه بالنسبية «من تحت».
من جانب آخر يطرح هاليداي نظرة شائكة حول الشرق الأوسط عندما يقول «كان التاريخ الحديث للشرق الأوسط - وسيبقى - مرتبطا بطائفة من النزاعات القومية - إيرانية وعربية وتركية وكردية وإسرائيلية. ويقول بإن التقسيمات الأخرى سواء كانت دينية أو حسب المنطقة أو التوجه اليساري أو اليميني، إنما هي «تقسيمات ثانوية». وأشار هاليداي إلى أن هذا الصراع القومي «سيبقى» يوحي بأنه يؤمن بالطرح الدائمي ذمْْمَىفٌ، الذي يعارضه في الكتاب. فهو ينتقد الطرح الدائموي الذي اتخذه الرئيس العراقي عندما وصف صراعه مع إيران أنه استمرار للحرب بين العرب والفرس المجوس منذ القادسية مؤكدا بأن «الشعبين خلال شطر كبير من التاريخ تفاعلا واختلطا عن طريق التجارة والدين». ويشير أيضا إلى أن «الأمم ليست نتاجات دائمة أو غائية بل تعكس تفاعل جملة من العوامل المرتبطة بالعالم الحديث والتي تحدد استعمالات ذلك الماضي».
نظرة هاليداي إلى الدين بأنه شأن ثانوي مقابل الصراع القومي ربما راجع إلى خلفية ماركسية تنظر إلى التاريخ كنتاج لصراع طبقي تلعب فيه المصالح الاقتصادية الدور الأساس، وتنتج عن ذلك الصراع أنماط ثقافية ودينية. وهذا الطرح لا يمكن للإسلاميين - مثلا - قبوله لأنهم ينظرون إلى الدين بصفته مجموعة من المبادئ الثابتة والمتغيرات التي تتحرك مع الزمن، وإن المبادئ الثابتة تسمو على التقسيمات الطبقية والزمنية.
ربما أن القسم الخاص بالحداثة والدولة أوسع وأعمق، إذ يتطرق هاليداي إلى الملكية والأصولية والثورة وغيرها بطريقة نوعية. فعندما يحلل وضع الأنظمة الملكية الثمانية في الشرق الأوسط فإنه يلحظ أن عوامل استمرارها راجع إلى قدرة هذه الأنظمة على المناورة وإقامة التحالفات مع طبقات هامة داخل مجتمعاتنا «كالتحالف مع القبائل أو التجار أو رجال الدين أو القوات المسلحة» وإلى وجود الدعم الخارجي المستمر. وهو يرى أن المقولة القومية المؤمنة بحتمية زوال الأنظمة الملكية لم تتحقق لأن الأنظمة القومية مرت بنكسة 1967 ثم بالغزو العراقي للكويت الذي أفقد تلك الأنظمة الكثير من الأسس التي اعتمدت عليها. ويذهب هاليداي إلى أن بقاء الأنـظمة الملكية ليس له علاقة بالدين الإسلامي. فالدين الإسلامي لا يعتبر الملكية جزءا من أركان الدين، وشرعية النظام الملكي تتأرجح اسلاميا حسب المفسرين المختلفين فيما بينهم حول نوعية النظام الذي يستطيع الحصول على الشرعية الإسلامية. والنظرة الأخرى التي يطرحها هاليداي هي أن الخطر الأول الذي أظهرته الأحداث نابع من داخل الأنظمة الملكية ذاتها، والتغييرات التي حصلت في الأنظمة الملكية كانت نتيجة اضطراب أجنحة البيت الحاكم نفسه. وعلى عكس ما تنبأ به القوميون في مطلع القرن فإن نهاية القرن العشرين شهدت تحول عدد من الأنظمة الجمهورية إلى «ملكية رئاسية». ويخلص هاليداي إلى أن بقاء النظام الملكي يعتمد على تلبية معايير ثلاثة: تعبئة الموارد الاقتصادية، والحفاظ على ائتلاف من التأييد الداخلي، وإدارة التحالفات الدولية
العدد 13 - الأربعاء 18 سبتمبر 2002م الموافق 11 رجب 1423هـ